العطاء إمتياز وليس إحتياج

العطاء في الكتاب المقدس

فبراير 2004

9- العطاء امتياز وليس احتياج

أحبائي، أحمل إليكم في هذا الدرس رسالة ثمينة أشعر بها تملأ قلبي وتطلق الفرح والتشجيع به. وكم ستؤثر هذه الرسالة فيك إن جعلتها تسكن في قلبك لتغيرك، وحينئذٍ ستمتلأ بالفرح ويشتعل قلبك بالإيمان. وفي هذا المقال سنعود إلى بعض الأجزاء والأيات التي تأملنا فيها من قبل، بالإضافة إلى بعض الآيات والأجزاء الجديدة من كلمة الله لننهل منها درساً جديداً.

 

إلهك غني لا يحتاج!! فلماذا تعطي؟

يظن الكثيرون يا أحبائي أنهم يعطون للرب لأن الرب يحتاج أو أن عمله يحتاج. وللأسف ففي بعض الأحيان إذ يحث الوعاظ والخدام الشعب على العطاء ينقلون إليهم بدون قصد هذه الصورة المغلوطة وكأن إلهنا يحتاج إلى عطاءنا. بالتأكيد لا.. فحاشا لنا أن نصغر إلهنا ونجعله ضعيفاً محدوداً بهذا الشكل.

 

في العهد القديم كان الرب يطلب من الشعب أن يقدم له ذبائح حيوانية، ويبدو أن البعض قد ظن أن الرب كان في احتياج لهذه الذبائح، والبعض الآخر صاروا يقدمونها بملل أو تذمر أو حتى بطرق تقليدية شكلية. فانظر معي ماذا قال لهم الرب “اسمع يا شعبي.. فأشهد عليك.. لا على ذبائحك أوبخك.. لا آخذ من بيتك ثوراً.. لأن لي حيوان الوعر والبهائم على الجبال الألوف. قد علمت كل طيور الجبال ووحوش البرية عندي. إن جعت فلا أقول لك لأن لي المسكونة وملأها.. اذبح لله حمداً.. وادعني في وقت الضيق أنقذك فتمجدني” مز50: 7-15. فهل كان الله الخالق الذي له كل حيوانات البرية يحتاج إلى ذبائحهم؟ أليس هو الذي أعطاهم الحيوانات ليقدمونها له؟.. لقد أراد الرب أن يعبدوه ويحمدوه من خلال هذه التقدمات والذبائح ويدخلوا في علاقة وشركة معه.. فبكل تأكيد لم يكن الله في احتياج بل كان يريد أن يبارك شعبه وينقذهم.

 

أحبائي.. إلهنا هو مصدر العطاء، وهو الخالق القدير الذي يملك كل شيء والذي يعطي بسخاء. قال عنه بولس وبرنابا في سفر الأعمال “.. وهو يفعل خيراً يعطينا من السماء أمطاراً وأزمنة مثمرة ويملأ قلوبنا طعاما وسروراً” أع17:14. “ولا يخدم بأيادي الناس كأنه محتاج إلى شيء..” أع25:17. أليس هو الذي أمطر مناً من السماء أربعين عاماً ليأكل الشعب ولم تفرغ خزائنه، وأعطاهم لحماً ليأكلوا أربعين يوماً صباحاً ومساءً ؟ هل تتذكر أيام إيليا عندما كان الرب يرسل له غراباً بخبز ولحم صباحاً ومساءً كل يوم.. فمن أين وكيف؟ وهل تعلم أن هذا النوع من الغربان كان من أشدها نهماً وأكلاً للحوم؟

 

العطاء امتياز

توقف الرب عن إطعام إيليا بالغربان وقاده إلى طريقة أخرى، فأرسله إلى امرأة أرملة لديها ابن وحيد. وبسبب المجاعة لم يبق لديها إلا القليل من الدقيق والزيت ليكفيها هي وابنها لوجبة واحدة قادمة ولا تعلم ماذا سيحدث لهما بعد ذلك فقالت “..لنأكله ثم نموت” 1مل12:17. ومن العجب أن نرى الرب وهو يأمرها  بإطعام إيليا أولاً من هذا القليل!! لقد أرادها الرب أن تكون هي الوسيلة التي سيسدد بها احتياج خادمه إيليا، فهل كان الرب في احتياج؟

 

بالتأكيد كلا يا أحبائي، فكلنا نعلم أن عطاءها الصغير هذا كان امتيازاً لها. فبينما كان يبدو أنها تسدد احتياج إيليا رجل الله إلا أن الرب كان يقودها للتمتع بامتياز خاص من رعايته لها.. فهي لن تموت وقد أمر الرب بالتضاعف في مصادرها إذ أن الدقيق لم يفرغ والزيت لم ينقص.

 

صديقي، توقف عن أن ترى إلهك محدوداً أو محتاجاً؛ فقد يظهر لك احتياجاً وقد يفتح لك باباً لتعطي الآخرين، ولكنه في الواقع ليس في احتياج  بل هو يريدك أن تتمتع بامتيازات إلهك وبركاته.

 

أريدك أن ترى الصورة واضحة أمامك، فالرب الخالق لا يحتاج ولكنه يحبك أن تشترك معه في عمله وتكون جزء من مقاصده.. هو يريدك أن تكون آله في يده وأعضاء بره.. يريد أن يعطي بك ويشبع من خلالك، فتجد الشبع والعطاء يرتد إليك فائضاً يملأ كل احتياجك بل ويزيد. أريدك أن ترى بوضوح امتياز العطاء وأن تكون في مشيئة الرب عاملاً معه. لذا تعال الآن نرى باختصار بعض الجوانب المختلفة من امتيازات العطاء.

 

1-  الاشتراك معه في العمل

قدم الشعب الخارج من مصر ذهباً وفضة لموسى ليبني خيمة عظيمة لعبادة الرب، فترى من أين لهؤلاء القوم الذين كانوا عبيداً لعدة أجيال سابقة الذهب والفضة ليقدموها؟. نعم كانوا عبيداً ولكن الرب أخرجهم من العبودية بفضة وذهب (مز37:105).. أعطاهم الرب مقدماً بركات وعطايا ليقدموها له، وكأنهم هم الذين سيبنون له الخيمة. بالحق إن إلهك يُسر أن يراك مشتركاً معه وعاملاً معه.

 

أحبائي، إن العمل مع الله وخدمته لهو امتياز فائق لا يعلمه إلا من تذوقه. وهكذا يعطيك الرب فرصة الاشتراك معه في عمله من خلال عطاءك المادي. قد لا تعرف كيف تخدم أو تتكلم، وقد لا تسمح لك ظروف حياتك أن تذهب مرسلاً أو كارزاً، ولكنه يعطيك فرصة أن تكون عاملاً معه مشتركاً في الكرازة بإنجيله وذلك بالاشتراك في تسديد تكلفة هذه الخدمات. وأذكرك مرة أخرى أنه لا يحتاج، فهو يستطيع أن يرسل أمطاراً من الأموال والعطايا، ولكن مشيئته لك هو أن تعمل معه وأن تكون عضواً فعالاً في جسده. لقد كان الرسول بولس يشكر الرب من كل قلبه لأجل مؤمني فيلبي ويفرح جداً في قلبه بهم لأنهم قد صاروا شركاء في خدمة الإنجيل عندما اشتركوا في تسديد نفقات الحملات الكرازية التي كان يذهب فيها كارزاً بالإنجيل. صديقي إن الرب يعطيك فرصاً لتكون جزءً من عمله العظيم وامتداد ملكوته عندما تعطي قلبك أولاً له ثم تعطي من أموالك لخدمته.

 

2-   التعبير عن محبتك له

إن العطاء امتياز تعبر من خلاله عن حبك للرب. إنها فرص يمنحها لك الرب لكي تظهر حبك له واشتياقك لأن تعبده بحب من كل قلبك وقدرتك.. إنها عبادة مكلفة تنفق فيها من مالك وتُنفق. لقد اشترت مريم طيباً بثلثمئة دينار (أي ما يقرب من أجرة عام كامل من العمل) وكسرته عند أقدام السيد لتعبر له عن محبتها وتكريس قلبها في عبادة صامتة بلا كلمة ولكنها ملآنة بالحرارة والمحبة المشتعلة.

 

إن الأبواب التي يفتحها الرب أمامك لتعطي لخدمته وامتداد ملكوته أو تسدد احتياجات أخوة لك، هي في الواقع فرصاً تكتشف من خلالها محبتك له وتعبر عنها بعطائك له. فأنت لا تعطي لأن العمل يحتاج بل لأنك تحب من مات لأجلك وتريد أن تخدمه وتعبده.

 

3-   شريكاً في أحشاء المسيح ومشاعره

كان الرسول بولس مسجوناً في روما بينما ذهب واحد من شعب الرب يدعى أنيسيفورس ليبحث عنه لكي ينعشه ويشجعه (2تيمو1: 16-17). في الواقع كان أنيسيفورس شريكاً في مشاعر الرب تجاه الرسول.. كان القناة التي تحمل مشاعر الرب واهتمامه للرسول السجين. صديقي، هل اختبرت امتياز أن تشعر بأحشاء الرب تجاه النفوس؟ هل تمتعت بامتياز أن يكون لك أحاسيس الرب نفسه تجاه أخوتك؟. انظر ما يقوله الرسول يوحنا “بهذا قد عرفنا المحبة أن ذاك وضع نفسه لأجلنا فنحن ينبغي لنا أن نضع نفوسنا لأجل الإخوة. وأما مَنْ كان له معيشة العالم ونظر أخاه محتاجاً وأغلق أحشاءه عنه فكيف تثبت محبة الله فيه” 1يو3: 16-17.

لقد أحبنا الرب وسكب حبه فينا لنحيا في العالم نخدم بعضنا البعض بهذا الحب. إنه يريد أن يفيض بحبه من خلالك لتنقله للآخرين فتكون أنت القناة والوسيلة. فأي امتياز هذا أن نكون قنوات لمحبة الرب ومشاعره لمن هم حولنا عندما نهتم بهم وندرك احتياجاتهم ونباركهم؟!. ويالها من خسارة لا تعوض عندما تغلق أحشائك فلا تثبت محبته فيك وتجف مشاعرك ولا تكون قناة ينسكب هو من خلالها!.

 

4-   فرصة لتحيا بالإيمان

إن العطاء مغامرة إيمان. فيالها من مغامرة إيمانية عندما قبلت الأرملة دعوة الرب لتقدم الخبز لإيليا أولاً. لقد اختبرت حياة الإيمان والسير على المياه مستندة على الرب، كما حصلت على المكافآت وتسديد الاحتياجات. وهناك أرملة أخرى قدمت فلسين في مغامرة بل ومخاطرة إذ كانوا كل ما عندها، ولكنها كانت تعلم أن الرب يعتني بها وسيدبر حياتها.

 

إن العطاء امتياز خاص من الحياة بالإيمان وراء الرب، لذا أدعوك أن تعطيه الفرصة ليعلمك كيف تعطي حقاً بالإيمان وليس بالحسابات البشرية المعقدة والمخاوف النفسية. أعط بالإيمان وأنت تنتظر حصاداً وفيراً، وثق أن الرب سيستثمر عطاءك في امتداد ملكوته وحصاداً لحياتك بعد ذلك.. فياله من امتياز!.

 

أخي الحبيب، أدعوك في نهاية هذه الدراسة أن تعلن إيمانك في غنى القدير وأن تعترف له بكل إيمان القلب، وأن تأتي بحماس شاكراً ومسبحاً إياه لأجل أنه قد أعطاك هذه الفرص وهذه الامتيازات لأن تعبده بالحب وتكون شريكاًُ له في عمله. اهتف له لأنه قد جعلك قناة يسكب فيها حبه وأحشاءه للآخرين، وافرح لأنك ستسير معه فوق المياه لا يسندك شيئاً إلا شخصه وحبه وأمانته.

 

وإذا كنت قد أضعت فرصاً سابقة، فأنا أثق أن الرب سيعود ويعطيك فرصاً قادمة، فهل ستفقدها من جديد؟!