الخلاص

الدرس الثاني
الخلاص

مقدمة :

عرفنا من الدرس السابق (السقوط) النتائج السيئة والمريرة التي سببتها الخطية للإنسان؛ لقد انفصل الإنسان عن الله، وصار ميتاً روحياً، وفقد البركة والامتيازات، وصار الخاطئ يحتاج إلى علاج (خلاص).

ومع ذلك يقول البعض أنه إن عمل الإنسان أقصى ما يمكنه من الخير والصلاح، فإنه غير مطالب بأكثر من ذلك. وبناءاً عليه فإن الله يخلصه ويقبله ويُدخله السماء.

ويقولون أيضاً أن “الحسنات” أي الأعمال الصالحة تنفي “السيئات” أي الأعمال الرديئة.

–  وهذه المفاهيم خاطئة في قضية الإنسان الكبرى (السقوط) للأسباب الآتية:

السبب الأول: لأن الخطية موجهه لله، وهي إهانة عظمى له

“الابن يكرم أباه والعبد يكرم سيده. فإن كنت أنا أباً فأين كرامتي وإن كنت سيداً فأين هيبتي..” ملا6:1

السبب الثاني: لأن حالة الإنسان ميئوس منها تماماً، فهو ليس ضعيفاً فقط أو عاجزاً بل ميتاً

“وأنتم إذ كنتم أمواتاً بالذنوب والخطايا..” أف 1:2

السبب الثالث:  لأن الخطية جعلتنا نجسين فلا يمكننا أن نقترب إلى الله على أساس أعمال برنا

“وقد صرنا كلنا كنجس وكثوب عدة كل أعمال برنا..” إش 6:64

وبالتالي صار كل ما يصدر عن البشر من أعمال فاسداً، بناء على المبدأ المنطقي (المبني على الفاسد فاسد).. وأيضاً (الإناء ينضح بما فيه).

“.. هل يجتنون من الشوك عنباً أو من الحسك تيناً” مت 16:7

–  ويحاول البعض البحث عن الخلاص عن طريق الحكمة البشرية.. ولكن الحكمة البشرية تُعلم الناس أن يكونوا أكثر كبرياءً.. أكثر أنانية.. أكثر جشعاً.. خبراء في طرق الغش والخداع.

–  والبعض يبحث عن الخلاص من خلال التدين وحفظ الوصايا فيكون “لهم صورة التقوى ولكنهم منكرون قوتها..” 2تي5:3. فالممارسات الدينية يمكن أن تجعل الشخص يبدو صالحاً بينما يعوزه الإيمان والمحبة، وبالتالي يكون المظهر الخارجي بلا قيمة.

–  لذلك فقد دبر الله للإنسان خلاصاً من الأزل بيسوع المسيح. “عالمين أنكم افتديتم لا بأشياء تفنى بفضة أو ذهب.. بل بدم كريم كما من حمل بلا عيب ولا دنس دم المسيح معروفاً سابقاً قبل تأسيس العالم ولكن قد أظهر في الأزمنة الأخيرة من أجلكم” 1بط1: 18-20

–  وكلمة “خلاص” في اللغة اليونانية تعني (SOTERIA) وتعني حرفياً “إنقاذ – عتق”. وتستخدم هذه الكلمة بمعان متعددة، ولكننا سنتحدث هنا عن الخلاص بمعناه الأساسي وهو (الخلاص من دينونة الخطية وعقابها)، وذلك في سبعة نقاط.

النقطة الأولى: لماذا صنع الله الخلاص:

السبب الأوللأن الإنسان خاطئ وتحت الدينونة

 “لأن أجرة الخطية هي موت..” رو23:6             (راجع الدرس الأول)

السبب الثاني: لأن الله قدوس وعادل ويرفض الخطية

“ويتعالى رب الجنود بالعدل ويتقدس الإله القدوس بالبر” إش16:5. فالله يُظهر قوته ويتعظم بالعدل والبر.

الله عادل وقدوس، ولذلك لا يمكنه أن يصفح عن الإنسان بدون تنفيذ العقوبة. ومن هنا جاء الارتباط بين قداسة الله ودينونته (عدله).

فالإله القدوس الذي يمقت الخطية لا يسعه إلا أن يعاقبها، فهو إله لا يُسر بالشر. ومَنْ ينتهك قداسته، فعليه أن ينتظر غضبه لأن فالله يثبت قداسته بإجراء أحكامه.

السبب الثالثلأن الله محبة (1يو16:4)

وقد ذكرنا في الدرس السابق أن مشاعر الله نحو الإنسان من البداية وإلى النهاية هي مشاعر طيبة (مشاعر الحب). يقول الكتاب المقدس “.. ولذاتي مع بني آدم” أم 31:8. وفي ترجمة أخرى “نعيمي مع بني البشر”. والواقع أن هذه المشاعر الطيبة هي المنطق الطبيعي لطبيعة حبه. فعندما أراد الرسول يوحنا أن يعبر عن طبيعة الله قال “الله محبة”.

وهنا قد يتبادر إلى الذهن سؤالاً وهو: هل سقوط الإنسان غيّر من طبيعة الله “الله محبة”. بكل تأكيد [ لا ].

وقد يتبادر إلى الذهن سؤالاً أخر هو: ألم يطرد الرب آدم من جنة عدن عقب سقوطه وأرسل الملائكة لحراسة شجرة الحياة (تك 3: 22-24)؟ ألا يدل هذا على أن الرب غيّر مشاعره من جهة الإنسان وبالتالي صار الإنسان غير محبوباً منه؟.

أقول أن ما فعله الرب يدل على محبته للإنسان. لقد طرد الله الإنسان من جنة عدن عقب سقوطه لئلا يتناول من ثمرها ويأكل منها فيظل الإنسان في حالة إثم مدى الحياة (للأبد).

فهل يمكن تتصور إنساناً يحيا في الخطية للأبد، أو يحيا مريض للأبد، متألم للأبد، مضغوط للأبد، متضايق للأبد، ممتَلَك من الشيطان للأبد. ولذلك فبسبب حب الله للإنسان، قرر أن يخرجه خارج الجنة.

السبب الرابعلأنه بدون سفك دم لا تحصل مغفرة

“لأن نفس الجسد هي في الدم فأنا أعطيتكم إياه على المذبح للتكفير عن نفوسكم. لأن الدم يكفر عن النفس” لا11:17

لكن لماذا هذا المبدأ (الكفارة بالدم)؟

–  لأن من جهة نرى هذا المبدأ مطبوعاً في طبيعة الإنسان وراسخاً في قلبه لا فرق بين الأسود والأبيض، ولا بين المتدين والمتوحش، لأن إعتقاد الجميع أن الذبيحة النيابية تكفر عن الخطية. بل وترى الكفارة ولزومها موجودة في جميع أديان البشر لا فرق بين الدين اليهودي والمسيحي والإسلامي، وأن ضمير الإنسان يتطلب الكفارة ويستريح في تقديمها، وهو ميل فطري في قلب الإنسان نحو الكفارة لترفع عنه الخطية.

–  ومن جهة أخرى أن الدم هو سائل الحياة سواء بالنسبة للحيوان أو الإنسان (تك9: 5-6). ولأهمية الدم فهو يُستخدم مرادفاً للحياة نفسها (الدم = الحياة). فلأن حياة الكائن الحي في الدم، هكذا الكفارة تتم بالدم الذي هو مادة الحياة.

النقطة الثانية: كيف تم الخلاص  ؛  مفهوم الصليب

كان الإنسان خاطئ تحت الدينونة، وكانت قداسة الله وعدله تستوجب تنفيذ حكم الموت والدينونة في كل واحد منا.. بينما محبة الله ورحمته كانت تريد أن تنقذ الإنسان الذي يحبه الرب جداً.

والعدل والرحمة صفتان متناقضتان ومتساويتان وكاملتان كمال مطلق في الله الواحد. “السحاب والضباب حوله. العدل والحق قاعدة كرسيه” مز2:97.. و”الله محبة” 1يو16:4

فإذا قالت الرحمة للخاطئ “مغفورة لك خطاياك”، قال الحق “النفس التي تخطئ هي تموت”. وإذا قالت الرحمة للخاطئ “الله محبة”، قال الحق “الله قدوس”.

فالله لا يصنع رحمة على حساب الحق، ولا يمسك بصولجان الحق على حساب الرحمة. ولكن الحق والرحمة التقيا في الصليب حيث ذُبح المسيح، فعبرت عنا الدينونة وظهرت محبة الله. ” الرحمة والحق التقيا. البر والسلام تلاثما” مز10:85

–  ونريد في هذه النقطة أن نذكر ما سبق أن نوهنا عنه في الدرس السابق وهو أن موضوع الخطية له شقين: الأول هو (الانفصال عن الله)، والثاني هو (الموت) كنتيجة للانفصال.

–  والسؤال هنا كيف عالج الرب موت الخطية؟

إن علاج موت الخطية يقتضي رفع هذا الموت.. ورفع حكم الموت هذا لا يمكن أن يتم عن طريق إلغاء الحكم لأن الله قاضٍ عادل. فكيف تم التوفيق بين رفع حكم الموت وحتمية نفاذه؟ [بالفداء]، أي بموت بديل عن الإنسان يُسفك دمه ليكفر عنه، وبالتالي يفي العدل الإلهي حقه.

–  وكيف عالج الرب الانفصال؟  [ بالمصالحة ]

“فإن المسيح أيضاً تألم مرة واحدة من أجل الخطايا البار من أجل الأثمة لكي يقربنا (أي يصالحنا) إلى الله..” 1بط18:3

” أي إن الله كان في المسيح مصالحاً العالم لنفسه غير حاسب لهم خطاياهم..” 2كو19:5

 لقد عالج الرب الانفصال بالمصالحة. وقد ترتب على ذلك عدة نتائج:

أ-  نحن البعيدين صرنا قريبين بدم المسيح

“ولكن الآن في المسيح يسوع أنتم الذين كنتم قبلاً بعيدين صرتم قريبين بدم المسيح” أف13:2

ب-  صرنا أهل البيت

“فلستم إذاً بعد غرباء ونزلاً بل رعية مع القديسين وأهل بيت الله” أف19:2

ج-  صار لنا التواجد في عرش النعمة بسبب الدم

“فإذ لنا أيها الإخوة ثقة بالدخول إلى الأقداس بدم يسوع” عب19:10

فانظر يا أخي ما أغلى مصالحتك، وما أغلى نفسك على الله.

النقطة الثالثة: شروط الفادي

قد يقول قائل: هل كان يمكن أن يقوم آخر بالفداء بديلاً عن المسيح؟ ولماذا كان المسيح؟ ولكي نجيب على هذا السؤال، نحتاج أولاً أن نعرف ما هي الشروط التي يجب توافرها في هذا البديل لكي يُقبل موته عن الإنسان.

1. كان لابد أن يكون البديل إنساناً

“فإذ قد تشارك الأولاد في اللحم والدم اشترك هو أيضاً كذلك فيهما لكي يبيد بالموت ذاك الذي له سلطان الموت أي إبليس” عب 14:2

“والكلمة صار جسداً..” يو14:1

وهنا قد يتبادر إلى الذهن سؤال وهو: لماذا لا يكون هذا البديل حيواناً مذبوحاً؟.. أو لماذا لا يكون هذا البديل إنساناً صالحاً؟.. أو لماذا لا يكون هذا البديل ملاكاً من الملائكة؟.

–  أما من جهة لماذا لا يكون حيواناً مذبوحاً كما في العهد القديم فنقول:

v       إن دم الحيوانات لا يمحو الخطية:

 “لأنه لا يمكن أن دم ثيران وتيوس يرفع خطايا” عب4:10

v       إن دم الذبائح يطهر الخارج فقط:

أي فعله خارجي لا يمس الداخل، أما دم المسيح يتصل بالضمير أو الإنسان الباطن أو إنسان القلب الخفي.

” لأنه إن كان دم ثيران وتيوس ورماد عجلة مرشوش على المنجسين يقدس إلى طهارة الجسد فكم بالحري يكون دم المسيح الذي بروح أزلي قدم نفسه لله بلا عيب يطهر ضمائركم من أعمال ميتة لتخدموا الله الحي” عب9: 13-14

v       إن الله لا يُسر بدم الذبائح:

 “بمَ أتقدم إلى الرب وأنحني للإله العلي. هل أتقدم بمحرقات بعجول أبناء سنة. هل يُسر الله بألوف الكباش..” مي6: 6-7. كان الله يطلب كبشاً واحداً (رمزاً للمسيح)، أما هم فاقترحوا أن يقدموا الألوف.. ولكن هذا لا يُسر الله. ولذلك كان لابد أن يكون البديل [ إنساناً ].

–  أما من جهة لماذا لا يكون إنساناً صالحاً فنقول:

أنه ليس هناك إنسان صالحاً؛ فالكل قد أخطأ “الجميع زاغوا وفسدوا معاً. ليس مَنْ يعمل صلاحاً ليس ولا واحد” رو12:3، ومكتوب أيضاً “إذ الجميع أخطأوا وأعوزهم مجد الله” رو23:3

لقد صار للإنسان طبيعة خاطئة ورثها من آدم، وهذه الطبيعة الخاطئة غير قابلة للتحسن على الإطلاق. “هأنذا بالإثم صورت وبالخطية حبلت بي أمي” مز5:51، فالكوشي لا يستطيع أن يغير جلده والنمر لا يستطيع أن يغير رقطه (القطع السوداء) (إر23:13).

–  أما من جهة لماذا لا يكون ملاكاً فنقول:

لأن الملائكة ليست من الجنس البشري فلا يُحسب موتها موتاً عن الإنسان الساقط، كما أن الملائكة إذا أُرغموا على الموت بالنيابة عنه كان هذا ظلماً لا ترضاه العدالة.

إذا الشرط الأول للفادي يجب أن يكون إنساناً، أي يكون بشرياً من نوع البشر الخطاة المحكوم عليهم بالموت. ولأن الخطية صدرت عن الإنسان والحكم بالموت صدر على الإنسان، فلابد أن مَنْ يموت عن الإنسان أن يكون إنساناً وإلا إذا مات مخلوق أخر غير الإنسان فيكون حكم الله قد سقط لأنه حكم على الإنسان قائلاً “يوم أن تأكل منها موتاً تموت”. لذلك وجب أن الذي يموت عن الإنسان الخاطئ يجب أن يكون إنساناً أيضاً.

– كان لابد أن يكون البديل بلا خطية (أي قدوس)

“لأنه جعل الذي لم يعرف خطية خطية لأجلنا..” 2كو21:5

“الذي لم يفعل خطية ولا وُجد في فمه مكر” 1بط22:2

“لأنه كان يليق بنا رئيس كهنة مثل هذا قدوس بلا شر ولا دنس..” عب26:7

إن الشخص الوحيد القدوس.. الذي بلا خطية ولم يعرف خطية هو المسيح. لقد مرّ عشرون قرناً من الزمان ولم يقدر أحد أن يقول ليسوع أنا أبكتك على خطية؛ فهو بار بشهادة الكل.. ومادام الناس عجزوا أن يجدوا فيه علة واحدة، فيكون هو البديل نيابة عن كل البشر الخطاة.

ملحوظة هامة:

لو مات شخص خاطئ عن البشرية وكان خاطئاً، فموته لن يفيد الناس شيئاً لأنه سيكون قد مات عن ذنبه بسبب خطيته، ويبقى البشر خطاة كما كانوا متوقعين قصاص خطاياهم (الموت).

–  كان لابد أن يكون البديل غير محدود. لماذا؟

v   لكي يكون موته كافٍ لكل البشرية. “.. من أجل ألم الموت لكي يذوق بنعمة الله الموت لأجل كل واحد” عب9:2. “.. لأنك ذبحت واشتريتنا لله أبيك بدمك من كل قبيلة ولسان وشعب وأمة” رؤ9:5

v   لكي يكون قادراً على أن “يجمع المتفرقين إلى واحد” في شخصه لينوب عنهم. ومَنْ ذا الذي يجتمع في شخصه كل البشر إلا إذا كان قادراً على الإحاطة بالبشر جميعاً. وهذا لا يتوفر لأي مخلوق كائن مهما كان.

–  كان لابد أن يكون هذا البديل ليس فقط إنساناً وقدوس وغير محدد.. بل أيضاً أقوى من إبليس.

وذلك لأن الخطية التي تسلطت على الإنسان كانت بسبب إبليس الذي آسر النفوس البشرية واستعبدها تحت سلطانه. فإذا كان البديل ممن يخضعون لإبليس وتأثير إبليس فكيف يستطيع أن يخلص الناس من أسر إبليس وعبوديته؟ فيكون موت هذا الفادي عن الناس عبثاً وفداؤه باطلاً، إذ يقال له والحالة هذه “أيها الطبيب اشف نفسك”

وهذا هو الحال مع الشخص الذي يتقدم للفداء وكان ممن يخضعون لتأثير إبليس وسطوته ونفوذه، لذلك كان الناس في حاجة إلى مخلص أقوى من إبليس ليربطه ويأخذ آسراه. وواضح من الأناجيل أن المسيح بقوته أخرج شياطين كثرة صارخين أمام عظمة جلاله.”.. آه ما لنا ولك يا يسوع ابن الله. أجئت إلى هنا قبل الوقت لتعذبنا” مت8: 29

–  كان لابد أن يكون البديل ذا سلطان على الروح والجسد. لماذا؟

لأن الخلاص المطلوب للإنسان هو خلاص لروحه وجسده. فكيف يستطيع مخلوق أن يختطف الروح من يد الشيطان إذا كان لا سلطان له على الروح؟ وكيف يصل إليها وهي في عالم الأرواح لكي ينقذها؟ وكيف يستطيع مخلوق أن ينقذ الجسد الذي يفنى في التراب ويتلاشى بواسطة الموت ويقيمه بعد الفناء؟

إذاً كان لابد أن يأتي البديل(الفادي والمخلص) في اليوم الأخير بالروح والجسد معاً ويقيمهما من الموت الجسدي والروحي، وإلا فما معنى الفداء والخلاص؟.

–  كان لابد أن يكون البديل حياً

لماذا؟ ليشفع في الأحياء والأموات. فإذا فُرض أن أحداً قدم ذاته ومات ولم يُقام من الموت، فلا يستطيع أن يشفع في المذنبين ولا يصح أن يكون الميت نائباً عن الأحياء والأموات. وكيف يستطيع أن يُنقذ الآخرين من الموت وهو لم يستطع أن يُنقذ ذاته من الموت.

لذلك وجب على من يقدم ذاته ضحية ويموت كفارة عن خطايا البشر أن يقوم بعد موته ثانية ليشفع، بعد تقديم الذبيحة، في المذنبين.

*  وهذه الشروط جميعها لم تتوافر إلا في المسيح لكونه “إلهاً وإنساناً” معاً.

*  كما إنه باتحاد الطبيعتين في شخصه كانت له القوة على الجمع بين وظائف ثلاث ضرورية لعمل الخلاص والفداء والكفارة، وهي وظيفة ملك.. ونبي.. وكاهن.

أ-  كملك

“أما أنا فقد مسحت ملكي على صهيون جبل قدسي” مز6:2

“كرسيك يا الله إلى دهر الدهور. قضيب استقامة قضيب ملكك” مز6:45

” ها أيام تأتي يقول الرب وأقيم لداود غصن بر فيملك ملك..” إر5:23

راجع (إش 9: 6-7 ؛ مي 2:5  ؛  زك 9:9  ؛  يو8: 36-37)

ب-  كنبي

تنبأ عنه موسى قائلاً “يقيم لك الرب إلهك نبياً من وسطك من إخوتك مثلي. له تسمعون.” تث 15:18.

وطبق الرسل هذه النبوة على المسيح “ويُرسل يسوع المسيح المبشر به لكم قبل.. فإن موسى قال للأباء إن نبياً سيقيم لكم الرب إلهكم من إخوتكم. له تسمعون في كل ما يكلمكم به. ويكون أن كل نفس لا تسمع لذلك النبي تباد من الشعب” أع 20:3 ؛ 22-23

ج- ككاهن

تنبأ عنه داود النبي قائلاً “أقسم الرب ولن يندم. أنت كاهن إلى الأبد على رتبة ملكي صادق” مز4:110.

والمسيح بهذه الصفات والوظائف التي تجمعت في شخصه، استطاع أن يقوم بعمل الكفارة عن البشر جميعاً، وقام بإيفاء مطالب العدل الإلهي وتقديم الترضية لكرامة الله التي أهانها آدم بخطيته.. كما كان أيضاً قادراً على عمل المصالحة مع الله والناس.

النقطة الرابعة: الفداء للجميع

إن الفداء الذي قدمه الرب على الصليب كان لجميع الناس.

“.. قد مات لأجل الجميع.. وهو مات لأجل الجميع..” 2كو5: 14-15.

“لأنه هكذا أحب الله العالم حتى بذل ابنه الوحيد لكي لا يهلك كل مَنْ يؤمن به بل تكون له الحيوة الأبدية” يو16:3.

“.. لكي يذوق بنعمة الله الموت لأجل كل واحد” عب 9:2.

–  فالله أحب الجميع.. وبذل ابنه الوحيد لأجل الجميع.. لأنه قصد خلاص الجميع.. وليس في مشيئته أن يهلك أحد “وهو لا يشاء أن يهلك أناس..” 2بط 9:3.

لكن لماذا كان الفداء لأجل جميع الناس؟

1-  لأن الجميع يحتاجون إلى خلاص.

2-  لأن الله أحب جميع الناس [ الله محبة ] فهو لا يريد أن يهلك أي إنسان “.. وهو لا يشاء أن يهلك أناس بل أن يقبل الجميع إلى التوبة” 2بط 9:3.

لكن إن كان الفداء لأجل جميع الناس، فهل هذا يعني أن الله يجبر الناس على الخلاص؟. طبعاً لا.. وإلا كان جميع الناس خلصوا. ولكنه يريد أن جميع الناس يخلصون. ولذلك فإنه لا يهلك إلا الذي لا يريد الخلاص.

يقول الرسول بولس “فماذا إن كان الله وهو يريد أن يظهر غضبه ويبين قوته احتمل بأناة كثيرة آنية غضب مهيأة للهلاك” رو 9: 22-23

مَنْ الذي هيأها للهلاك؟ هل الله؟ [ لا ]

الرسول لم يقل هيأها الله..  ولكن هيأت نفسها للهلاك بسبب رفضها المسيح. والدليل على ذلك أن الله احتمل بأناة كثيرة هذه الآنية، وهذا يفيد أن الله يعطي الإنسان فرصة للتوبة لكي لا يهلك.

وهذا أمر طبيعي لأن الله لا يمكن أن يهيئ نفساً للهلاك وإلا كان ذلك متناقضاً مع قوله في (2بط 9:3) بأنه لا يشاء أن يهلك أناس. فمحبة الله متجهة لجميع الناس.. والكفارة لجميع الناس.. والمصالحة لجميع الناس.. وقصد الله هو خلاص جميع الناس.

وهنا قد يُثار السؤال الأتي:

إن كان الرب قد أحب الجميع ومات لأجل الجميع، فلماذا لا يخلص الجميع؟

1.  بسبب عدم الإيمان: “إلى خاصته جاء وخاصته لم تقبله” يو11:1.

2.  بسبب محبة العالم للظلمة أكثر من النور:  ” وهذه هي الدينونة إن النور قد جاء إلى العالم وأحب الناس الظلمة أكثر من النور لأن أعمالهم كانت شريرة ” يو19:3. كل من انحاز إلى النور يوضح إنه أحب النور.

وكل من يرفض النور يوضح إنه أحب الظلمة. فالإنسان لا مفر له: إما أن يكون ابن للنور وإما أن يكون ابن للظلمة.

النقطة الخامسة: الخلاص بالمسيح

قال الرب يسوع:  “.. أنا هو الطريق والحق والحياة.” يو6:14.

إن جوهر رسالة المسيح تقوم على فعلين أساسين أكملهما المسيح:

الفعل الأولهو استعلان الآب السماوي من خلال التجسد

“والكلمة صار جسداً وحل بيننا..” يو14:1

“الله لم يره أحد قط.. الابن الوحيد الذي هو في حضن الآب هو خبّر” يو18:1

الفعل الثاني : هو حَمْل بشريتنا والصعود بنا إلى الآب من حيث جاء بقوة قيامته.

“خرجت من عند الآب وقد أتيت إلى العالم وأيضاً أترك العالم وأذهب إلى الآب” يو28:16. فالمسيح أتى من عند الآب وسيذهب إلى الآب. ولكن قبل أن يذهب إلى الآب كان عليه أن يموت من أجل الفداء. وقد مات ومتنا معه. وكان عليه أن يقوم وقد قام وأقامنا معه. (راجع رو 6: 3-4  ؛  أف 6:2).

بهذين الفعلين: استعلان الآب السماوي من خلال التجسد.. وحمل جسد بشريتنا من حيث جاء بقوة قيامته، يكون المسيح هو الطريقالموصل للآب ولا يستطيع أحد أن يأتي إلى الآب إلا به.

وهو أيضاً الحق: لم يأتِ يُعلم عن الحق.. بل هو الحق الإلهي.. الحق المتجسد. “أنا هو الباب. إن دخل بي أحد فيخلص ويدخل ويخرج ويجد مرعى” يو9:10

وهو أيضاً الحياة :  وحياته هي ذاته + “أنا هو الحياة”.

                                     + “فيه كانت الحيوة.. ” يو4:1

فالمسيح هو الطريق.. هو الحق.. هو الحياة. لذلك يقول الرسول بولس “وليس بأحد غيره الخلاصلأن ليس اسم آخر تحت السماء قد أعطى بين الناس به ينبغي أن نخلص” أع 12:4

ما هو اسم الرب؟ 

عندما أراد يوسف النجار أن يتخلى عن العذراء القديسة مريم ظهر له ملاك الرب في حلم قائلاً له “.. لا تخف أن تأخذ مريم امرأتك. لأن الذي حُبل به فيها هو الروح القدس. فستلد ابناً وتدعو اسمه يسوع. لأنه يخلص شعبه من خطاياهم” متى1: 20-21

كلمة “يسوع” هو الاسم الأصلي. وهذه الكلمة تشتق من مقطعين: “ياه” باللغة العبرية اختصار يهوه (الله)..

و”شوع” يعني مخلص. وقد فسرها الملاك “وتدعو اسمه يسوع لأنه يخلص شعبه من خطاياهم”.

وكلمة “لأنه” تعود على (ياه) الذي هو المقطع الأول من الاسم (ياه). وبذلك يكون اسم يسوع معناه: “ياه يخلص أو يهوه يخلص”.

يقول يوحنا المعمدان:   “.. هوذا حمل الله الذي يرفع خطية العالم”  يو 29:1

ويقول الرسول بولس:  “الذي لم يشفق على ابنه بل بذله لأجلنا أجمعين..” رو 32:8

وتنبأ عنه إشعياء: “وهو مجروح لأجل معاصينا مسحوق لأجل آثامنا.. يبرر كثيرين وآثامهم هو يحملها.. سكب للموت نفسه وأُحصي مع أثمة وهو حمل خطية كثيرين وشفع في المذنبين” إش53: 12،11،5

النقطة السادسة:  القبول شرط أساسي لمَنْ يريد الخلاص

–  نقطة البداية هي القبول “وأما كل الذين قبلوه فأعطاهم سلطاناً أن يصيروا أولاد الله أي المؤمنون باسمه” يو 12:1. إن كل من يقبل الرب، أي يرحب به في قلبه، يصير من خاصة الرب وينال امتياز البنوة لله.

–  الله يمنح مَنْ يقبل المسيح في قلبه هبتين:

1.  النسب الجديد الذي يربطه بالله “فلستم إذاً بعد غرباء ونزلاً بل رعية مع القديسين وأهل بيت الله” أف 19:2.

2.  حقاً جديداً ينال به بركات هذه البنوة (أعطاهم سلطاناً).

–  ونود أن نشير إلى أن قبول الشخص للرب يسوع يكون بالإيمان وليس بالإحساس أو الشعور، ولكنه الثقة في كلمة الله حتى ولو غابت المشاعر والأحاسيس.

–  ومن جهة أخرى، فموضوع الإيمان ليس هو الوصايا والواجبات والمبادئ، وإنما هو المسيح نفسه                  [ قبلوه هو كشخص ].

تأمل هذه الآيات:

“ليحل المسيح بالإيمان في قلوبكم” أف 17:3

“.. وآمنت بقلبك..” رو9:10

“وأما كل الذين قبلوه (بالإيمان) فأعطاهم سلطاناً أن يصيروا أولاد الله أي المؤمنون باسمه” يو12:1

–  عندما سأل سجان فيلبي قائلاً ماذا أفعل لكي أخلص؟ قال له الرسول بولس “آمن بالرب يسوع المسيح فتخلص أنت وأهل بيتك” أع 31:16

–  الإيمان هو الثقة واليقين بما صنعه المسيح لأجلك على الصليب. إنه أحبك وأسلم نفسه لأجلك.

–  لكن هذا الإيمان لابد وأن يكون مصحوباً بخطوة أساسية هي والتوبة.

v       التوبة ليس معناها التحرر من الخطية وتغيير السلوكيات، ولكنها تعني العودة إلى الآب السماوي.

v       عندما أراد الابن الضال التوبة، ماذا فعل؟

1.  رجع إلى نفسه:    ” فرجع إلى نفسه وقال كَمْ من أجير لأبي يفضل عنه الخبز وأنا أهلك جوعاً”

   لو17:15

2.  اتخذ القرار:       “أقوم وأذهب إلى أبي وأقول له يا أبي أخطأت..” لو 18:15

3.  نفذ القرار: “فقام وجاء إلى أبيه..”  لو 20:15

من جهة أخرى:

هذا الإيمان المصحوب بالتوبة لابد أن يؤدي إلى الإعتراف بالفم “لأنك إن اعترفت بفمك بالرب يسوع وآمنت بقلبك أن الله أقامه من الأموات خلصت. لأن القلب يؤمن به للبر والفم يعترف به للخلاص”  رو10: 9-10

إن الخلاص قريب جداً من الإنسان مثل قلبه وفمه. فلا تظن أيها الإنسان أن الخلاص عملية معقدة. فهو ليس كذلك؛ فحين يؤمن الإنسان بقلبه ويعترف بفمه أن المسيح هو الرب الذي مات وقام من أجله، يخلص.

النقطة السابعة:  نتائج القبول

1-  غفران الخطايا:

“.. أن كل مَنْ يؤمن به ينال باسمه غفران الخطايا” أع 43:10

راجع أيضاً (ميخا 19:7  ؛  إش 25:43).

2-  الحياة الأبدية:

“.. وأما هبة الله فهي حيوة أبدية بالمسيح يسوع ربنا” رو 23:6

راجع أيضاً (1يو5: 11-12).

3-  القبول أمام الآب السماوي:

“فإذ لنا أيها الإخوة ثقة بالدخول إلى الأقداس بدم يسوع” عب 19:10

إن الإيمان بالرب يسوع يجعل الإنسان باراً أمام الله.. بمعنى أن الله يحسبه ويعتبره باراً وكأنه بلا خطية، وبالتالي يصير مقبولاً أمام الآب السماوي.

4-  خليقة جديدة :

“إذا إن كان أحد في المسيح فهو خليقة جديدة. الأشياء العتيقة قد مضت. هوذا الكل قد صار جديداً” 2كو 17:5

خليقة جديدة : أي أن الروح القدس يعطي الشخص حياة جديدة فلا يعود كما كان. فلا تدخل إلى حياته بعض الإصلاحات أو التهذيب، بل يصير خليقة جديدة.. يحيا في اتحاد مع المسيح. فهو لا يقلب صفحة جديدة فحسب، بل يبدأ حياة جديدة تحت قيادة سيد جديد.

5-  التبني والميراث:

“إذاً لست بعد عبداً بل ابناً وإن كنت ابناً فوارث لله بالمسيح” غلا 7:4

فالمؤمن كابن لله بالتبني أصبح يشترك مع المسيح في كافة حقوقه مثل الله. وكوارث لله يستطيع أن يستمتع بكل ما أعده له كابن. (راجع رو 32:8).

أخيراً أريد أن أضع أمامك ملخص للدرس كله:

الإنسان خاطئ وصار تحت حكم الدينونة.. ولكن الله أحبه.. فبذل ابنه الوحيد لأجله.. مات بديلاً عنه.. مقدماً له خلاصاً مجانياً. وعندما يقبل الإنسان هذا الخلاص المجاني بالإيمان القلبي، يُكتب اسمه في سفر الحياة ويصير له حياة أبدية.. وإن مات فسيحيا.