إرادة حرة بقوة الروح

إرادة حرة بقوة الروح

قديماً ترنم داود قائلاً ” أما نفسي فتفرح بالرب وتبتهج بخلاصه، جميع عظامي تقول يا رب من مثلك المنقذ المسكين ممن هو أقوى منه والفقير والبائس من سالبه” (مز35: 9-10)

فهل تشتاق عزيزي القارئ أن تختبر في هذا العام العتق والحرية من كل ما هو أقوى منك، من سالبك أي إن كان سلطانه و قوته؟ هل تريد حقاً أن تفرح وتبتهج بكل قلبك بخلاص الرب؟ وتريد حقاً أن تتعلم أن تقول لا لكل ما يشوه حياتك من خطايا أو ضعفات وتختبر الإرادة الحرة؟

من هو العبد؟

العبد هو الشخص الذي ليس له حرية الأرادة. فهو ليس ملك نفسه، ليس حُراً أن يفعل ما يريد وقت ما يشاء. هو شخص له سيد يتحكم فيه، لذا فهو ليس حر في الإرادة. فهل أنت تشعر بضعف في إرادتك وتعجز أن تختار الطريق الصحيح؟ هل تشعر بعجز الأرادة أمام إختيارات لا تستطيع أن تقول لها لا؟

هل تشعر أو تعاني من الإحساس بالعبودية بسبب إحدى دوائر حياتك التي تعجز أن تتحرر أو تنتصر فيها؟ هل حاولت مراراً أن تتخلص من عبودية بعض الأمور المسيطرة عليك وفشلت بسبب عدم قدرتك على مواجهتها ؟ أو لأنها تأتي كالعاصف في وجهكلذا تفقد صمودك وتهرب خائراً منحنياً؟ أو أنك تستسلم لها ولا تواجهها على الإطلاق متبرراً أنها أقوى منك.

كم من أناس يعانون من موجات متتالية من الحزن والاكتئاب بسبب فشل أو جرح من علاقات، فهل تعاني أنت  من العبوديةلإنفعالاتك مثل الغضب أو الحزن والأكتئاب أو الإندفاع في ردود أفعالك؟ متخيلاً أن هذه هي شخصيتك وطبيعتك، ولا تعلم أنمعظم هذه الإنفعالات هي بعض آثار ما صنعه العدو في حياتك!

أم هل تعاني من الهروب من المواجهات ومن تحمل المسؤولية في حياتك أو تجاه أسرتك؟ وهل تعلم أن الإدمان قد يبدأ كوسيلة للهروب؟ أم أنك تعيش في الأنطوائية والأنعزالية هارباً في أحلام اليقظة؟!

لست بعد عبداً بل إبناً:

عزيزي القارئ، أريد أن أؤكد لك أنك لن تبقى عبداً إلى الأبد، فمشيئة الرب لك هي الحرية الكاملة. إن الرب يريد أن يعمل فيكليعطي لإرادتك حرية كاملة من أي عبودية. ولكن أولاً يا أحبائي وقبل كل شيء فلنثق في محبة الرب العجيبة لكل شخص فينامهما كانت عيوبنا أو ضعفاتنا. إذ قد وضع نفسه ليموت بديلاً عنا (في2: 6-8) وغسلنا من خطايانا بدمه الثمين ودعانا أبناء أحباء.

ومحبة الرب لنا لم تعطنا فقط غفراناً لخطايانا بل أيضاً أعطتنا النصرة والحرية. فالله في غنى نعمته ومحبته جاء للإنسان وهو عبد في ملء ضعفه وإثمه، حرره وأعطاه الإرادة لكي يقول لا للعبودية، لا للرجوع للوراء والماضي بكل خزيه وضعفه. لهذا يقول الكتاب ” لما جاء ملء الزمان أرسل الله أبنه مولوداً من امرأة .. ليفتدي الذين تحت الناموس لننال التبني.. ثم بما أنكم أبناء أرسل الله روح أبنه إلى قلوبكم صارخاً يا أبا الآب. إذا لست بعد عبداً بل أبناً وإن كنت أبناً فوارث لله بالمسيح” (غلا4: 4-7). إملأ قلبك بالإيمان بهذا الإعلان الثمين، إنه باختبارك وقبولك لفداء الرب، أنت قد قبلت الحرية أيضاً. إذ صار الروح القدس يعمل في قلبك، ويصرخ بإعلان أنك ابن لله ولست بعد عبداً. أي لم يعد يوجد من هو أقوى منك، لا يوجد من يسلبك ويقيدك فأنت حر. إن الرب

بالروح القدس يعمل فيك ليحرر إرادتك من العبودية القديمة ويخلق في داخلك إرادة جديدة ” لأن الله هو العامل فيكم أن تريدواوأن تعملوا..” (فى2: 13).

 عزيزي القارئ ربما كنت تعاني في الماضي من الإرادة المسلوبة، فشل في مقاومة الخطية، تسير وراء أهوائك وشهواتك كالعبد ولكن الآن أنت حرأنت في المسيح خليقة جديدة ولك إرادة جديدة، فأرفض أن تأخذ معك من صفات الخليقة القديمةالضعيفة العاجزة. اعلن إيمانك في يسوع المسيح المُقام من الأموات، والذي أقامك أيضاً معه من كل ضعف وعبودية لتمشى وراءه بإرادة حرة ” و نحن أموات بالخطايا أحيانا مع المسيح.. وأقامنا معه..” (اف2: 5،6).

أشخاص نالوا الحرية:

هناك قصتان في الكتاب المقدس توضحان لنا هذه المعاني عن أشخاص تمتعوا بإرادة روحية جديدة خُلِقَت في أعماقهم بالروح القدس.

نبدأ أولاً بقصة زكا (لو19) وهي إحدى قصص الخلاص العظيم الذي يعطيه الرب بنعمته الغنية، فزكا كان شخص عشار، خاطئ غير محبوب من الجميع ” حتى أن الجميع تذمروا قائلين كيف إن يسوع يدخل ليبيت عند رجل خاطئ”. نعم لم يدخل الرب بيت زكا لاستحقاقه أو لبر فيه، ولكن الدافع الوحيد كان قلب الرب المحب ونعمته الغنية. إن هذا اللقاء العظيم خلق في قلب زكا إرادة روحية جديدة، ثورة ورغبة حقيقية أن يحيا عكس كل اتجاهات الماضي. إرادة بقوة الروح القدس حولته من شخص يسرق الأموال ويجمع الجزية إلى شخص يريد أن يعطي ويرد كل ما سلبه أضعافاً ” أعطي نصف أموالي للمساكين وإن كنت قد وشيت بأحد أرد أربعة أضعاف” (لو19: 8).

و القصة الثانية نجدها في (تك39) ليوسف وهو بكل تأكيد شخص مميز له علاقة قوية مع الرب، يحبه ويخافه. فعندما طلبت منه امرأة سيده فوطيفار أن يضطجع معها، رفض بإرادة حرة قوية. كانت له الشجاعة والقوة الروحية الكافية ليقول لا أمام الخطية وإغوائها مهما كلفه ذلك من عواقب “كيف أصنع هذا الشر العظيم وأخطئ إلى الله” (تك39: 9). لقد إختبر الحريةوالإرادة الروحية المُحرَرَة بقوة الروح ليستطيع أن يرفض الأنصياع لجاذبية الخطية والجسد ويقول لا.

لذا عزيزي القارئ أنت أيضاً تستطيع دائماً بنعمة الرب وبقوة الروح أن تطيع الله، فلا تنطق بكلمات عدم القدرة أو الفشل في التحرر من أمر ما يزعجك ويسلب فرحك. اعلن إيمانك أنك تستطيع أن تحقق مشيئة الرب في كل جوانب حياتك، والله قادر لا أن يعطيك الإرادة الروحية المُخلِصة فقط، بل ان يُحرِرُك فعلياً من كل معطلات وقيود الحياة. اعلن معي الآن بالأيمان أن كل قيود في حياتك ستنتهي بقوة الروح القدس وستكون لديك القدرة لتقول لها لا. المال، الإدمان بكل صوره (المخدرات – السجائر – الخمر)، العاطفة أو الجنس، الهروب من المواجهات والمسؤوليات، الغضب وردود الأفعال العنيفة،  كل هذه أنواع من العبودية التي يريد الرب أن يحررك منها بالتمامفرغم أن الجسد ضعيف ولكن شكراً للرب لأن الروح نشيط ( حرفياً يريد ويملأك بالأرادة) ويعطيك القوة أن تميت أعمال الجسد وتقول لا للخطية (مت26: 41).

لقد رفض دانيال الخطية بإرادة ملأت قلبه بشجاعة وقوة لمواجهة التحديات والنار والأسود” اما دانيال فجعل في قلبه أنه لا يتنجس بأطايب الملك ولا بخمر مشروبه..” (دا1: 8). ونحن أيضاً يشجع الرسول بولس بالروح إرادتنا قائلاً “إذاً لا تملكن الخطية في جسدكم ..(رو6: 12)، “و لا تقدموا أعضاءكم آلات إثم للخطية بل قدموا أعضاءكم آلات بر لله..فإن الخطية لن تسودكم” (رو6: 13،14). وقد وعظ برنابا الجميع في أنطاكيا بأن يثبتوا في الرب بعزم القلب” (اع11: 23).

فلنتأمل معاً صيغة الأفعال لا تملكن، لا تقدموا، اثبتوا بعزم القلب، إنها جميعاً تعلن لنا حقيقة هامة جداً، أنت قد تحررت بالفعل. نعم بنعمة الرب قد صرت حراً وبقوة الروح لك حرية الإرادة أن تختار إما أن تملك الخطية أو لا، أن تقدم حياتك للخطية والهوان أو لا، أن تثبت في الرب بعزم القلب أو لا تثبت. إن الإرادة الحرة الروحية الحقيقية تتدفق وتملأك برغبة وتصميم في تبعية الرب يسوع، وبإصرار على الثبات حتى في أصعب المواقف. وهذه الأرادة الحرة لا تحوي عنفاً أو تمرداً بل حباً وعطاء، لهذا قال الرسول بولس أيضاً “فإني إذ كنت حراً من الجميع استعبدت نفسي للجميع لأربح الكثيرين” (1كو9: 19)، هذه هي ملء الإرادة الحرة التي عاش بها الرسول بولس حراً في المسيح وعبداً لمن أحبه وبذل نفسه على الصليب من أجله، بولس عاش حراً من الجميع لكن مديون بالكرازة بيسوع المسيح، عبداً للجميع ليربح نفوس للملكوت.

أخيراً يا أحبائي هل تريد أن تحيا أيام حياتك كلها تتبع الرب بعزم القلب، بإرادة حرة رافضاً كل عار وضعف في حياتك الماضية؟ هيا تَشبَّه بالرسول بولس وافعل شيئاً واحداً ” أنسى ما هو وراء و أمتد إلى ما هو قدام” (في3: 13) والرب سيعطيك القوة والشجاعة للصمود. قال يسوع للمرأة التي أمسكت في ذات الفعل “أذهبي ولا تخطئ أيضاً” (يو8: 11)، فالرب سيعطيك قوة لإختيارات جديدة حسب قلب الله وسيزرع فيك الإرادة الروحية إن وجدك تائباً أميناً ومخلصاً، متكلاً على نعمته وعمل روحه فيك.

صلاة

يا رب أشكرك من أجل حبك ونعمتك التي حولت العبد الأسير حراً طليق

 يا رب املأ قلبي بالروح فأصرخ يا أبي أنت شفائي.. حريتي.. نصرتي

أنت هو العامل في فلن أبحث عن مصادر مرة لإشباع العاطفة

ستعطيني الإرادة والقوة لأقف أمام كل شهوات الخطية والعبودية

نعم سأقول لا للخطية.. لكل اتجاهات خاطئة وملتوية في حياتي

لا للهروب.. لا للاستسلام.. لا للسلبية..

لا للغضب.. لا للحزن

لا لعدم الغفران.. لا للكذب.. لا لروح المتسلط

أستطيع كل شئ في المسيح الذي يقويني