الأمانة والوكالة المادية

العطاء في الكتاب المقدس
(12) الأمانة والوكالة المادية
“.. لأننا جميعاً سوف نقف أمام كرسي المسيح.. فإذاً كل واحد منا سيعطي عن نفسه حساباً لله” رو 10-12.

 إن مبدأ الوكالة أو الأمانة في الوزنات والمسئوليات التي أعطاها الرب لنا  يعتبر من التعاليم الجوهرية وقانوناً روحياً هاماً يملأ كتابنا المقدس. فقد خلق الله الإنسان بإمكانيات وقدرات طبيعية وفي قصده أن يكون أميناً فيها. وعندما يصير الإنسان مؤمناً، يفيض عليه الروح القدس بإمكانيات وقدرات جديدة يستودعها الله في حياته ليستخدمها، وعندئذٍ يُدرك أن هذه القدرات الطبيعية أو الروحية هي وزنات ومسئوليات استأمنها الله عليه.. وعلى الإنسان أن يكون أميناً عليها ويُحسن استخدامها ويتاجر بها لأنه سيأتي الوقت الذي سيقف أمام كرسي المسيح ليُعطي حساب وكالته.. وكيف تاجر بالوزنات وأحسن استغلالها.

والمال هو إحدى الوزنات الهامة التي يعطيها الرب للإنسان ويستودعها لديه ويترك له حرية التصرف بها واستخدامها بالشكل السليم. ثم سيأتي يوماً يطلب الله من الإنسان أن يعطي حساب وكالته المادية وكيف تصرف في أمواله، وهل أحسن استغلالها أم أهملها.

مثال كتابي هام: ملكوت السموات والوزنات

“وكأنما إنسان مسافر دعا عبيده وسلمهم أمواله. فأعطى واحداً خمس وزنات وآخر وزنتين وآخر وزنة. كل واحد على قدر طاقته. وسافر للوقت. فمضى الذي أخذ الخمس وزنات وتاجر بها فربح خمس وزنات أخرى. وهكذا الذي أخذ الوزنتين ربح أيضاً وزنتين أخريين. وأما الذي أخذ الوزنة فمضى وحفر في الأرض وأخفى فضة سيده. وبعد زمان طويل أتى سيد أولئك العبيد وحاسبهم”مت 25: 14-19

في هذا المثل الهام والشهير، شرح لنا الرب يسوع كثير من النقاط الهامة عن الوكالة والأمانة في استخدام الوزنات والأموال. فتعالوا نرى بعضاً منها:

سلم وزناته وأمواله:   لم تكن وزنات الفضة والأموال من ممتلكات العبيد بل عطايا سلمها لهم السيد. وكذلك الحال يا أحبائي بالنسبة لأموالنا أو ممتلكاتنا؛ فهي أموال قد أستودعها الرب في أيادينا. ولهذا فهو له كل الحق أن يأتي في الوقت المحدد ليسألنا كيف تصرفنا في هذه الأموال.

الوزنات للجميع أغنياء أو فقراء:  لقد أعطى السيد أموالاً للجميع. وبالفعل لم يعط الجميع بنفس القدر بل أعطى كل واحد قدر طاقته وكما يراه مناسباً له، فأعطى البعض كثيراً وآخرين قليلاً، ولكن لم يوجد منْ لم يأخذ من الرب. فحتى هؤلاء الذين يرون أنفسهم فقراء الآن، فإن هذا القليل الذي عندهم هو عطية من الله. ولهذا فحتى من لديه القليل يجب أن يهتم كيف يستخدم المال ويتصرف به.

يجب أن نتاجـر:  أعطى السيد الأموال والوزنات لعبيده لكي يتاجروا بها ويحسنوا استخدامها. فذهب صاحب الخمس وزنات وربح خمس وزنات أخرى وكذلك فعل صاحب الوزنتين. أما صاحب الوزنة الواحدة (وللأسف يحدث هذا كثيراً) فلم يُقدر قيمتها واحتقرها، أو لم يفهم الفرصة المعطاة له من الرب. ربما تمرد على السيد لأنه أعطاه القليل فرآه قاسٍ وظالم، وربما كان يخاف لأن ما عنده كان قليلاً فكانت النتيجة أنه فقد الفرصة أن يتاجر ويربح وزنات أخرى.

تاجر بالوزنات لتزداد:  عندما أحسن صاحب الوزنات الخمس التصرف وكان أميناً في وديعة سيده له وتاجر بها، سريعاً ما ربح خمس وزنات أخرى فلم يصبح له خمس وزنات فقط، بل صارت لديه عشر وزنات. ولو أتيحت له فرصة أطول قبل عودة سيده لربما صارت عشرين أو أكثر. ولكن الوحيد الذي لم تزداد وزناته وأمواله هو صاحب الوزنة الواحدة؛ ليس لأنها قليلة بل لأنه أهمل المتاجرة بها.

وهناك ملحوظة أخرى تلفت الانتباه، فصاحب الوزنة الواحدة لم يخسر الربح فقط لكنه فقد الوزنة نفسها لأن سيده وجده غير أمين على الوديعة. والعجيب يا أحبائي أن السيد أخذ الأموال منه وأعطاها لمنْ له عشر وزنات وقال لعبيده أن الذي عنده (أي مَنْ تاجر بما لديه وكان أميناً فربح وأثمر) سيعطى له وزنات أكثر(مت 29:25).

ماذا عنك أنت:  صديقي هل أدركت أن كل ما لديك من مال أو ممتلكات، قليلة كانت أم كثيرة، هي عطية من الرب لك وقد استأمنك عليها؟!. والسؤال الآخر هل كنت أميناً في وديعة الرب لك وأحسنت استغلالها بحسب مشيئته.. أم أهملتها أو أسأت استخدامها؟. والسؤال الأخير هل ترى ما لديك يزداد بسبب بركة الرب لأنك أميناً في ما عندك أم أنك تتعجب لأنه يتناقص ويُفقد منك؟

إن الطريق إلى ازدياد الوزنات التي لديك هو الأمانة في القليل الذي عندك من الآب. كن أميناً في القليل لكي يستأمنك الرب فيما بعد على الكثير. لا تضيع الفرص التي تتاح لك لتحسن التصرف في أموالك وتتاجر بها وتستخدمها لمجده، لأنه حينئذٍ ستتضاعف أموالك وسيستأمنك الرب على أموال أخرى ويفتح أمامك الفرص لتستخدمها وتتاجر بها.

كيف تحسن التصرف في أموالك
أريد أن أضع أمامك عدة نقاط سريعة وختامية تشرح لك فكر الكتاب المقدس عن كيفية التصرف في أموالك والمتاجرة بها.

1- تاجر بها في خدمة ملكوت الله

وصف الرب يسوع، أحد رجال الأعمال الأغنياء الذي استطاع أن يوسع تجارته وأرباحه ومخازنه وتضاعف رأس ماله، بالغباء!. وقال له هذه الآية الشهيرة “.. يا غبي هذه الليلة تطلب نفسك منك. فهذه التي أعددتها لمنْ تكون. هكذا الذي يكنز لنفسه وليس هو غنياً لله” لو 20:12 – 21. يا أحبائي هذا ليس فكر الكتاب عن المتاجرة بالوزنات والربح، فلو كنت تفكر بنفس الطريقة فأنت لم تفهم الرسالة إلى الآن. كن غنياً لله، أي استخدم أموالك ووزناتك لمجد الرب. أعط من أموالك لامتداد الملكوت، اشترك بمحبة وبذل قلبي ومادي في العطاء لخدمة الرب لكي تساعد في تحقيق مشيئته في الكرازة بالإنجيل لكل العالم. إن خدمة الرب والكرازة يحتاجان إلى أموالك. وقصد الرب أن تشترك أنت بالعطاء لنشر كلمة الرب وتعضيد الإرسالية إلى أقصى الأرض. فكن مثل كنيسة فيلبي التي مدحها الرسول بولس لأنها تثقلت بالكرازة واشتركت في نشر الإنجيل للعالم بعطائها المادي (في5:1).

2- تعلم السخاء
قصد الرب للمؤمن أن يكون سخياً في عطائه وليس بخيلاً أو شحيحاً. وفي العهد القديم أوصى الله الشعب أن لا يجمعوا زوايا الحقل ولا يلتفتوا إلى ما يقع في الحقل أثناء الحصاد بل يتركوه لمَنْ يحتاج أن يأخذه. ويقول بولس لتلميذه تيموثاوس “أوصِ الأغنياء.. وأن يكونوا أغنياء في أعمال صالحة وأن يكونوا أسخياء في العطاء كرماء في التوزيع مدخرين لأنفسهم أساساً حسناً للمستقبل..”1تي 17:6 – 19. صديقي.. إذا أردت أن تحسن الادخار لمستقبلك، كن سخياً في عطاءك وكريماً في توزيعك، لأنك عندما تزرع بالبركات ستحصد أيضاً بالبركات (2كو 6:9).

3-  اتبع القيادة

انشغلت مريم أن تضع مبلغاً ضخماً من المال ثمناً لزجاجة طيب كثير الثمن، ثم أخذت الطيب ودهنت قدمي يسوع. وبينما لم يعجب تصرفها الكثيرين واتهموها بالإتلاف، كان الرب فرحاً بها ومبتهجاً بما فعلته، إذ كانت تشترك في تكفين جسده قبل الصلب. كانت هذه هي خطة الرب لها وليس العطاء للفقراء. لذا فمن الهام أن تكرم الرب من أموالك، ومن الهام أيضاً أن تنفق هذا المال في المجالات التي يقودك الرب إليها. صلى أولاً وأطلب من الرب أن يقودك لتعطي حسب مشيئته وقيادته وليس حسب رغبات الناس حولك.. أو حسب إرادتك الشخصية.

4- ترتيب الأولويات

تعلم أن يكون لك الأولويات الروحية سواء في توجيه أموالك للرب أو حتى في مصروفاتك الشخصية، فهذه الأولويات تحتاج إلى حكمة وأمانة. يقول سفر الأمثال “هيئ عملك في الخارج وأعده في حقلك. بعد تبني بيتك” أم 27:24. إن الكتاب يعلمك الحكمة ويعطيك مثالاً، فلا توجه أموالك إلى بناء بيتك أولاً بل إلى تطوير عملك ونجاحه ثم بعد ذلك سيكون لك القدرة أن تبني بيتك وتحتفظ بعملك ناجحاً. فهل تعلمت الأولويات في العطاء؟.

5-  حكمة الأنفاق

الأمانة في أموالك لا تعني أن تقدم عطاءك للرب ثم تنفق المتبقي كما يحلو لك. فالأمانة المادية تقتضي منك أن تكون متزناً وحكيماً في إنفاقك. فإذا أعطاك الرب كثيراً، هذا لا يعني أن تكون مسرفاً “لأن السكير والمسرف يفتقران..” أم 21:23، كما كانت إحدى خطايا الابن الضال هي تبذير ماله بعيش مسرف (لو13:15). ولكن أيضاً يوجد “.. مَنْ يمسك أكثر من اللائق وإنما إلى الفقر” أم 24:11. صديقي إن الأمانة المادية تستلزم أن تحسن التصرف في أموالك كوكيل على عطية الله. فلا تكن مسرفاً ولكن بكل تأكيد لا تكن أيضاً بخيلاً ممسكاً سواء بسبب الخوف على المال والمستقبل أو بسبب محبة المال، بل كن متزناً.

صلاة ختامية
أبي السماوي أصلي أن تُعلم شعبك كيف يكونون أمناء في أموالهم، قليلة كانت أم كثيرة، مدركين أن ما عندنا هو عطية يدك ونحن وكلاء عليه..

فنتاجر به لمجدك وامتداد ملكوتك..

ونزرع بالبركات تحت قيادة روحك..

ونخضع لتعليمك لنا فنتعلم ترتيب الأولويات وحكمة الإنفاق. آميــن