بذار الإيمان وحصاد البركات

العطاء في الكتاب المقدس

أغسطس 2004

(11) بذار الإيمان وحصاد البركات

كثير من المؤمنين يحملون أفكاراً خاطئة تجاه المال؛ فمنهم من يفصل بين حياته الروحية وبين أموره المادية بإعتبارها دائرة غير روحية لا تهم الله، ويظنون أن أمورهم المادية ليست جزءً هاماً من الكتاب المقدس أو ملكوت الله. وفي المقابل يوجد مَنْ يتعامل مع المال فقط كأنه شيء ملوث غير نقي وشبه شر.

ورغم أن كتابنا المقدس يُحذرنا من خطورة محبة المال والممتلكات، ولكن هذا لا يعني مطلقاً أن المال ليس عطية إلهية للإنسان، فهو مصدر الغنى والبركة الحقيقية. فالمال هو وسيلة هامة يستخدمها الله لامتداد ملكوته.. وتحقيق مقاصده.. وتنفيذ مشروعاته الإلهية لتوصيل رسالة الإنجيل إلى أقصى الأرض.

نظام إقتصادي مختلف

يقدم الإنجيل فكر الله تجاه أموال للمؤمن والطريق للبركة والنجاح. ورغم أن الإنجيل يتفق مع بعض مبادئ الاقتصاد العالمي مثل الاجتهاد، العمل بجدية، الدراسة، التنظيم.. إلا أنه يُنقي ويُقـدس هذه المبادئ كما يُضيف إليها مبادئ ونُظم مختلفة تماماً. فالإنجيل يُعلم السادة وأصحاب العمل أن لا يبخسوا أجرة العمال والفقراء ولا يسلبونهم بل ولا يتسلطون بعنف أو استبداد عليهم، كما يُعلم الخدام والعمال كيف يكونون أمناء مُخلصين لسادتهم. ولكن نقطة الخلاف الأساسية بين مبادئ الإنجيل ومبادئ الاقتصاد العالمي تكمن في مفهوم كلمة “العطاء“. فكل مبادئ الاقتصاد العالمي تعتمد على الأخذ والجمع وتقليل الانفاق لكي تزداد الأرباح، أما كلمة الله فتعلمك العطاء كطريق للإزدياد.

فإذا كنت مؤمناً حقيقياً ترغب في ازدياد أموالك والنجاح في عملك ومشاريعك وتجارتك، عليك أن تتعلم العطاء أولاً، فتعطي للرب، حسب ما يقودك إليه روح الله، من مالك وممتلكاتك. يقول سفر الأمثال “أكرم الرب من مالك ومن كل باكورات غلتك فتمتلئ خزائنك شبعاً وتفيض معاصرك مسطاراً” أم 3: 9-10

أحبائي إن الرب يقدم لنا مبادئ عجيبة مختلفة قائلاً ” أعطوا تعطوا. كيلاً جيداً ملبداً مهزوزاً فائضاً يُعطون في أحضانكم” لو 38:6. ولهذا أصلي أن يكشف الرب عن عينيك لترى مبادئ إلهنا الإقتصادية لبركة شعبه. كُن ناجحاً مُجتهداً في عملك، ولكن لا تنس أن تضيف قانون الله “أعطوا تعطوا “.

البذار والحصاد:

يتبنى الرسول بولس نفس مبادئ الاقتصاد الإلهي بالنسبة لأموال شعبه، معلماً إياهم كيف يعيشون في البركة مكتفين بل وفائضين، وكيف يزداد عطاءهم للرب. وفي رسالته الثانية لكنيسة كورنثوس، يقتبس الرسول مبادئ الزرع والحصاد ليشرح لهم تعاليمه وأفكاره. فالزارع يلقي البذار في التربة.. ويزرعها.. ويرويها.. ويعتني بها.. حتى يأتي وقت حصاد تلك البذار وإذ هي قد تضاعفت كماً وحجماً عشرات بل ومئات المرات. وهكذا يعود من جديد ليأخذ من هذا الحصاد بذاراً جديدة يزرعها في موسم جديد لتتضاعف مرة أخرى.

يقول الرسول “.. ومَنْ يزرع بالبركات فبالبركات أيضاً يحصد .. والذي يقدم بذاراً للزارع وخبزاً للأكل سيقدم ويكثر بذاركم وينمي غلاتك بركم. مستغنين في كل شيء لكل سخاء ينشئ بنا شكراً لله” 2 كو 6:9 ، 10-11.

يعلمنا الرسول بولس أن الذي يعطينا أموالاً وإمكانيات هو الرب، سواء كانت تلك الإمكانيات قليلة أم كثيرة، وأننا يجب أن نأخذ من تلك العطايا الإلهية ونقدمها بفرح للرب. ولكن ياللروعة والعجب! فما نقدمه للرب لن يُفقد أو يضيع، بل يصير كبذار أودعت في حقل الرب. وبعد قليل إذ ترويها وتعتني بها بالإيمان، ستجدها وقد تحولت إلى حصاد وفير.

إن الرب سيُكثر البذار (أي سيعطيك بركة في حياتك لكي تقدم منها للرب)، ثم سيعود ليباركك ويُكثر نتائج هذه البذار لكي تعطيك حصاداً وفيراً، ثم تعود وتأخذ من هذا  الحصاد الوفير بذاراً أكثر لتقدمها للرب.. وهكذا تسير في تضاعف دائم في حياتك باسم الرب يسوع.

صديقي، خذ بذاراً مما أعطاك الرب وقم أزرعها في أرض جيدة، أي اعطها للرب، وحينئذٍ سترى بركة الرب في الحصاد..  وسترى استثمار للبذار التي قدمتها من نتائج عظيمة في خدمة الرب وتحقيق مشيئته وامتداد ملكوته، كما ستحصد أنت أيضاً بركات في حياتك المادية، كما قال الرسول أنك ستستغنى في كل شيء فيزداد سخاءك وعطاءك للرب ثم يزداد حصادك من جديد.

بذار ثمينة وحصاد لا يضع:

عاش كثيرون على الأرض وحاولوا تخليد أسماءهم، ولكن سرعان ما مرت الأعوام وانتهت الحياة، وصاروا للنسيان وما عاد أحد يتذكرهم. ولكن قليلون صنعوا أشياء لها آثار ونتائج إيجابية ظلت تتحدث عنهم بعد مئات بل وآلاف السنين. ومن هؤلاء القلائل تأتي تلك المرأة التي قال لها الرب يسوع واعداً بأنها لن تُنسى أبداً، بل أينما يُكرز بالإنجيل يُكرز بما فعلته تذكاراً لها. فلماذا أعطاها الرب هذا الامتياز؟ ماذا زرعت لتحصد كل هذا؟!.

إن كثيرين يا أحبائي قدموا أغلى ما عندهم وأنفقوا أموالهم في أمور احياة المختلفة، ولكن سرعان مافقدوا كل شيء. ولكن هذه المرأة استثمرت أموالها في ملكوت الله، فحصدت حصاداً وفيراً جداً ومضاعفاً. لقد قادها روح الله أن تأتي بقارورة طيب غالية الثمن وتكسرها عند أقدام الرب. ربما لم تفهم السبب أو وجدت تفسيراً، ولكنها لم تتراجع بل ذهبت وأطاعت، فأشتركت دون أن تدري في تكفين جسد المسيح حتى قبل الصليب، وامتلأ البيت من رائحة الطيب. ياله من امتياز أن يشركك روح الله في أمور مُكلفة ولكنها ثمينة على قلبه!. يا له من امتياز أن تشترك مع الرب في الكرازة بإنجيله وصليبه عندما تقدم، بقيادة روح الله، أموالك لخدمتة وإرساليته وتكتشف أن هذا القليل الذي قدمته قد ساعد في وصول رسالة الإنجيل إلى خطاة لكي ينالوا الخلاص.

أحبائي، إن أموالنا ليست ملوثة بل نقية وثمينة، يريد روح الله أن يجعلها آلة في يده تُستثمر لصالح ملكوته. ولا تخف عندما تعطي لأنك ستجد حصاداً وفيراً جداً ونتائج ثمينة لعملك، سواء في ملكوت لله أم في بركة الرب على حياتك العملية.

أعطت واحداً فأعطاها خمس:

لم يكن لها طفل، فصَلت وسألت الرب فأعطاها صموئيل. كانت تعلم أنه عطية الله لها، فأخذته وقدمته  للرب. كان ابنها الوحيد هو عطية الله وهو البركة التي شفى الله بها حياتها، ولكنها لم تمسكه عنه بل قدمته للرب. لم تجادل، ولم تحاول التهرب، بل ولم تنتظر مولوداً ثانياً لكي تقدمه للرب، بل أخذت هذا الابن الوحيد وأرضعته وربته وشاهدته ينمو بين يديها، حتى جاء الوقت المناسب فقدمته للرب وعادت فارغة بدونه!!! فماذا حصدت؟.

في ملكوت الله صار هذا الابن هو صموئيل النبي الذي غير تاريخ شعب الله كله. كانت حنة، دون أن تدري، تقدم للرب بذاراً مُكلفة، ولكن بنعمة الرب صارت هذه البذار حصاداً ثميناً لصالح الملكوت لم تكن تتخيله. فهذا الابن قاد شعب الله من الخطية والهزيمة إلى القداسة والنصرة. وليس ذلك فقط، بل حتى على المستوى الأرضي والحياة العملية، فقد أعطاها الرب ثلاث بنين وبنتين. لقد كانت عاقر وربما بالمنطق الطبيعي من الصعب أن تحمل وتلد ثانية. ولكن عندما باركها الرب ومدّ يده إليها، حصدت حنة خمس أبناء عوضاً عن الواحد الذي قدمته للرب. لم تخسر.. ولم تفقد.. ولم تنقص. لقد عملت مع مبادئ الاقتصاد الإلهي. أعطت أغلى ما عندها فحصدت بركات مضاعفة  في ملكوت الله و في حياتها العملية.

تعال وكن جزءً من اقتصاد الله العجيب

تعال و ادخل في دائرة الاستثمار لصالح ملكوت الله

ازرع بذار الحب للرب وأنت تصلي لأجل أن يستخدم الرب تقدماتك لامتداد الملكوت

ارجع بيتك فرحاً وتوقع سريعاً أنك ستحمل حزماً مضاعفة.

اعلن معي بإيمان أن ما تعطيه للرب هذ بذاراً تُزرع؛ لن تضيع.. ولن تُفقد

إن ما تعطيه للرب لن ينقص بل ستراه يزداد، وعاماً بعد عام ستجد الرب قد أكثر بذارك

وضاعف حصادك لكي تستغنى في كل شيء ويزداد سخاؤك للرب. آميـن