الخضوع

الخضوع

مقـدمة

“.. أوثقوا الذبيحة بربط إلى قرون المذبح” مز7:118.

تحمل هذه الآية معانٍ كثيرة، ولكن هناك معنى رائع قد لمس قلبي جداً ولذا أحببت أن أبدأ به.

لقد كانت الذبائح تُربط بقرون المذبح في عيد المظال بأغصان الشجر المزينة (لا40:23).

الذبيحة إشارة إلى الرب يسوع. والُربط ليس المقصود بها الحبال بل أغصان الشجر المزينة والتي تعني رُبط المحبة التي تربطنا بالرب يسوع وهذه الرُبط وصفها هوشع برُبط المحبة (هو4:11). إنها ليست محبتنا نحن بل محبته هو العجيبة لنا. والقرن يرمز للقوة والمذبح يعني الحياة المقدمة للرب.

ماالمعنى إذاً؟ إن محبة الرب لنا التي ظهرت في الصليب لها قوة جبارة تقيدنا بقرون المذبح لنبقى دائماً أمواتاً عن ذواتنا.

لقد تحققت بالفعل كلمات هذه الآية ذبيحة موثقة بالمذبح؛ ففي بستان جثسيماني أوثقه الجند (يو12:18) ثم أوثقه حنانيا ليرسله إلى قيافا (يو24:18) بعدما أوثقه رؤساء الكهنة وشيوخ الشعب ليرسلوه موثقاً إلى بيلاطس (مت2:27) وأوثق في دار بيلاطس لكي يجلده الجنود وأخيراً أوثقوه بالمذبح بمسامير حادة نفذت في يديه ورجليه.

ليس ما فعله كل هؤلاء هو الذي أوثق الرب بالصليب بل ربط محبته لك ولي. وهي تلك الربط التي توثقنا نحن بمذبح الله كذبائح حية. ليس ربط محبتنا له إذ هي ضعيفة، بل ربط محبته هو لنا لأنها قوية جداً.

أن تقدم نفسك ذبيحة حية لله يعني أن تقول بصدق “….لا أنا بل المسيح” غل20:2. لا لمشيئتي الخاصة ونعم لمشيئته هو. ماأروع أن تكون حياتنا كلها ذبيحة حية! والذبيحة تعني موت عن الإرادة الذاتية الخاصة وحياة لطاعة إرادة الرب ولقيادة الروح القدس ولذا فهي أيضاً ذبيحة حية.

إنني أتذكر الرسول بولس إذ كان هو أيضاً موثقاً من أجل الرب. ففي رسالته إلى أهل كولوسي 3:4،4 يقول “…الذي من أجله (يسوع) أنا موثق أيضاً كي أظهره (يسوع)….” وفي نهاية الرسالة يقول “…اذكروا وثقي” كو18:4.

في العهد القديم كان للعبد الحق أن يتحرر من سلطان سيده في السنة السابعة بعد مضي ست سنوات على خدمته
(تث12:15-18). وأحياناً كان يحدث أن عبداً يرفض هذه الحرية بسبب محبته الشديدة لسيده ويتمسك بأن يستمر عبداً له، فكان يقف عند باب البيت ويقول: “أحب سيدي لا أخرج حراً”. نعم يرفض مثل هذا العبد أن يترك سيده بسبب المحبة الشديدة فيقرر أن يستمر خاضعاً له عن حب. وهكذا بسبب محبة يسوع الغير محدودة لك ولي فنحن أيضاً نقول: “أحب سيدي لا أخرج حراً”.. “أن أصنع مشيئتك يا إلهي سررت”.

في الصفحات التالية سوف نتحدث عن الخضوع في النقاط التالية:

1- معنى الخضوع.   2- معنى الخنوع.      3- كيف أخضع؟     4- الخضوع والإيمان.

5- لمَن أخضع

  • الخضوع للرب:       أ-  الخضوع لوصايا الرب.
  •                        ب- الخضوع لمعاملات الرب.
  •                        ج- الخضوع لدعوة الرب.
  • الخضوع للوالدين.
  • الخضوع للزوج.
  • الخضوع للقادة الروحيين.
  • الخضوع لبعضنا البعض في الجسد الواحد.
  • الخضوع لسلطة الدولة.
  • الخضوع للسادة.

6- خطورة عدم الخضوع.         7-  نتائج (ثمار) الخضوع.            8-  متى لا أخضع؟

1- معنى الخـــضوع

الخضوع يعني أن أطيع بفرح والطاعة بفرح تحتاج إلى إيمان “بالإيمان إبراهيم لما دعي أطاع أن يخرج إلى المكان الذي كان عتيداً أن يأخذه ميراثاً فخرج وهو لا يعلم إلى أين يأتي” عب8:11 .

والخضوع يعني الإستسلام الكامل لخطة الرب ومشيئته في حياتي “لتكن لا إرادتي بل إرادتك” لو42:22.

والخضوع يعني أيضاً التسربل بالتواضع أي إرتداء ثياب الإتضاع؛ فالإتضاع معنى من معاني الخضوع للآخرين. “كونوا جميعاً خاضعين بعضكم لبعض وتسربلوا بالتواضع”1بط5:5.

الخضوع يعني أيضاً أن أضع حياتي لأجل الرب “مَن أضاع حياته من أجلي يجدها” مت39:10.

والرب يسوع هو مثالنا الأعظم في الخضوع للآب. “تعلموا مني لأني وديع ومتواضع القلب” مت29:11 “وانا كخروف داجن (أليف) يساق إلى الذبح” إر19:11 “ظُلم أما هو فتذلل (فخضع) ولم يفتح فاه كشاة تساق إلى الذبح وكنعجة صامتة أمام جازيها فلم يفتح فاه” إش7:53. وفي أع32:8 “….ومثل خروف صامت أمام الذي يجزه هكذا لم يفتح فاه”.

لُقب الرب يسوع بالخروف لأنه أكثر الحيوانات خضوعاً واستسلاماً.. كما لُقب أيضاً بالحمل (هوذا حمل الله الذي يرفع خطية العالم). والحمل يدل على الوداعة والإتضاع. إن حب الرب الذي بلا حدود هو البعد الوحيد وراء إستسلامه للآلام وسفك دمه. ولكن هناك بعد ثاني وهو خضوع الرب يسوع المطلق لإرادة الآب والطاعة بفرح لمشيئته. “أن أفعل مشيئتك يا إلهي سررت….” مز8:40.. نعم أطاع حتى الموت موت الصليب. “من أجل السرور(سرور بخلاصنا) الموضوع أمامه. أخلى نفسه آخذاً صورة عبد”.

2- معني الخنــــوع

الخنوع هو الاستسلام في مذلة لكسب رضى الآخرين وخاصة أصحاب السلطة بأية وسيلة، ولو كان على حساب الرب، وذلك نتيجة صغر النفس والخوف.

أمثلة: (تك5:19-8) موقف لوط من أهل سدوم.

فقد أحاطوا بالبيت وقالوا له أين الرجلان (الملاكان) اللذان دخلا إليك الليلة أخرجهما إلينا لنعرفهما (أي ليفعلا الشر بهما). فخرج إليهم لوط إلى الباب وأغلق الباب وراءه وقال “لا تفعلوا شراً يا إخوتي. هوذا لي ابنتان لم تعرفا رجلاً أخرجهما إليكم فافعلوا بهما كما يحسن في عيونكم”. حاول لوط أن يرضي أهل سدوم بأية وسيلة بتعريض ابنتيه للرذيلة. إنه موقف الخنوع الذي يصدر عن نفسية محصورة في موقف الضعف المصاحب بالخوف. لوط أيضاً كان متباطئ في الخروج من سدوم حتى أن الملاكان أمسكا بيده وأخرجاه 1مل30:20-34.

“بنهدد ملك أرام بعد هزيمته أمام أخاب ملك إسرائيل هرب ودخل المدينة من مخدع إلى مخدع وعمل بنصيحة مشيريه فلبس المسوح وشد حبالاً على رأسه وأرسل إلى ملك إسرائيل وقال له” إني أرد المدن التي أخذها أبي من أبيك وتجعل لنفسك أسواقاً في دمشق فقطع له عهداً وأطلقه”. 1مل30:20-34 كان هذا العهد خنوع لا خضوع بدليل انه بعد ثلاث سنوات اكتشف أخاب أن ملك أرام لم يفي بعهده وأنه لم يعطه راموت جلعاد فقامت الحرب بينهما من جديد 1مل1:22-40.

فالخنوع قد يكون له مظهر الخضوع.. ولكن ما أبعد الفرق بينهما. فالخضوع يصاحبه ثقة وإيمان وحب
واتضاع،أما الخنوع فيصاحبه صغر نفس وكبرياء (تملق) كما يفعل نبات العليق الضعيف في تسلقه لشجرة الأرزالعملاق.(1مل24:22).. الخنوع يتملق الأقوياء لتحقيق الذات.

صدقيا بن كنعيا كبير للأنبياء الكذبة مثل واضح للتملق حفاظاً على مركزه في بلاط أخاب الملك فتنبأ له كذباً بالإنتصار وعندما جاء نبي الله ميخا وتنبأ بهزيمة الملك تقدم صدقيا وضربه على فكه وقال “من أين عبر روح الرب مني ليكلمك”1مل24:22 لقد أراد صدقيا بن كنعة أن يكسب رضى الملك أخاب وتنبأ بالكذب دون أن يعطيه الرب أن يتنبأ. فقد أراد أن يتملق الملك وحينما تنبأ ميخا نبي الله بهزيمة الملك ضربه صدقيا وكلمه بروح كبرياء- الوجه الآخر لصغر النفس- ولم يهتم صدقيا بالوسيلة التي يصل بها إلى رضى الملك.

3- كيـف أخضــع؟

في يو3:12 حينما سكبت مريم طيبها الغالي الثمن على رأس الرب وقدميه، يخبرنا إنجيل يوحنا “…فامتلأ البيت من رائحة الطيب”. فحينما تسكب نفسك للرب، فإن كثيرين سيشتمون رائحة الطيب التي بداخلك.. رائحة المسيح الزكية.

في إش12:53 “…سكب للموت نفسه (الرب يسوع)”. أن تسكب نفسك للرب يعني أن تموت عن ذاتك وتحكم عليها بالموت “عالمين هذا أن إنساننا العتيق قد صلب معه (مع الرب) ليبطل جسد الخطية…. (أي الطبيعة القديمة لكي تكون عاجزة)” رو6:6. وفي موت الذات سوف نختبر الحياة المقدمة للرب.. وسوف نختبر حياة الخضوع المملوءة بالمجد.

تحدث الرسول بولس عن عطاء كنائس مقدونية للفقراء الذي كان بسخاء، فكتب مؤكداً أنهم أعطوا أنفسهم أولاً للرب (2كو5:8) أي أنهم قدموا أنفسهم قبل أموالهم. فلا يمكن أن نخدم أية خدمة دون أن نقدم أنفسنا أولاً للرب.”….إن أراد أحد أن يأتي ورائي فلينكر نفسه” مت24:16.

وفي سفر (العدد5:19،6) تحرق البقرة الحمراء ويأخذ الكاهن خشب أرز وزوفا وقرمزاً ويطرحهم في وسط حريق البقرة. البقرة الحمراء هي رمز للرب يسوع الذي تحمل نار دينونة العدل الإلهي. وخشب الأرز هو شجرة عملاقة تشير إلى الكبرياء. ففي سفر إش12:2،13 “..لرب الجنود يوماً على كل متعظم وعال وعلى كل أرز لبنان العالي المرتفع…..”.

فخشب الأرز يتكلم عن كبرياء الإنسان العتيق الذي يظهر في التعالي على الآخرين ورفض الإعتراف بالخطأ والخنوع للآخرين. “الزوفا” هي أصغر الأعشاب وأضعفها، وهي الوجه الآخر للكبرياء، وهو صغر النفس الذي يصاحبه شعور بالغيرة والحسد. و “القرمز” هنا يرمز إلى التباهي؛ فالقرمز هو نوع من الثياب الغالية الثمن التي كان يرتديها الملوك والأغنياء. ويأتي القرمز بهذا المعنى في (إر30:4،رؤ3:17،4،16:18) ليرمز إلى سعي الذات إلى التباهي وجذب الانتباه.

لا يمكن أن تتمتع بحياة الخضوع ومازال في حياتك خشب أرز (كبرياء) وزوفا (صغرنفس) وقرمز (التباهي)، ولكن إذا أعلنت إيمانك ووضعت كل هذا وسط نار حريق البقرة الحمراء أي النار التي أتت على الرب يسوع، فقد
حمل الرب كل خطايا الإنسان العتيق من أرز وزوفا و قرمز وتحمل نار الدينونة، وهكذا تتخلص من آثار الإنسان العتيق. وحينما يفرغ إناءك من الذات، يأتي الروح القدس ويملأك. والروح القدس يعطي قوة خاصة لإعلان حكم الموت عن ذواتنا فنعلن بثقة “..فأحيا لا أنا بل المسيح يحيا فيّ” غل20:12. “…..قدموا ذواتكم لله كأحياء من الأموات..” رو13:6. “…..احسبوا أنفسكم أمواتاً عن الخطية ولكن أحياء لله بالمسيح يسوع ربنا” رو11:6. لقد صرت ميتاً بالنسبة للخطية وبالنسبة للذات.

4- الخضوع والإيمان

لنتأمل معاً كيف خضع نوح وإبراهيم..

انظر ما قاله سفر عبرانيين عن نوح “بالإيمان نوح لما أوحي إليه عن امور لم ترى.. بنى فلكاً لخلاص بيته….”
عب7:11 ماذا واجه نوح؟!! هزء وسخرية من الآخرين. ولكنه خضع بإيمان وصدق حقيقة الطوفان قبل أن يراه واقعاً بالعيان. لذا إستطاع أن يخضع لأمر الرب ببناء الفلك غير عابئ بما يقال عنه أو له.

إبراهيم مثال آخر..” بالإيمان إبراهيم لما دعي أطاع.. بالإيمان تغّرب في أرض الموعد…. لأنه كان ينتظر المدينة التي لها أساسات التي صانعها وبارئها الله.” عب8:11-10. كيف استطاع إبراهيم أن يترك أهله وأقرباءه ومدينته التي نشأ فيها ويخرج سائراً في مسالك لم يطرقها من قبل؟ كيف لم يخاف المجهول؟ كيف خضع وأطاع دعوة الرب؟

كان خضوعه بسبب إيمانه بالرب وإيمانه بوعده؛ فقد سبق وامتحن الله إيمان إبراهيم حينما طلب منه أن يقدم ابنه وحيده ذبيحة له ولم يمسك ابراهيم ابنه إسحق (ابن الموعد) عن الرب وذهب ليقدمه ذبيحة، ولكن الرب قال له لا تمد يدك إلى الغلام ولا تفعل به شيئاً. ولكن إبراهيم كان بالفعل قد ذبح ابنه؛ فقد ذبح عاطفته كأب وقدمها ذبيحة للرب. فمنذ اللحظة التي قرر فيها أن يأخذ ابنه، كان أمام الله قد قدمه بالفعل ذبيحة. قال الله لإبراهيم “الآن عرفت أنك خائف الله فلم تمسك إبنك وحيدك عني” ونظر إبراهيم ووجد كبشاً فقدمه محرقة عوضاً عن ابنه.

إن الخضوع هو عمل من أعمال الإيمان؛ فحينما تثق في الرب وتمتلك الإيمان سوف تسير خاضعاً له بالإيمان الذي ينجي ويسدد الإحتياجات ويحفظك في خطة الله ومشيئته.

أ- الخضوع لوصايا الرب

“…..اقبلوا بوداعة الكلمة المغروسة القادرة أن تخلص نفوسكم” يع21:1. كلمة “اقبلوا بوداعة” تعني “اخضعوا بتقدير وترحاب”. اخضع للكلمة.. اقبل أن تُغرس في قلبك.. ورحب بها معلناً خضوعك لما يقوله لك من خلال الكلمة. الرب يهمه جداً الطريقة التي تقبل بها الكلمة؛ لتكن بوداعة.. لتكن باتضاع وبخضوع لسلطان الكلمة. “لأن كلمة الله حية وفعالة وأمضى من كل سيف ذو حدين خارقة إلى مفرق النفس والروح والمفاصل والمخاخ ومميزة أفكار القلب ونياته” عب12:4

فكلمة الله لابد أن تكون لنا بمثابة المرآه (يع23:1) التي ترى فيها حقيقتك. فعندما تخضع لها بإخلاص، تظهر ما في قلبك من دوافع غير نقية مميزة أفكار قلبك ونياته. وهي لا تريك هذه الدوافع لتحطم معنوياتك. كلا.. بل لتعترف بها وتتخلص منها. إنها كلمة معزية ولكنها أيضاً موبخة، ولابد أن تخضع لتوبيخ الكلمة “كل الكتاب… نافع للتعليم والتوبيخ للتقويم والتأديب الذي في البر لكي يكون إنسان الله كاملاً متأهباً لكل عمل صالح” 2تي17،16:3. فالكلمة تعرفك فكر الرب الذي يجب أن تخضع له لكي يتزكى طريقك (مز9:119) …..ولاتتقلقل خطواتك (مز31:37). فالكلمة لها قوة تخترق النفس والروح والمفاصل والمخاخ. ولن تشعر بهذه القوة إلا إذا قضيت وقتاً مع الكلمة في التأمل كل يوم وأن تترك الكلمة لكي تمتحنك وأنت خاضع لها.

في سفر أستير2:3رفض مردخاي أن يسجد لهامان كما أوصى الملك لأنه أطاع وصية الرب لأنه مكتوب “للرب إلهك تسجد وإياه وحده تعبد” (لو8:4،تث13:6،20:10). ولما رأى هامان أن مردخاي لا يجثو ولا يسجد له إمتلأ غضباً فعمل هامان الوزير خشبة ليصلب عليها مردخاي (أس14،9:5). وفي نفس الليلة طار النوم من أحشويرش الملك فطلب أن يشغل وقته بالإستماع إلى أخباره المدونة، وقاده الإستماع إلى تذكر ما فعله مردخاي من أجله. تذكر الملك أن مردخاي هو الذي أبلغ في وقت سابق عن مؤامرة دبرت لقتله وسأل الملك وعرف أنه لم يتذكر أحد أن يكافئ مردخاي فأمر بإكرامه فوراً. أمر أن يلبسوه الثياب السلطاني ويضعوا التاج الملوكي على رأسه ويركبوه على الفرس ويسيروا في ساحة المدينة منادين قدامه بكرامته (أستير6). في خضوع مردخاي وطاعته لوصية الرب نجاة وكرامة ومجد؛ فلم يتركه الرب لمؤامرة هامان، وتدخل الرب لا لإنقاذه فقط بل لتعويضه أيضاً أضعاف وأضعاف.

تأمل ما قاله الرب ليشوع عن أهمية وصاياه. “لا يبرح سفر هذه الشريعة من فمك بل تلهج فيه نهاراً وليلاً لكي تتحفظ للعمل حسب كل ماهو مكتوب لأنك حينئذ تصلح طريقك وحينئذ تفلح (تنجح)” يش8:1. “طوبى للرجل…. الذي في ناموس الرب (وصاياه) مسرته وفي ناموسه يلهج نهاراً وليلاً…..وكل مايصنعه ينجح” مز1:1-3 “…لا تنسى شريعتي بل ليحفظ قلبك وصاياي” أم1:3.

(في سفر دانيال8:1)، خضع دانيال أيضاً والفتية الثلاثة لوصايا الرب. ففي عدد8 “أما دانيال فجعل في قلبه أنه لا يتنجس بأطايب الملك ولا بخمر مشروبه…” “فكان رئيس السقاة يرفع أطايبهم وخمر مشروبهم”. لقد أطاعوا وصية الرب، فماذا حدث في عدد 17؟ “أما هؤلاء الفتيان الأربعة فأعطاهم الله معرفة وعقلاً في كل كتابة وحكمة وكان دانيال فهيماً بكل الرؤى والأحلام حتى جُعل رئيس وزراء”. وإغتاظ باقي الوزراء وأرادوا أن يجدوا علة في دانيال لكي يشتكوا عليه فلم يجدوا. تشاوروا على أن يضعوا أمراً ملكياً بأن كل من يطلب طلبة حتى ثلاثين يوماً من إله أو إنسان إلا من الملك يُطرح في جب الأسود. ووافق الملك وأمضى كتابه.

فلما علم دانيال بإمضاء الكتابة، ذهب إلى بيته وكواه مفتوحة في عليته نحو أورشليم (حيث حضورالرب)، فجثا على ركبتيه ثلاث مرات وصلى وحمد قدام إلهه كما كان يفعل من قبل ذلك. لقد إعتاد دانيال أن يصلي في بيته ولم يخاف بعد إمضاء الكتابة وصلى وكواه مفتوحة عن ثقة وإيمان فهو خضع لوصية الرب ورفض أن يطيع أمر الملك فطرح في جب الأسود. فماذا حدث؟ الخضوع للرب يأتي دائماً بالنجاة. فقال الملك لدانيال هل إلهك الذي تعبده دائماً أستطاع أن ينجيك من الأسود فأجابه دانيال “إلهي أرسل ملاكه وسد أفواه الأسود فلم تضرني ففرح الملك به وأمر بأن يصعد دانيال من الجب. في الخضوع حماية مؤكدة. فهو ينجي وينقذ.

ب- الخضوع لمعاملات الرب

“لأن الله هو العامل فيكم أن تريدوا وأن تعملوا من أجل المسرة” في13:2. الله سيعمل فيك بالروح حتى تصبح لك الإرادة التي تريد مايريده هو لك كي تعمل مايريده هو.

أع22:7 “فتهذب موسى بكل حكمة المصريين وكان مقتدراً في الأقوال والأعمال”. لقد تعلم كل حكمة الفراعنة لأنه تربى في قصر فرعون وصار مقتدراً في أعماله كما في أقواله. فهل أهّله هذا ليصير أداة مستخدمة بقوة من الرب؟!!!

(خر12،11:2) رأى موسى واحداً من شعبه يضربه أحد المصريين فالتفت إلى هنا وهناك ورأى أن ليس أحد فقتل المصري وطمره في الرمل. إعتمد على حكمته وقوته وأراد أن يحرر شعبه من العبودية للمصريين حسب طريقته هو.

وفي اليوم الثاني ظهر لشعبه وهم يتخاصمون فساقهم إلى السلامة (المصالحة) الذي كان يظلم قريبه دفعه قائلاً “من أقامك رئيساً وقاضياً علينا أتريد أن تقتلني كما قتلت أمس المصري”، فهرب موسى بسبب هذه الكلمة وصار غريباً في أرض مديان (أع23:7-29). وهكذا هرب موسى إلى أرض مديان خوفاً من فرعون الذي سمع بالأمر وطلب أن يقتله (خر15،11:2). إضطر أن يهرب ليعمل راعياً للغنم بعد أن كان أميراً في قصر فرعون وظل أربعين عاماً يعمل راعياً للغنم. وفي هذه السنوات تعلّم أن الخراف التي يرعاها هي في خضوعها المطلق له لأنه راعيها، وهكذا أيضاً أمانه ونجاحه يكمن في أن يكون مثل خرافه خروفاً لراعيه يخضع له في كل شيء.

لقد تعامل الرب مع موسى لكي يعده لينقذ شعبه من أيدي فرعون. تأمل كيف تغير موسى بعد سنوات الإعداد؛ لم يعد معتمداً على ذاته. فحينما دعاه الرب ليرسله إلى بني إسرائيل قال له “…لست أنا صاحب كلام منذ أمس ولا أول أمس ولا من حيث كلمت عبدك بل أنا ثقيل الفم واللسان” خر10:4

وتأمل أيضاً ما فعله موسى عندما دعاه الرب أن يقود الشعب في برية سيناء. لم يتكل على خبرته الطويلة بطرق ووديان سيناء التي أقام بها أربعين عاماً بل إعتمد على قيادة الرب.”إن لم يسر وجهك (حضورك معنا) فلا تصعدنا من ههنا” خر15:33 كأن موسى يقول الرب تدخل وامنعنا من السير إذا لم تكن أنت القائد لنا.

(تك32) في قصة يعقوب: اعتمد يعقوب على ذاته واستغل الفرصة بالحكمة البشرية (المكر) وأخذ البكورية من أخيه والبركة أيضا.َ لقد أراد الله أن يكسر الذات الموجودة في يعقوب. كيف؟ لقد بقى يعقوب في بيت لابان عشرين عاماً واستخدم الرب لابان بمكره وخداعه كشوكة ليعقوب لهدف أن يحرره من الاعتماد على إمكاناته الذاتية. وهكذا استخدم الرب لابان في صقل شخصية يعقوب وفي إعداده، كما استخدم أخيه عيسو الذي جاء ومعه أربع مئة رجل لقتله. فلما علم يعقوب خاف جداً وضاق به الأمر ولجأ إلى الرب “وبقى يعقوب وحده وصارعه إنسان(ملاك) حتى طلوع الفجر وخرج و هو أعرج من هذه المصارعة فقد كُسر فخذه.

(هو4:12) جاهد يعقوب مع الملاك وغلب بكى واسترحمه. حينما وصلت معاملات الرب مع يعقوب إلى أن بكى، انتصر على ذاته. فعندما تجد نفسك معتمداً على ذاتك، اترك نفسك للرب حتى تنتصر على ذاتك وتنكسر أمام الرب. ولما رآه أخوه عيسو ركض للقائه وعانقه ووقع على عنقه وقلبه وبكيا. حينما خضع يعقوب للرب، تغيرت الظروف وتغير يعقوب أيضاً فقال لأخيه عيسو “خذ بركتي التي آتي بها إليك لأن الله قد أنعم عليّ ولي كل شيء” تك11:33. “…أما المتواضعون فيعطيهم نعمة” 1بط5:5.

أي2:32 “فحمي غضب أليهو….. على أيوب لأنه حسب نفسه أبر من الله”. كان أيوب يرى نفسه باراً في عيني نفسه لذلك سمح الله للشيطان أن يجرب أيوب لكي يكسر البر الذاتي الموجود داخله ولقد خضع لتعاملات الرب معه أي10:23 “لأنه يعرف طريقي إذا جربني أخرج كالذهب” وفي ص42 “…ولكني قد نطقت بما لم أفهم بعجائب فوقي لم أعرفها أسألك فتعلمني بسمع الأذن قد سمعت عنك والآن رأتك عيني لذلك أرفض وأندم في التراب”. استطاع أيوب أن يرى الرب حينما كُسرت ذاته ووضع نفسه أمام الرب لكي يعلمه.

فرّد الرب سبي أيوب وزاد الرب على كل ما كان لأيوب ضعفاً “لأنك جربتنا يا الله محصتنا كمحص الفضة أدخلتنا
إلى الشبكة جعلت ضغطاً على متوننا ركّبت أناساً على رؤوسنا دخلنا في النار والماء ثم أخرجتنا إلى الخصب”
مز10:66. إذا وقعت تحت يد الرب فاخضع له واتضع أمامه. نعم “خزف أنا بين يديك” فهو سيشّكل إنائي ويخرج
مني إناء رائع مملوءً بالمجد.. وسوف يلاشي كل نتوءات في إنائي لأنه الخزاف الأعظم. لذلك سوف أخضع لتشكيله لي ومعاملاته معي.

ففي سفر إرميا: طلب الرب من إرميا أن يذهب إلى حيث تُصنع أوعية الفخار وهناك رأى الفخاري وهو يشكل بأصابعه كتلة من الطين موضوعة فوق قرص يديره بقدميه وسمع أرميا تفسير الرب لما رآه “هوذا كالطين بيد الفخاري هكذا أنتم بيدي” إر6:18. اخضع له مثل كتلة الطين في يد الفخاري لكي يفعل بك ما يريد ليشكلك وعاءً نافعاً لخدمته.

حتى لو كانت معاملات الله معي بالتأديب سوف أظل خاضعاً له. “…ياابني لا تحتقر تأديب الرب ولا تخر إذا وبخك لأن الذي يحبه الرب يؤدبه” عب6،5:12. قال أيوب هوذا يذبحني سأظل واثقاً فيه (أي15:13) ويمكن أن تأتي ترجمة هذه الآية “هوذا يقتلني لا أنتظر شيئاً فقط أزكي طريقي قدامه”.

ج- الخضوع لدعوة الرب

في تك2،1:12 دعا الله إبراهيم قائلاً “اذهب من أرضك….إلى الأرض التي أريك….أباركك وأعظم اسمك وتكون بركة”.

في عب8:11 “بالإيمان إبراهيم لما دعي أطاع أن يخرج إلى المكان الذي كان عتيداً أن يأخذه ميراثاً فخرج وهو لا يعلم إلى أين يأتي”. افعل كإبراهيم وأطع صوت الرب لك. فإذا دعاك فهو سيباركك.. وسيجعلك بركة إن ذهبت من الأرض التي ليست بحسب مشيئته إلى الأرض التي يقودك إليها.

عندما تعرض إسحق للمجاعة في أرضه تحدث الرب إليه قائلاً “….لا تنزل إلى مصر. اسكن في الأرض التي أقول لك…..فأكون معك وأباركك….” تك2:26،3 وأطاع إسحق الله وسكن في الأرض التي دعاه الرب إليها. فماذا كانت النتيجة؟ يقول سفر التكوين “زرع إسحق في تلك الأرض فأصاب في تلك السنة مئة ضعف وباركه الرب فتعاظم الرجل (إسحق) وكان يتزايد في التعاظم حتى صار عظيماً جداً” تك12:26،13

إذا أردت أن تكون مثمراً فلتطع الرب وتخضع لدعوته لك.. ولكن لابد أن تكون لك علاقة سليمة مستمرة مع الرب وتكون مستعداً لطاعته عن حب وثقة فيه. لاتفعل مثل يونان حينما طلب الرب منه أن يذهب إلى مدينة نينوى لينذرها بقضاء الله الآتي عليها بسبب شرورها إذا لم تتب، ولكن يونان كان يكره هذه المدينة لأنها عاصمة مملكة أشور التي كانت تعادي شعب يونان. فقام يونان ليهرب من وجه الرب وقرر أن يذهب إلى ترشيش أبعد مدينة عن موطنه، وإنتهى الأمر بيونان في جوف الحوت “أعود أنظر إلى هيكل قدسك”.رجع يونان إلى الرب وصلى له من جوف الحوت فأمر الرب الحوت فقذف يونان إلى البر. وحينما دعا الرب يونان مرة ثانية ليذهب إلى نينوى قام يونان وذهب بحسب قول الرب. فآمن أهل نينوى بالله.

قد يحدث أن تسير خارج دعوة الرب لك (خارج مشيئته). ولكن ثق إذا كان إتجاه قلبك أن تسير خاضعاً لمشيئته، لن يتركك الرب وسيعالج كل نتائج خروجك عن دعوته، كما فعل مع إيليا حينما ذهب إلى مدينة يزرعيل حيث قصر الملك أخاب لكي يقود الشعب في نهضة في علاقته بالله. وكان الرب مع إيليا فشدد حقويه ليذهب إلى يزعيل.

الخضوع للوالدين

لقد أمر الرب الأبناء أن يخضعوا لوالديهم في كل شيء. وهذه بعض الآيات الكتابية عن ذلك “أيها الأولاد أطيعوا والديكم في كل شئ لأن هذا مرضي في الرب” كو20:3 هنا يوضح خضوع الأبناء للآباء في كل شيء. ويقول أيضاً “أيها الأولاد أطيعوا والديكم في الرب لأن هذا حق” أف1:6 وهنا يوضح أن الطاعة هي في الرب أي عندما يضع الابن أمام عينيه الرب نفسه يسهل عليه الطاعة.

وعن أهمية الخضوع للآباء قال سليمان الحكيم “يا إبني إحفظ وصايا أبيك ولا تترك شريعة أمك أربطها على قلبك دائماً قلد بها عنقك، إذا ذهبت تهديك. إذا نمت تحرسك. وإذا إستيقظت فهي تحدثك” أم20:6-22. ويقول أيضاً “الأحمق يستهين بتأديب أبيه أما مُراعي التوبيخ فيذّكى” أم5:15 وهذا يوضح أن عدم الخضوع للوالدين هو حماقة.

ويحذر سليمان الحكيم أيضاً من خطورة عدم طاعة الوالدين قائلاً “العين المستهزئة بأبيها والمحتقرة إطاعة أمها تقورها غربان الوادي وتأكلها فراخ النسر” أم17:30. ومعنى تقورها غربان الوادي كناية عن موته أشنع ميتة فلا يعرف موضع جثته حتى تأكلها الغربان والنسور.

هناك مثل يوضح الخضوع للوالدين وهو الرب يسوع عندما كانت له أثنتي عشر سنة في الهيكل جالساً وسط المعلمين الذين بهتوا من فهمه، ولكن عندما جاءت مريم ويوسف النجار طلبا منه أن يترك الهيكل ويذهب معهما فقال لهما يسوع “ألم تعلما أنه ينبغي أن أكون فيما لأبي” لكن مريم ويوسف لم يفهما الكلام الذي قاله لهما ورغم ذلك “…نزل معهما وجاء إلى الناصرة وكان خاضعاً لهما” لو42:2-51.

خضوع الزوجة للزوج

يقول الرسول بولس “أيها النساء إخضعن لرجالكن كما للرب لأن الرجل هو رأس المرأة كما أن المسيح أيضاً رأس الكنيسة..” أف22:5-23. الرسول بولس يقول للزوجة أن تخضع لزوجها كما تخضع للرب لأن الرجل هو قائد المرأة كما المسيح هو قائد الكنيسة و”كما تخضع الكنيسة للمسيح كذلك النساء لرجالهن في كل شيء” أف24:5. ويقول أيضاً “أيتها النساء إخضعن لرجالكن كما يليق في الرب” كو18:3 فالرجل يمثل في سلطته الرب نفسه فيقول للزوجة أن تخضع له كما يليق بالخضوع للرب، وأن تحترمه أيضاً “وأما المرأة فلتهب رجلها” أف33:5. وفي رسالة بطرس الأولى1:3 “كذلكن أيتها النساء كن خاضعات لرجالكن حتى وإن كان البعض لا يطيعون الكلمة يربحون بسيرة النساء بدون كلمة”.

حتى لو كان الزوج غير مؤمن فهذا ليس مبرراً للزوجة لعدم الخضوع له. فالرسول بطرس يبدأ الآية بكلمة “كذلكن” لكي يقول لنا كما أن علاقة الخضوع بين المؤمن وسلطة الدولة وبين المؤمن وصاحب العمل يجب أن تكون هكذا العلاقة في البيت فإن الله يضع مسئولاً في البيت وهو الزوج الذي على الزوجة أن تخضع له حتى لو كان غير مؤمن وتربحه للرب بسلوكها بدون أن تقول كلمة واحدة. وخضوع الزوجة هنا ليس خضوع الذل بل خضوع التحرر من الذات.

كما أن تواضع المرأة في خضوعها هو الزينة الرائعة التي تحلي صورتها “فإنه هكذا كانت قديماً النساء القديسات أيضاً المتوكلات على الله يزيّن أنفسهن خاضعات لرجالهن”1بط5:3. لماذا تخضع المرأة (الزوجة) للرجل (الزوج) وليس العكس؟ لأن هذا هو فكر الرب؛ لقد خلق آدم أولاً ثم حواء أي من أجل آدم خُلقت حواء. لأن الرجل لم يخلق من أجل المرأة بل المرأة من أجل الرجل (1كو11: 9) وقصد الرب أن تكون الزوجة معينة لزوجها وخاضعة له.

لكن.. خضوع الزوجة لسلطة الزوج ليس معناه أن الرجل أفضل من المرأة أو أعظم منها، فالرب يقول في1كو11: 11،12 “غير أن الرجل ليس من دون المرأة ولا المرأة من دون الرجل في الرب لأنه كما أن المرأة هي من الرجل هكذا الرجل أيضاً هو بالمرأة ولكن جميع الأشياء هي من الله”.

فخضوع الزوجة للزوج لا يقلل من قيمتها؛ لقد كانت سارة تطيع إبراهيم زوجها داعية إياه سيدها. وهل تعرف أن الله قد أسماها بهذا الاسم سارة الذي يعني أميرة؟ تأمل دبورة التي ظهرت في وقت كان فيه شعب الله مستعبداً للأعداء لسنوات طويلة لكنها كانت مختلفة. وضعت الرب أمامها، تنبأت ودعت الشعب إلى إنتصار مجيد. ومعنى إسم دبورة (فصيح) ويأتي من فعل يتكلم، فقد كانت تتحدث بكلمة الرب. يقول الكتاب “دبورة امرأة نبية زوجة لفيدوت” قض4:4.

الخضوع للقادة الروحيين

“اطيعوا مرشديكم واخضعوا لأنهم يسهرون لأجل نفوسكم كأنهم يعطون حساباً لكي يفعلوا ذلك بفرح لا آنين لأن هذا غير نافع لكم” عب17:13. ويقول أيضاً الرسول بطرس “كذلك أيها الأحداث اخضعوا للشيوخ….”1بط5:5. لابد أن تخضع للشخص المتقدم عنك روحياً سواء الخادم الذي يخدمك أو الراعي(القائد).

وفي الآيات السابقة يتفق الرسول بولس والرسول بطرس على الخضوع والطاعة للمرشدين الروحيين. ويقول أيضاً الرسول “ثم نسألكم أيها الأخوة أن تعرفوا الذين يتعبون بينكم ويدبرونكم في الرب وينذرونكم وأن تعتبروهم كثيراً جداً في المحبة من أجل عملهم…”1تس12:5،13. في الآيات السابقة نجد أن الله أعطى المرشدين الروحيين تفويضاً أن يتكلموا بكلمة الله ساهرين على النفوس مقدرين مسئوليهم كأنهم يعطون حساباً. فالخضوع والطاعة لهم تعطي الفرصة للمؤمن أن يتعرف على مشيئة الله. والدافع لهذا الخضوع هو المحبة. “وأن تعتبروهم كثيراً جداً” تعني الإحترام والتقدير للقائد. وفي عب7:13 “أذكروا مرشديكم الذين كلموكم بكلمة الله”. تشير الآية السابقة إلى ضرورة الصلاة لأجل المرشدين الروحيين الذين استخدمهم الله لتوصيل كلمته لنا.

الخضوع لبعضنا البعض في الجسد الواحد

في مت26،25:20 “فدعاهم يسوع وقال أنتم تعلمون أن رؤساء الأمم يسودونهم والعظماء يتسلطون عليهم لا يكون هكذا فيكم عظيماً فليكن لكم خادماً ومن أراد أن يكون فيكم أولاً فليكن لكم عبداً”. قصد الرب أن نكون عظماء بأن نكون خدام بعضنا لبعض. تأمل هذه الآية.. لم يقل يسوع فليكن لي خادم بل قال فليكن لكم خادماً ومن أراد أن يكون فيكم أولاً فليكن لكم عبداً. الآية هنا تمتحن قلب كل واحد؛ ما هو موقفك من الآخرين هل أنت خادم وعبد لإخوتك؟!

ما هو عمل العبد؟ إنجيل يوحنا5،4:13. الحديث هنا عن الإتضاع الذي يظهر في التعامل مع الآخرين. قام الرب عن العشاء وخلع ثيابه (إشارة إلى التخلي عن مركزه كسيد لأنه يريد أن يكون سيداً بالحب والإتضاع). وأخذ منشفة واتزر بها (هذا عمل الخادم خادم البيت وليس سيد البيت). الرب يسوع هنا يغير مفهوم العظمة والسيادة الأرضية؛ فقد خلع ثوب السيادة واتزر بالمنشفة لأنه أراد أن يقول من أراد أن يكون فيكم عظيماً لابد أن يكون خادم الآخرين عن حب واتضاع فلا لإتجاه السيادة والرئاسة.

يو14،5:13 “ثم صب ماء في مغسل وابتدأ يغسل أرجل التلاميذ ويمسحها بالمنشفة التي كان متزراً بها.. فإن كنت وأنا السيد والمعلم قد غسلت أرجلكم فأنتم يجب عليكم أن يغسل بعضكم أرجل بعض”.. والمقصود بغسل الأرجل هنا ليس المعنى الحرفي وإن كان ممكن أن يحدث هذا أحياناً ولكن المقصود هو إتجاه القلب. قوة الخادم في أن يغسل أرجل إخوته أي لا يرى نفسه أفضل منهم. لا توجد قوة بدون إتضاع فقوة الخادم في الحب والإتضاع.

في رسالة بطرس الأولى والأصحاح الخامس..”كذلك أيها الأحداث أخضعوا للشيوخ وكونوا جميعاً خاضعين بعضكم لبعض”. إذا وجد إتضاع فسهل على الشيخ أن يخضع للحدث (المؤمن المبتدئ).. وسهل على الزوج أن يخضع للزوجة إذا وجد أنها تتكلم كما للرب وذلك لأن الزوج شخص متضع.. وسهل على أي مؤمن أن يخضع للآخر لأنه يوجد حب سيطرة أوسيادة. “وتسربلوا بالتواضع” كلمة “تسربلوا” لم تأتِ إلا في هذا المكان في العهد الجديد ومعناها شخص يرتدي الثوب الخارجي الذي يرتديه العبد، وهذا لأن بطرس رأى يسوع وهو يلبس ثوب الإتضاع ويغسل الأقدام.

بدون إتضاع صعب أن تخضع للآخرين. اجعل من الإتضاع ثيابك وليس من السهل أن تتخلى عنه. فالكلمة في اليونانية تعني أنه ثوب ملبوس بإحكام. وفي (أف21:5) طلب الرسول بولس من المؤمنين أن يكونوا خاضعين بعضهم لبعض في خوف الله وقال أيضاً “مفتكرين شيئاً واحداً لا شيئاً بتحزب أو بعجب بل بتواضع حاسبين بعضكم البعض أفضل من أنفسهم” في3:2.

دعونا نرجع لرسالة بطرس الأولى5:5-7 “…وتسربلوا بالتواضع لأن الله يقاوم المستكبرين” كما قال أيضاً سليمان الحكيم في (أم34:3). الكبرياء عكس الخضوع فحينما لا تستطيع أن تخضع للآخر على الرغم أنه يتكلم بما يتفق مع الكلمة وما بداخلك، فهذا يعني أنه بداخلك كبرياء وهذا به خطورة لأن الله يقاوم المستكبرين. وكلمة “يقاوم” تستخدم في الحرب مع العدو فالله يقاوم الشخص الغير متضع أي يحارب الشخص المستكبر لكي يكسره. “لأن قبل الكسر الكبرياء وقبل السقوط تشامخ الروح” أم18:16.. “الرب يقلع بيت المتكبرين” أم25:15… “وأما المتواضعون فيعطيهم نعمة” 1بط5:5.

حينما تخضع للشخص الآخر بفرح وبإتضاع كما للرب، يعطيك نعمة. فالخضوع أساسه الإتضاع، والإتضاع يأتي بالنعمة التي ترفعك في الوقت المناسب. “ثواب التواضع ومخافة الرب هو غنى وكرامة وحياة” أم4:22 ولكن “قبل الكرامة التواضع” أم33:15. “فتواضعوا تحت يد الله القوية لكي يرفعكم في حينه” 1بط6:5. الخضوع تحت يد الله القوية لكي نعمل مشيئته فيرفعنا في حينه. “…فكل من يرفع نفسه يتضع ومن يضع نفسه يرتفع” لو14:18. لقد استخدم الله يده القوية ليخرج شعبه من العبودية (خر9:13). كان يوسف شخصاً متضع وقال لإخوته “أنتم قصدتم بي شراً أما الله فقصد بي خيرا…ً” تك20:50. لقد كان يوسف يرى يد الله القوية عليه إذ كان خاضعاً له.

إذا شعرت وأنت تخضع للآخر بحرمان من أمور معينة أو بحرمان من حقوق لك، تأكد بسبب خضوعك عن اتضاع بايمان تأتي النعمة إليك وتتغير الظروف وسوف يأتي التعويض عن ما حرمت منه أضعاف أضعاف لأن وعد الرب يرفعك في حينه. وحينما لا تخضع فهذا يعني أنك غير متضع أي مستكبر، وهذا يعني أن الله ليس معك فلن ترى الرفعة والتعويض إلا إذا تركت نفسك لمعاملات الرب لكي ما تكسر الكبرياء الذي بداخلك والذات التي فيك وتصبح شخصاً متضعاً وخاضعاً للآب وللآخرين، حينئذٍ سترى الرفعة والتعويض. فالشخص المتضع هو الذي لا يرى نفسه وإنما يرى الرب الذي يعطي القدرة على الخضوع.

لماذا أخضع للآخرين وعلاقته بالخضوع للرب؟

ليس سطان إلا من الله أي أن كل شخص في سلطة قد وضعه الله بنفسه. ولذلك لابد أن يخضع كل مؤمن لكل سلطة بشرية وإلا سيكون مقاوماً لترتيب الله. لذلك فالخضوع لهذه السلطات هو خضوع لله نفسه. الله هو صاحب السلطان كما يقول سفر دانيال14:7″سلطانه سلطان أبدي ما لن يزول” ولكنه حمّل أشخاصاً معينين من قبله مسئوليات متنوعة لتتميم خطته وإكمال مشيئته.

الخضوع لسلطة الدولة ولكل ترتيب بشري

على الرغم من أن الدولة التي كانت لها السيادة في ذلك الوقت كانت الدولة الرومانية وهي دولة وثنية، إلا أن الله قد أمر بالخضوع لسلطاتها كما أكد الرسول بولس في رسالة رومية (رو1:13-7).

لتخضع كل نفس للسلاطين الفائقة لأن ليس سلطان إلا من الله والسلاطين الكائنة هي مرتبة من الله حتى إن من يقاوم السلطان يقاوم ترتيب الله والمقاومون سيأخذون لأنفسهم دينونة فإن الحكام ليس خوفاً للأعمال الصالحة بل للشريرة. أفتريد أن لا تخاف السلطان، افعل الصلاح فيكون لك مدح منه لأنه خادم الله للصلاح. ولكن إن فعلت الشر فخف لأنه لا يحمل السيف عبثاً إذ هو خادم الله منتقم للغضب من الي يفعل الشر لذلك يلزم أن يخضع له. “…ليس بسبب الغضب فقط بل أيضاً بسبب الضمير فإنكم لأجل هذا توفون الجزية أيضاً إذ هم خدام الله مواظبون على ذلك بعينه
فأعطوا الجميع حقوقهم الجزية لمن له الجزية الجباية لمن له الجباية والخوف لمن له الخوف الإكرام لمن له الإكرام” (رو1:13-7).

نلاحظ في الآية السابقة أن الخضوع للسلطة هو أمر كتابي واضح فقد استخدم الرسول بولس في البداية كلمة لتخضع وهو فعل أمر واجب التنفيذ فعندما جاء قائد المائة للرب يسوع طالباً شفاء عبده قال ليسوع “أنا أيضاً إنسان مرتب تحت سلطان لي جند تحت يدي وأقول لها اذهب فيذهب ولآخر ائت فيأتي ولعبدي افعل هذا فيفعل” لو8:7 وطلب منه أن يقل فقط كلمة فيبرأ غلامه وتعجب يسوع من إيمانه الذي أسنده على أنه خاضع لسلطة عليا ومنها يستمد هو نفسه سلطته فيستطيع أن يأمر فيطاع. كما أكد بولس أن الحكام مرتبين من الله ويستمدون سلطانهم من الله وأن من يعمل الصلاح لا يخاف منهم. من الواضح أيضاً أن من يقاوم السلطان يقاوم ترتيب الله والمقاومون سيأخذون لأنفسهم دينونة. لأن من يقاوم السلطان كأنه يحارب الله ويقف ضد الله ولهذا كان ضد الخضوع لله ومن لا يخضع لله يخرج خارج خطته ومشيئته وبالتالي يأخذ لنفسه دينونة.

يقدم لنا يسوع المثال في الخضوع للحكومة فلقد دفع الضرائب (مت24:17-27) ونجده أيضاً في مت21:22 يقول “…أعطوا ما لقيصر لقيصر وما لله لله”. وعندما ألقى الجنود الرومان القبض عليه وقادوه إلى بيلاطس وكان بإمكانه أن يدعو جيشاً من الملائكة لينقذه لكنه لم يفعل (مت52:26،53). ويتفق بطرس أيضاً مع بولس في الخضوع للسلطة؛ ففي رسالة بطرس الأولى13:2-17 يقول.. “فاخضعوا لكل ترتيب بشري من أجل الرب. إن كان للملك فكمن هو فوق الكل أو للولاة فكمرسلين منه للإنتقام من فاعلي الشر وللمدح من فاعلي الخير لأن هكذا هي مشيئة الله أن تفعلوا الخير فتسكتوا جهالة الناس الأغبياء كأحرار وليس كالذين الحرية عندهم سترة للشر بل كعبيد لله أكرموا الجميع. أحبوا الأخوة. خافوا الله. أكرموا الملك.

(في عدد12) يطلب الرسول بطرس أن تكون سيرتنا بين الأمم حسنة تمجد الله، وبداية لهذا السلوك الحسن أن نخضع لكل ترتيب بشري من أجل الرب وذلك لأن الله قد عين هؤلاء المسؤولين للإنتقام من الأشرار ولمدح فاعلي الخير كما ذكر الرسول بولس.. فإن الحكام ليسوا خوفاً للأعمال الصالحة بل الشريرة.. افعل الصلاح فيكون لك مدح منه لأنه خادم الله لصلاح.

كما أن الرب يريد أن المؤمنين يخضعوا للحكام حتى يسكتوا الذين يتهمونهم بأنهم يريدون إحداث الفتنة في الدولة 1بط12:2″…حتى تسكتوا جهالة الناس الأغبياء”. وهذا ما قاله بولس لتيطس مقدماً كلاماً صحيحاً لكي يخزي المضاد “…إذ ليس له شيء رديء يقوله عنكم” تي8:2. يؤكد الرسول بطرس أن المؤمنين قد صاروا أحراراً من الخطيئة وليس من السلطة وعليهم ألا يجعلوا من الحرية ستاراً للشر بل كعبيد لله. اكرموا الجميع لأننا نثق أن الله يحب الجميع. احبوا الأخوة لأن جماعة المؤمنين هم عائلة واحدة وجسد واحد وما أجمل أن يسكن الأخوة معاً. خافوا الله لأن رأس الحكمة مخافة الله، ثم اكرموا الملك مع أن الملك في ذلك الوقت كان الإمبراطور نيرون، لكن علينا أن نحترم الملك حتى لو كان شريراً فقد قال سليمان الحكيم “يا ابني اخش الرب والملك….” أم21:24 “ولا تسب الملك ولا في فكرك…” جا20:10. فقد استخدم الله ملوكاً وثنيين وفوضهم السلطة لتأديب شعبه. مثال: استخدم الرب ملك الكلدانيين مع شعبه فحينما أرسل لهم رسلاً كانوا يهزئون برسل الله ورذلوا كلامه وتهاونوا بأنبيائه، فأصعد عليهم ملك الكلدانيين ودفع الجميع ليده لكي ما يؤدب شعبه (2أخ15:36-19). ويستخدم الملوك للتشجيع أيضاً وليس للتأديب فقط.

(ففي سفرعزرا21:4) حينما سارع الشعب لإكمال بناء الهيكل، حوَّل الرب قلب ملك أشور نحوهم لتقوية يدهم في عمل بيت الله وليس ذلك فقط بل بإسهام المملكة مالياً في بناء الهيكل وبمعاقبة كل من يعوق العمل (عز6،5). وفي رسالة بولس الرسول إلى تيموثاوس يطلب من كل مؤمن أن يصلي لأجل كل من في منصب ولأجل الملوك. “فأطلب أول كل شيء أن تقام طلبات وصلوات وابتهالات (تشفعات) وتشكرات لأجل جميع الناس لأجل الملوك وجميع الذين هم في منصب لكي نقضي حياة مطمئنة وهادئة في كل تقوى ووقار لأن هذا حسن ومقبول لدى مخلصنا الله”
(1تي1:2،2). الرسول بولس يطالبنا بالصلاة من أجل الحكام حتى يستخدمهم الرب لتوفير حياة مطمئنة هادئة لنا تسمح لنا بالعمل لخلاص جميع الناس.

(في سفر صموئيل الأول 8:13-14).. تعدى شاول ترتيب الله الذي فوض السلطة لصموئيل النبي الكاهن فقط أن يقدم الذبيحة ونتيجة لتعدي شاول زالت مملكته ومكث شاول سبعة أيام حسب ميعاد صموئيل ولم يأتي إلى الجلجال والشعب تفرق عنه. فقال شاول قدموا إلىَّ المحرقة وذبائح السلامة فأصعد المحرقة. وكان لما انتهى من إصعاد المحرقة أن صموئيل كان مقبلاً فخرج شاول للقائه ليباركه فقال صموئيل له: “ماذا فعلت؟” فقال شاول “لأني رأيت أن الشعب قد تفرق عني وأنت لم تأتي في أيام الميعاد فقلت الآن ينزل الفلسطينيون إلى الجلجال ولم أتضرع إلى وجه الرب، فتجلدت وأصعدت المحرقة”. فقال صموئيل لشاول “قد انحمقت لم تحفظ وصية الرب إلهك التي أمرك بها. الآن مملكتك لا تقوم”. على الرغم من المبررات الجبرية التي ذكرها شاول لكن الحكم عليه كان أنه إرتكب حماقة لأنه تعدى ترتيب الله.

الخضوع للسادة وأصحاب العمل

“أيها الخدام كونوا خاضعين بكل هيبة للسادة ليس للصالحين المترفقين فقط بل للعنفاء أيضاً لأن هذا فضل إن كان أحد من أجل ضمير نحو الله يحتمل أحزاناً متألماً بالظلم لأنه أي مجد هو إن كنتم تُلطمون مخطئين فتصبرون فهذا فضل عند الله. لأنكم لهذا دعيتم. فإن المسيح أيضاً تألم لأجلنا تاركاً لنا مثالاً لكي تتبعوا خطواته. الذي لم يفعل خطية ولا وُجد في فمه مكر. الذي إذ شُتم لم يكن يشتم عوضاً وإذ تألم لم يكن يهدد بل كان يسلم لمن يقضي بالعدل. الذي مل هو نفسه خطايانا في جسده على الخشبة لكي نموت عن الخطايا فنحيا للبر. الي بجلدته شفيتم.لأنكم كنتم كخراف ضالة لكنكم رجعتم الآن إلى راعي نفوسكم وأسقفها” 1بط18:2-25.

في الآيات السابقة يطلب الرسول بطرس الخضوع للسادة سواء كانوا صالحين لطفاء أو قساة وأن يحتملوا الظلم. فالعبد الذي يخضع لسيده هو صاحب الفضل أمام الله وهو الذي يستحق مدح الله لأن ضميره يطالبه بأن يرضي الله سيده السماوي ويخضع لسيده الأرضي ليس عجزاً بل حباً في الله. وما يقال للعبيد بخصوص الخضوع لسادتهم ينطبق أيضاً على الموظفين وخضوعهم لرؤسائهم في العمل.

“وكل ما عملتم بقول أو فعل فاعملوا الكل باسم الرب يسوع…” كو17:3. ويقدم الرسول بطرس الرب يسوع لنا مثالاً في إحتماله للألم والظلم على الرغم من أنه لم يفعل خطية وإذا شتم لم يكن يرد الشتيمة. وعندما تألم لم يكن يهدد أحداً بل كان يسلم أمره للآب. ويذكرنا أننا جميعاً كنا خراف ضالة ولكن الآن رجعنا إلى راعي نفوسنا وأسقفها وهو الرب يسوع.

في رسالة بولس أيضاً إلى كولوسي22:3-24.. “أيها العبيد أطيعوا في كل شئ سادتكم حسب الجسد لا بخدمة العين كمن يرضي الناس بل ببساطة القلب خائفين الرب. وكل ما فعلتم فاعملوا من القلب لأنكم تخدمون الرب المسيح”.

وقال أيضاً “أيها العبيد أطيعوا سادتكم حسب الجسد بخوف ورعدة في بساطة قلوبكم كما للمسيح لا بخدمة العين كمن يرضي الناس بل كعبيد المسيح عاملين مشيئة الله من القلب خادمين بنية صالحة كما للرب ليس للناس. عالمين أن مهما عمل كل واحد من الخير فذلك يناله من الرب عبداً كان أم حراً” أف5:6-8.

وقال أيضاً “جميع الذين هم عبيد تحت نير فليحسبوا سادتهم مستحقين كل اكرام لئلا يفترى على اسم الله وتعليمه والذين لهم سادة مؤمنون لا يستهينوا بهم لأنهم أخوة بل ليخدموهم أكثر لأن الذين يتشاركون في الفائدة هم مؤمنون ومحبوبون” (1تي1:6،2) كذلك يقول الرسول بطرس إلى تيطس “والعبيد أن يخضعوا لسادتهم ويرضوهم في كل شئ غير مناقضين. غير مختلسين بل مقدمين كل أمانة صالحة لكي يزينوا تعليم مخلصنا الله في كل شيء” تي2: 6-10.

6- خطورة عدم الخضوع

الخروج خارج المشيئة….حينما لاتخضع للرب ستصير عاجزاً تائهاً لا تعرف كيف تتوقف أو إلى أين تتجه. وكم تتغير الأمور تماماً حينما تسير خاضعاً له تصبح قادراً أن تغني للرب عن اختبار إنما بكل تأكيد “..خير ورحمة يتبعانني كل أيام حياتي..” مز6:23. وحينما أيضاً لا تسير في مشيئة الرب، فأنت تأتي بالفشل إلى حياتك كما يقول سفرالتثنية “كروماً تغرس وتشتغل… ولا تجني لأن الدود يأكلها” تث39:28.

تأمل أيضاً ما حدث لسبعة من رسل الرب يسوع حينما عادوا إلى صيد السمك بعد أن تركوه بنحو ثلاث سنوات. لقد قضوا الليل كله يلقون الشباك في الماء ولم يصطادوا ولا حتى سمكة واحدة (يو3:21) لأنهم تحركوا خارج مشيئة الرب. فإذا لم تخضع للرب سيأتي وقت لا تمسك فيه شباكك شيئاً برغم الجهد والمشقة. أما إذا تحركت في مشيئته مستسلماً لقيادته، فحتماً ستمتلئ شباكك بالسمك الكثير

انظر إلى لوط. تقول كلمة الله في (تك11:13) أنه اختار أن يسكن في أرض سدوم لأنه رآها أرضاً جميلة ولكنه لم يسأل الله “فاختار لوط لنفسه…”. ماذا حدث؟ خسر كل شيء.. اشتعلت المدينة بالنار.. فاضطر ان يتركها متعجلاً حتى زوجته فقدها. دائماً توجد خسائر ضخمة في السير خارج المشيئة وبركات عظيمة في السير في مشيئته.

سفر راعوث الأصحاح الأول: قرر أليمالك أن يرحل هو وعائلته إلى بلد آخر هرباً من ظروف المجاعة التي حدثت لشعب الله. تطلع أليمالك إلى بلاد موآب القريبة فجذبته بحقولها ومراعيها فاندفع إليها هارباً من الظروف المعيشية الصعبة في بلاده متغاضياً عن تحذير الله للشعب ألا يدخلوا في شركة مع الموآبيين لأنهم وثنيون (تث6،3:23).. ماذا حدث؟ هل نجا أليمالك بهروبه؟ يخبرنا سفر راعوث أنه مات في موآب ليس هو فقط بل أيضأً مات ابناه دون أن ينجبا أطفالآً (راع1:1) نعم فحينما لا تخضع لمشيئة الرب ولا تخضع لتحذيراته فسوف تصبح خارج المشيئة وسوف تُرفع عنك الحماية.

الرؤية المغلوطة 

عكس الخضوع هو التمرد.. وحينما تكون متمرداً لا تستطيع أن ترى الأمور على حقيقتها.

مثال: في تمرد قورح وداثان وأبيرام ضد موسى رأوا الحقائق مغلوطة فقد نسوا أن أرض مصر بالنسبة لهم كانت أرض عبودية حيث السخرة وأن طعامهم فيها كان القثاء والكراث والبصل والثوم (عدد5:11) ولكنهم في تمردهم صارت رؤيتهم مقلوبة فقالوا لموسى “أقليل أنك أصعدتنا من أرض تفيض لبناً وعسلاً…” عدد13:16 فهل كانت أرض مصر لهم أرض لبن وعسل حقاً؟ ثم قالوا لموسى “إنك أصعدتنا حتى تترأس علينا ترأساً” واتهموا موسى بأنه يغش الشعب كله فقالوا له “…هل تقلع أعين هؤلاء القوم.لا نصعد” عدد14:16. التمرد هو العصيان وهذا ما وضحه
أرميا5: 23 “وصار لهذا الشعب قلب عاص ومتمرد عصوا ومضوا”.

وتربط كلمة الله بين التمرد والسحر والعرافة وعبادة الأوثان على أنها جميعاً من عمل الشيطان فيقول “لأن التمرد كخطية العرافة والعناد كالوثن والترافيم…” 1صم23:15. ماذا حدث لقورح وداثان وأبيرام؟ كان تمردهم ضد تريب الله الذي اختار موسى النبي لتتميم مشيئته. فمن يقاوم السلطان يقاوم ترتيب الله. ولأجل ذلك فتحت الأرض فمها وابتلعتهم وهم أحياء (عدد33:16).

نتذكر كلمة الله أيضاً قصة تمرد مريم وهرون على موسى فقالا “هل كلم الله موسى وحده ألم يكلمنا نحن أيضاً” فحمي غضب الرب عليهما فلما ارتفعت السحابة عن الخيمة إذا مريم برصاء كالثلج فالتفت هرون إلى مريم وإذا هي برصاء فصرخ موسى الى الرب قائلاً “اللهم اشفها” فقال الرب لموسى “ولو بصق ابوها في وجهها أما كانت تخجل سبعة أيام. تُحجز سبعة أيام خارج المحلة وبعد ذلك ترجع” عدد2:12-15. يلاحظ هنا عدم تهاون الله مع التمرد على السلطة التي يعينها.

في رسالة يوحنا الثالثة 9-11.. يذكر يوحنا قصة تمرد ديوتريفس فكتب قائلاً “كتبت إلى الكنيسة ولكن ديوتريفس الذي يجب أن يكون الأول بينهم لا يقبلنا من أجل ذلك إذا جئت فسأذكره بأعماله التي يعملها هاذراً علينا بأقوال خبيثة وإذ هو غير مكتف بهذه لا يقبل الأخوة ويمنع أيضاً الذين يريدون ويطردهم من الكنيسة. أيها الحبيب (غايس) لا تتمثل بالشر بل بالخير لأن من يصنع الخير هو من الله ومن يصنع الشر فلم يبصر الله”.من الواضح أن الرسول يوحنا كان حازماً صارماً في تعبيراته لمواجهة تمرد هذا الرجل ديوتريفس.

2مل20:5-27 جيحزي غلام أليشع كان عبداً لمشيئته الخاصة لم يخضع لرأي سيده إذ قال في نفسه “هوذا سيدي قد امتنع عن أن يأخذ من يد نعمان الآرامي هذا ما أحضره حي هو الرب إني أجري وراءه وأخذ منه شيئاً وحدث فعلاً ما أراد ولكن عبوديته لمشيئته الخاصة أثمرت برصاً لصق به وبنسله إلى الأبد…..”.

7- نتائج (ثمار) الخضوع

الخضوع كان طريق الرب إلى الصليب ولكنه أيضاً طريقه للقيامة والمجد وسيظل هو طريقنا الدائم للمجد. في خضوع الرب يسوع للآب دخل الرب حرباً غير منظورة مع قوى الظلمة وهو على الصليب وقام منتصراً ساحقاً كل قوى الظلمة ناقضاً أعمال ابليس ومضى الرب إلى السماء”….. وملائكة وسلاطين وقوات مخضعة له” 1بط22:3.

لم يسحق الرب الشيطان وقواته بقوة الملائكة مع أنه كان يستطيع وإنما بقوة الخضوع للآب “….أطاع حتى الموت موت الصليب” في8:2.. “….الكأس التي أعطاني الآب ألا أشربها” يو11:18. “فليكن فيكم هذا الفكر (فكر الخضوع والطاعة) الذي في المسيح يسوع أيضاً. إذ كان في صورة الله لم يحسب خلسة (أي لم يكن ادعاء منه) أن يكون معادلاً لله لكنه أخلى نفسه آخذاً صورة عبد صائراً في شبه الناس وإذ وجد في الهيئة كانسان وأطاع حتى الموت موت الصليب لذلك (أي بسبب الطاعة الخضوع) “….رفعه الله أيضاً واعطاه اسماً فوق كل اسم” في5:2-9.. عندما نخضع للآب يخضع العدو لنا.

“فاخضعوا لله قاوموا ابليس فيهرب منكم” يع7:4…. (في سفر الرؤيا11:12).. وهو غلبوه 1- بدم الخروف
2- بكلمة شهادتهم 3- ولم يحبوا حياتهم حتى الموت. فالخضوع هو سلاح من اسلحة مقاومتنا للعدو لذلك كان يعقوب حريصاً في رسالته أن يأمر بالخضوع لله أولاً قبل مقاومة العدو وتأمل ثقة يعقوب بالنتيجة “فيهرب منكم”. فالطريق الى النصرة على العدو هو الخضوع للرب كما فعل الرب يسوع في خضوعه للآب. فبسبب هذا الخضوع لإرادة الآب “….أشهرهم جهاراً ظافراً بهم فيه (الصليب)” كو15:2.

–       الخضوع عن حب يعني الراحة.. راحة القلب “احملوا نيري (أي اخضعوا)….فتجدوا راحة لنفوسكم لأن نيري هين وحملي خفيف” مت30،29:11. والخضوع ايضاً يشبع القلب. فبينما كان يسوع يتقابل مع السامرية كان تلاميذه قد مضوا ليبتاعوا طعاماً وعندما جاءوا كانوا يتعجبون أنه يتكلم مع المرأة. وبعد أن تركت المرأة جرتها ومضت إلى المدينة، في أثناء ذلك سأله تلاميذه قائلين “يامعلم كُل فقال لهم أنا لي طعام لآكل….”وقال لهم “طعامي أن أعمل مشيئة الذي أرسلني وأتمم عمله” يو32:4،34. اتمام مشيئة الآب كان بالنسبة ليسوع هو طعامه الذي يشبع قلبه.

–       الخضوع يأتي بالبركات. الخضوع يفتح لنا كوى السماء لتهطل علينا أمطار البركة (تك1:12-3). قال الرب لإبرآم (ابراهيم) “اذهب من أرضك…فأجعلك أمة عظيمة….أعظم إسمك…..أبارك مباركيك ولاعنك ألعنه… وتتبارك فيك جميع قبائل الأرض”. بشّر الله ابراهيم ان فيك تتبارك جميع الأمم “إذاً الذين هم من الإيمان يتباركون مع ابراهيم المؤمن” غل9:3. في خضوع ابراهيم وطاعته لأمر الرب أتت بركات عظيمة في حياة ابراهيم.. ليس في حياة ابراهيم فقط بل في حياة كل من خضع وأطاع الرب مثل ابراهيم.

8- متى لا أخضع للآخرين؟

ارفض وبإصرار أن تطيع الآخرين في أي أمر يعارض كلمة الله “….ينبغي أن يطاع الله أكثر من الناس” أع29:5. لترفض أن تطيع رؤساءك في أي أمر يعصي كلمة الله كأن تكذب أو تسرق أو تأخذ رشوة. كذلك على الزوجة المؤمنة أن لا تطيع زوجها إذا طلب منها أي أمر يعارض كلمة الله كأن تشاركه المسكر أو مشاهدة أفلام لا تليق ضد قداسة الله أو تكذب لأجل أمرٍ ما. وهكذا ينبغي أن تقول لا من أجل الرب. فالرب يكرم الذين يكرمونه (1صم30:2).

في سفر ملوك الأول 1:21-3 قصة نابوت اليزرعيلي.. “كان لنابوت اليزرعيلي كرم في يزرعيل بجانب قصر أخاب ملك السامرة. فكلم أخاب نابوت قائلاً أعطني كرمك فيكون لي بستان بقول لأنه قريب بجانب بيتي فأعطيك عوضه كرماً أحسن منه أو إذا حسن في عينيك أعطيتك ثمنه فضة فقال نابوت لأخاب حاشا لي من قبل الرب أن أعطيك ميراث آبائي”. رفض نابوت طلب الملك رفض الكرم الحسن ورفض الفضة لأنه رفض أن يعصي كلمة الله. فقد منع الله في العهد القديم الشعب من أن يبيعوا أراضيهم التي توارثوها عن آبائهم (لا23:25).في هذه القصة لم يخضع نابوت اليزعيلي لطلب الملك لأنه أطاع الرب.

  • الثلاثة فتية أيضاً رفضوا الخضوع لأوامر الملك بالسجود لتمثال الذهب الذي نصبه (دا1:3-30).
  • دانيال رفض الأمر الملكي رغم محبته الشديدة التي تربطه بالملك وصلى إلى الهه وكواه مفتوحة فطُرح في جب الأسود (دا 1:6-24).
  • يوسف أيضاً رفض طلب سيدته امرأة فوطيفار فطرح في السجن (تك7:39-20).
  •  مردخاي رفض أن يسجد لهامان الوزير لأنه أطاع وصية الرب (أس2:3).
  • التلاميذ رفضوا أمر رئيس الكهنة بعدم الكرازة بالرب يسوع فسجنوا وجلدوا (أع17:5-40).