النهضة والعطاء

العطاء في الكتاب المقدس

نوفمبر2003

8-  النهضة والعطاء

في الدراسة السابقة عن العطاء رأينا ارتباط العطاء بالحب، واليوم سنرى معاً ارتباط العطاء بحالة النهضة التي يعيشها المؤمنين .. وكذلك تأثير غياب النهضة على دائرة العطاء والأمور المادية.

شواهد كتابية : 2 أخ 24: 4-14  ؛  2أخ 29: 31-33  ؛   2أخ 31: 3-12  ؛   2أخ 34: 8-12.

نهضات العهد القديم:

لم يكن تاريخ شعب الله في العهد القديم في نهضة مستمرة بل بالعكس تماماً؛ فقد عبر الشعب خلال مراحل كثيرة من الانحدار الروحي الحاد. ولكن شكراً للرب إذ كان بنعمته يقيم قادة حقيقيين وملوك أتقياء يشجعون الشعب ويعيدونهم للحياة النقية مع الرب حتى أنهم قادوا الشعب لنهضات هائلة تحدث بينهم.

ولكن الملاحظة التي تثير اهتمامنا اليوم هي ما يصاحب هذه النهضات من عطاء مادي بوفرة والذي غالباً ما يزيد ويفيض عن الاحتياج. فمن خلال الشواهد السابقة سنحاول إلقاء نظرة سريعة على  ثلاث من كبرى ا لنهضات  في حياة شعب الرب حيث نكتشف معاً بعض المفاتيح الهامة:

يؤاش الملك:  أحد قادة هذه النهضات حيث وضع في قلبه أن يجدد بيت الرب، فطلب من اللاويين أن يجمعوا فضه من الجميع لتتميم هذا العمل. فكان الجميع يقدمون بفرح وجمعوا فضه كثيرة.

حزقيا الملك:  في أيامه اختبر الشعب أموراً روحية ما لم يختبرها منذ أزمنة طويلة..  وقام الملك بالمبادرة وقدم  آلاف الذبائح للرب قبل الآخرين وقدم حصة من ماله لهذا الأمر. ولم يكتف حزقيا بهذا فقط بل امتد انشغاله إلى اللاويين والكهنة وتسديد احتياجاتهم لأجل أن يتفرغوا لخدمة الرب والشريعة..  واختبر الجميع بركات كثيرة.

 يوشيا الملك:  الذي تحمل المسئولية وهو صبي صغير في الثامنة من عمره ولكنه كان يمتلك قوة روحية حيث قاد الشعب إلى التطهير الروحي والتخلص من عبادة البعل، كما انشغل بترميم بيت الرب وإصلاحه فاحتاجوا إلى شراء حجارة وأخشاب..  وكان العاملون يعملون بأمانة.

الانحدار الروحي والخطايا المادية :

..إن تاريخ النهضات الروحية لا يحدثنا عن النهضة في العطاء فقط  بل يفضح لنا مراحل الانحدار الروحي التي كان الشعب يعيش فيها قبلاً

وكيف كان الشعب–  بما فيهم الخدام-  يعيشون في خطايا مادية وعدم أمانة مالية.

ففي قصة يوآش الملك نرى أن الملوك الذين  سبقوه لم يكتفوا بهدم بيت الرب فقط بل كانوا يسرقون أقداس الرب ويقدمونها للبعل. وفي أيام عالي الكاهن، كان أولاده الخدام في ذلك الوقت يسرقون  من الذبائح لأنفسهم ولهذا آتى عليهم غضب الله ودينونته. وفي العهد الجديد نتذكر جيداً يهوذا الأسخريوطي الذي كان مشرفاً على الصندوق فكان يسرق ما فيه ولهذا انزعج جداً من المرأة التي قدمت الطيب كثير الثمن فكان يريدها أن تضعه في الصندوق لعله يستطيع أن يسرق جزءً منه، وانتهى به الأمر إلى تسليم سيده للصلب مقابل حفنة من الفضة.

إن غياب النهضة الروحية لا يجعل عطاءنا قليل فحسب بل يجعل الإنسان يتساهل مع الخطايا المادية ويستبيح حتى مع أموال الله نفسه.

النهضة تخلق احتياج :

عندما تأتي النهضة فإنها تخلق معها جواً من الحماس الروحي ورغبة في عمل الكثير من أجل الرب وخدمته..  فكانت النهضات دائماً ما يصاحبها  تجديد وترميم لبيت الرب، وتقديم ذبائح كثيرة ومكلفة له كما حدث أيام حزقيا الملك بالإضافة إلى إدراكه الروحي للاهتمام  باللاويين والكهنة حتى لا يتعطل عمل الرب. وفي العهد الجديد  نرى المؤمنين ولا سيما كنيسة فيلبي يشتركون في تعضيد خدمة الرسول بولس وذلك لأن انتقاله  من مكان إلى آخر للكرازة والتبشير بالمسيح  كان  يعني تكلفة مادية للسفر و بيوتاً تفتح لتكون مكاناً للكنيسة والخدمة.

وهكذا أيضاً في أيامنا هذه عندما تكون الكنيسة في نهضة،  وترتفع الحالة الروحية للمؤمنين الروحية، عندئذٍ تزدهر الطموحات الروحية والرغبة في عمل أمور كثيرة لمجد الرب، وتكثر البرامج الكرازية  والإرساليات والرغبة في نشر الكلمة. ولكن كل هذا لن يتحقق إلا إذا كان هناك إدراك ووعي روحي لدى الشعب بتكلفة هذا العمل والاستعداد للاشتراك في تسديد الاحتياجات.

النهضة تخلق عطاءً  فائضاً :

 سبب كثرة الأهداف الروحية ونمو الكنيسة واتساع دائرة عملها، نجد أن النهضة تخلق الاحتياج لتحقيق الإرسالية العظمى التي كلف بها الرب الكنيسة، فما كان يكفي بالأمس لم يعد كافياً اليوم. وحتى في العهد القديم نجد أن الذبائح التي كانت تقدم في يوم لا تصلح لتقديمها من جديد في اليوم التالي، بل كان الشعب يقدم كل يوم ذبائح وتقدمات جديدة للعبادة.

ولهذا فالنهضة تخلق عطاءً فائضاً وكافياً..  فالنفوس التي يتلامس الرب مع قلبها وتفرح بعمله معها، دائماً ما ترغب في تقديم كل ما عندها له ولخدمته،  ويلتهب حماسها للمشاركة بكل ما تمتلك. فترى ليديا بائعة الأرجوان في فيلبي تلح في استضافة بولس وسيلا في بيتها وبعد ذلك يصير بيتها مكاناً للكنيسة.

وفي النهضات التي تحدثنا عنها أيام  يوآش وحزقيا ويوشيا ستجد دائماً أن الشعب لم يكن يقدم  فحسب، بل يمكنك أن  تلاحظ تسديد  الاحتياجات بفيض ووفره؛  فنقرأ عن أيام يوآش أن الرؤساء فرحوا وألقوا في الصندوق حتى امتلأ .. وكانوا يفرغون الصندوق يوماً فيوم لأنه كان دائماً يمتلأ حتى جمعوا فضة كثيرة  لينفقوها على بيت الرب وآنيته،  وكانوا يجعلونها صبراً صبراً ( أكواماً أكواماً ) فاستخدموها وفاضت أكواماً أيضاً حتى اضطر الملك لعمل مخازن لاستيعابها.

أخي الحبيب، هل تعاني من البرودة الروحية  والانحدار الذي يجعلك تنحدر إلى سلوكيات مالية غير سليمة أو على الأقل لا تدرك احتياج عمل الله ولا ترغب في الاشتراك فيه ملقياً المسئولية على الآخرين، أم أنك في قلب النهضة وقلبك حار لتعطي من كل قوتك للمساهمة في عمله العظيم؟

النهضة تخلق أمانة :

في (2 مل12: 15) الذي يتكلم عن النهضة في أيام يوآش الملك أيضاً، يقول أنهم “ لم  يحاسبوا الرجال الذين سلموهم الفضة للعمل.. لأنهم كانوا يعملون بأمانة” ، كما نجد نفس التعبير أيام يوشيا الملك  في 2 أخ 34: 12 حيث يذكر الكتاب ” وكان الرجال يعملون العمل بأمانة..”. لقد مرت عشرات بل ومئات  السنين بين هذين التاريخيين، ولكن ما يجمع بينهما هي صفة الأمانة التي تصاحب النهضة. فالأمانة في عمل الله والأمانة في الأمور المادية سواء أموالنا الشخصية وكيفية التصرف بها أو أموال الله التي نؤتمن عليها لهي أمور ثمينة جداً لا يمكن التغاضي عنها، وهي أيضاً علامة حقيقية من علامات النهضة التي تخلق قداسة وإخلاص.

صلي معي أن يعطنا الرب شعباً أميناً في الأمور المادية في حياته العملية وفي عطاءه للرب،
وصلي أن يعطينا فعلة وخدام أمناء في أموال الله
.

 

العطاء يجلب بركات :

عندما يتعلم شعب الله العطاء الحقيقي والأمانة، فيكل تأكيد سيختبرون أيضاً بركات الله على حياتهم. ففي أيام حزقيا الملك – كما ذكرت من قبل-  كانت التقدمات أكواماً فائضة وعندما سأل الملك عن هذه الأكوام، آتت الإجابة أنه منذ بدأ الشعب يأتي بالتقدمات فضل عنا بكثرة لأن الرب بارك شعبه” 2 أخ 31: 10

صديقي، إذا أردت أن ترى بركات الله الفائضة وأن ترى أكوام تفضل عنك، كن أميناً في إدراكك لاحتياجات عمل الله وكن أميناً في عطاءك له، وكن أميناً في ما سيستأمنك الله عليه من أموال ووزنات.

 

أبي السماوي

اجعل كنيستك في نهضة حقيقية  مشغولة بيتك وخدمتك

وأعط شعبك قلباً مميزاً ومدركاً ومتحملاً مسئولياته

فيقدمون لك عطاءً أميناً دائماً

ويروا بركاتك الفائضة كل يوم في الحياة