طرق تعديل السلوك2

طرق تعـديل السلـوك ( 2 )

إستعرضنا معاً في المقال السابق مفهوم السلوك وأنواعه، والأسباب التي تجعل الطفل يسلك سلوكاً غير مرغوب فيه، والمؤثرات التي تؤثر في تحديد نوع سلوك الفرد. وفي هذا الجزء سوف نتناول العقاب كأحد وسائل تعديل السلوك، وسوف نُعرِّف معنى العقاب، وأساليبه وطرق تطبيقه، والأنواع المختلفة له، كذلك مساوىء إستخدامه بكثرة.

العقاب:  هو كل إجراء يُتخذ ضد المعاقَب من شأنه عدم تكرار أوتقليل حدوث السلوك غير المرغوب فيه.

ومن هذا التعريف نستخلص أن العقاب الناجح هو الذي يؤثر في المعاقَب فينعدم الفعل غير المرغوب فيه أوعلى الأقل يقلِل من فرص حدوثه مرة أخرى حتى ينعدم دون أية تأثيرات أخرى تصيبه بإيذاء نفسي أو جسدي. فإذا حدث وأصبح الطفل أكثر عِنداً وتحدياً بتكرار سلوكه المرفوض، أصبح العقاب الذي ناله غير مُجدي لأنه لم يؤثر في سلوكه.

ففي بعض الأحيان يقوم الطفل بالتطوع للمساعدة في إنجاز أعمال معينة رغبةً منه في إستعراض مهاراته أمام الآخرين، وليُثبت لوالديه أنه أصبح كبير ويُعتمد عليه. قد يحدث في مثل هذه الحالات وقوع أخطاء ككسر شيء أو بعثرة محتوياته. عند حدوث مثل هذا لا يحتاج الطفل إلى عقاب بل على العكس يحتاج إلى من يُهدئه من الصدمة “الخضة” ويُعيد إليه ثقته في نفسه وأنه قادر على القيام بما حاول القيام به، وأن ما حدث هو حادث عرضي قد يحدث لكثيرين غيره.

أنواع العقاب

عقاب سلبي: هو العقاب الذي يُمارس ضد الطفل وتكون نتيجته لفترة زمنية قصيرة، يعود الطفل بعدها لتكرار السلوك غير المرغوب فيه، كالعقاب البدني أو التهديد به أو أي شكل من أشكال العنف الذي يُسبب إيذاء لنفسية الطفل مثل وصف الطفل بألفاظ غير لائقة أو مهينة.

عقاب ايجابي : هو العقاب الفعّال الذي يُحقق نتائج إيجابية ويساعد الطفل على تعديل سلوكه مثل:

·        الحرمان: وهو حرمان الطفل من شيء يحبه، مثل لعبة يحبها أو الخروج للنزهة، وفي الحرمان يجب أن نراعي عدم الحرمان من الطعام، أو الرحلات التي قد ينتظرها الطفل من عام لآخر. كما أنه لا يجب أن يستغل الآباء مثل هذا النوع من العقاب للهروب من تنفيذ وعد للطفل بعد أن يكتشفوا أنه يصعب إتمام ما وعدوا به، فيتصيدوا له خطأ ليبرروا له عدم وفاءه بوعده لهم.

·        النوع الثاني من العقاب الإيجابي: وهو تكليف الطفل بأداء مهام غير محببة له لمدة زمنية معينة مثل قيامه بترتيب سراير جميع أفراد الأسرة أو أن يكون مسئولاً عن تنظيف السفرة بمفرده لمدة معينة، ونتابع قيامه بأداء هذه الأعمال. عند تطبيق مثل هذا العقاب نكون طبقنا نوعين من العقاب لأنه سوف يُحرم من القيام بعمل شيء يحبه أثناء تأديه العمل المُكلَّف به.

ولخطورة العقاب السلبي وأثره السيء سوف نتناوله ببعض من التفصيل وخاصة العقاب البدني.

العقاب البدنى: هو نوع من أنواع الإيذاء حتى لوكان يهدف إلى تعديل السلوك، ويشمل كل فعل من شأنه إلحاق ألم جسدي بالمُعاقَب سواء ترك آثار جسدية أو لم يترك.

أمثلة للعقاب البدنى:

الضرب، الصفع، اللكم، الركل، الدفع، الشد، العض، القرص، اللسع،  الحرق، الجَلد، التقييد، الخنق.

مساوىء العقاب البدني:

·    لا إنساني.

·   يولد العنف ويعلِّم الطفل القسوة وسوف يتعامل مع المحيطين به بنفس أسلوب الضرب المتبَّع معه فنجد أقرانه يتجنبونه تفادياً لما قد يلاقونه منه. وهذا قد يؤدي إلى إنطواء الطفل وتحوله إلى شخصية غير إجتماعية.

·   بمرور الوقت سوف يعتاد عليه الطفل فلا يؤثر فيه. ولكي يصل الشخص القائم بالعقاب إلى نتيجة مقبولة من وجهة نظره سوف يزيد من كمية الضرب كل مرة خاصة لو تعامل مع طفل عنيد.

·   سوف يتأثر الطفل فقط بوجود الشخص الذي يقوم بعقابه فقط (ضربه) دون الآخرين، فنجد الأهل يهددونه بهذا الشخص في غيابه ويتوعدونه بما سوف يلاقيه عند عودته. وهذا يعني إستحالة التحكم في سلوك الطفل بدون هذا الشخص، وبهذا يرتبط سلوك الطفل المرغوب فيه بالشخص الذي يقوم بتأديبه بدنياً. وفي هذه الحالة ينتفي الغرض من العقاب لأنه لم يحقق الهدف المرجو منه وهو إكساب الطفل عادات سلوكية سليمة.

·   قد يؤدي إلى عاهات مستديمة في بعض الأحوال.

العقاب الفعال: لكي يكون العقاب فعّال في نتائجه يجب أن:

1. توضع قواعد معينة من قِبل البالغين.. هذه القواعد تشرح بإستفاضة للطفل ما هو مسموح به وما هو غير مسموح ليعرف الطفل حدود التعامل التي يتحرك في نطاقها.

2. يجب أن نقوم بتحذير الطفل قبل أن يُعاقَََب كنوع من التذكرة له بطريقة
لطيفة لكن حازمة.

3. يحتاج الطفل بعد كل موقف سلبي يصدر منه أن أوضح القاعدة التي قام بكسرها، ونتيجة قيامه بهذا سوف ينال العقاب الذي تم الإتفاق عليه معاً فيما سبق ـ راجع البند الأول.

4. عدم التهاون في تنفيذ ما تم الإتفاق عليه مسبقاً مع الطفل بمعنى أنه لابد
من تنفيذ العقاب في حالة خطأه حتى لا يُكرر ما فعل مرة أخرى.

5. عدم التهديد بالعقاب لأنه يؤدي إلى آثار سلبية حيث يُضعف رغبة الطفل في طاعة الأوامر. وعدم تنفيذ التهديد قد يؤدي إلى إضعاف سُلطة الأباء.

6. الهدوء والحزم هما مفتاحا نجاح العلاقة بين الأهل والطفل، لأن العصبية والفزع عند سماع أو مشاهدة الطفل يقوم بأمرمعين قد تكون هي الأمر المُشوق له لتكرار مثل هذا الفعل لنجاحه في إستثارة والديه أو إحساسه بالخوف عليه أو منه. وهو بهذا يُشعره أنه قام بإنجاز أمر يستحق أن يتكرر مرة أخرى.

العقاب الناجح

1. لابد أن يكون مرتبط بالخطأ، بمعنى أن نوضح للطفل أن ما فعله خطأ يستحق العقوبة.

2. لابد أن يكون فورياً بعد وقوع الخطأ مباشرة.. فلا يصح أن أعاقب على فِعل حدث في اليوم السابق.

3. أن يؤخذ في الإعتبار سن الطفل فتكون العقوبة قابلة للتطبيق بالقياس إلى عمره.

4. أن يكون العقاب مناسباً لحجم الخطأ.

5. أن يكون العقاب مؤقتاً ولا يستمر لوقت طويل حتى لا يتحول لنوع من القهر.

6. يجب ألا يكون في العقاب أي نوع من الإهانة أو المذلة او الأذى.

7. أن لايحتوي على عبارات من شأنها التقليل من قدر الطفل وإحساسه بصغر النفس و النقص مثل “غبى”  “فاشل”  “عمرك ما هاتنفع”.

8. لا يكون العقاب امام الناس حتى لا يجرح نفسية الطفل.

9. لا يستخدم التخويف كنوع من التهديد بالعقاب مثل “أوديك للدكتور”،
“أنده لك العسكري”. فبجانب زرع الخوف في حياة الطفل وهذا خطأ
كبير، تتكون لدى الطفل عقدة من هؤلاء الأشخاص. سوف يدرك بعد ذلك أن والديه قاما بخداعه، ويهتز ثقته بهم لكذبهم عليه.

10. لا يُستخدم كوسيلة من الإنتقام من الطفل.

11. عدم الربط بين العقاب وواجبات الطفل نحو نفسه وأسرته. فترتيب الطفل لغرفته أو مساعدته لباقي الأسرة ليس عقاباً لأنه واجب يجب أن يقوم به.

12. تجنب إستخدام العقاب بصورة مستمرة.

13. التنوع في أساليب العقاب وعدم الثبات على طريقة واحدة حتى لا يعتادها الطفل ويصبح قادراً على التنبؤ بما سوف يحدث له.

السن المناسب لتطبيق العقاب: يُخطىء مَنْ يظن أنه قادراً أن يضع قاعدة ثابتة للتعامل مع الإنسان. فلكل فرد منا ظروف معينة للتنشئة والتكوين، كما أن هناك صفات وراثية تؤثر في مدى إستقبال وتعلم المفاهيم والقيم المختلفة. وهذا ما يُطلق عليه الفروق الفردية بين الأفراد، فحتى التوائم المتماثلة بينهم هذه الفروق، فنجد مَنْ يستوعب بسهولة ويُطبق ما فهمه ويتمسك به، ومَنْ يستغرق بعض الوقت لتنفيذ ما مر به من خبرات. كما أن التقدم التكنولوجي والتقنيات الحديثة أثرت في كَمَْْ المعلومات والمفاهيم التي يكتسبها الأطفال في عصرنا هذا. فلا نستطيع أن ننكر أن للتليفزيون والإنترنت والقنوات الفضائية دور هام في إكتساب أولادنا كَمْ من المعرفة بغض النظر قبِلنا هذا أو لم نقبله. ولكي نحدد السن الذي نبدأ في محاسبة الطفل على نوع السلوك الذي ينتهجه، يجب أن نقيس مدى إستيعاب الطفل لما نغرسه فيه من سلوكيات. وعندما نتاكد أن الطفل فطن لهذا السلوك، نستطيع في هذه الحالة مطالبته بهذا السلوك ومعاقبته في حالة عدم إنتهاجه. ولكي نوضح المعنى الذي نقصده نعطي مثلاً لِما نقول؛ فعلى سبيل المثال لغرس معنى كلمة شكراً في سلوك الطفل:

·       يسلك المحيطين بالطفل السلوك الذي يريدوا أن يوجدوه في سلوكه، فنردد الكلمة أمامه كلما قام أحد بتقديم خدمة لنا، فنكون نموذجاً ومثالاً لأطفالنا.

·     نشرح للطفل أنه يجب أن نشكر كل مَنْ ساعدونا ونقول لهم “شكراًً”، ونكون بذلك بسطنا السلوك ووضحناه للطفل لكي يسلك فيه.

·       نكرر السلوك أمام الطفل في مواقف متعددة. فعلى سبيل المثال نشكره كلما قام بعمل شيء ما.. نستطيع أن نلعب معه لعبة تكون كلمة ” شكراً” أساس لها مثل موقف تمثيلي فيكون هو البائع وأنا المشتري، وبعد أن يعطيني مشترياتي أقول له “شكراً”، وبعد أن أدفع له النقود يرد علىَّ بقوله “شكراً”. وفي هذه الخطوة نكون قد شجعنا الطفل وحثناه على تكرار ما تعلَّم.

·       يحتاج الأطفال دائماً تذكيرهم بما يجب أن يسلكوه، فلا تجعل موقفاً يمر دون أن تذكره بكلمة “شكراً”. تُسمى هذه الخطوة بالتذكرة، والهدف منها هو تنشيط ذهن الطفل للربط ما بين اللفظ الذي تعلمه والسلوك.

·       في حالة التأكد أن الطفل قد إستوعب الكلمة نستطيع أن نوقع العقاب المناسب مع عدم استخدامه لها. والهدف من العقاب ليس معاقبة الطفل لذاته ولكن لعدم تطبيق ما تعلم.

·       وهكذا ينطبق المبدأ مع كافة السلوكيات التي نرغب إكتسابها لاطفالنا.

أما بالنسبة للأطفال الذين لا يستطيعون إدراك مثل هذه المفاهيم نستطيع أن نعمل على محو السلوك غير المرغوب فيه عن طريق التجاهل، فلا نُعلق بالسلب أو الإيجاب عند حدوث مثل هذه التصرفات، أي عدم الضحك أو إعطاء أي شعور بأننا نؤيد مثل هذا العمل. فلا يجد الطفل حافزاً لتكرار ما فعل، وسوف ينسى هذا الأمر بمجرد أن يتعلم فعل أمراً آخر.

مساوىء العقاب

1.  لا يُعلم السلوك المرغوب فيه، لأن ما يفهمه الطفل أن هناك سلوكاً معيناً لا يجب أن يتكرر وهو السلوك الذي يُعاقب من أجله، لكنه لا يخبره ما هو السلوك الذي يجب أن يسلكه.

2.  العقاب قد يؤدي إلى كبت السلوك أو قمعه إنفعالياً وليس إلى محوه أو إطفاءه، وهو عكس ما يريده المربيون. فنحن نسعى إلى تكوين سلوك مرغوب فيه دون أى إيذاء جسدي أو نفسي.

3.  قد يتعلم الطفل سلوكيات جانبية أخرى غير سوية مثل الكذب ليتجنب العقاب. وفي نفس الوقت لا يتعلم السلوك الصحيح.

4.  قد يؤدي إلى إكتساب عادات واتجاهات عدائية نحو مصدر العقاب.

5.  قد يؤدي إلى عنف مضاد موجه إلى الأفراد الأضعف من الطفل فينفس فيهم ما يعاني منه من ضرب وإهانة.

6.  قد يؤدي إلى حالات من عدم الشبع المادي والعاطفي والاحساس بعدم الأمان والاستقرار الوجداني.

إذا اكتشف الأباء أنهم يحتاجون كثيراً إلى معاقبة أبناءهم وعقابهم هذا ليس له نتائج إيجابية، يُفضل إعادة النظر في الطريقة التي يتبعونها في تربية أبنائهم. فما هو الدافع الذي  يجعل الطفل يحترم والديه؟ هل هو الخوف من العقاب؟ أم الخوف على غضبهم منه الناتج عن حبه واحترامه لهما؟ فالعقاب لا يخلق السلوك الجيد المطلوب، لكن المحبة والاحترام هما اساس إحترام الطفل لوالديه ولنفسه فيحدث تعالي عن الأمور التي من شأنها أن تسبب له إحساساً بالصغر أو تصيب والديه بالضيق منه.

 

ووفقاً لِما تقدم نستطيع أن نستخلص أنه ليس بالعقاب وحده ينصلح حال الإنسان، وإنما توجد طرق وأساليب أخرى نستطيع أن نلجأ إليها مثل تعديل السلوك والمعززات التي نقدمها للطفل كنوع من الإثابة التي تقدم للطفل. وهذا ما سوف نتناوله في المقال القادم بإذن الله.

صلاة

مَنْ يقف أمامك يارب ويتبرر.. كلنا في الموازين إلى فوق..

نحن نستحق أجرة الخطايا التي صنعناها..

نحن نعلم أننا نستحق عقاب الموت..

لكن شكرا لله الذي وهبنا الحياة في شخص ابنه الذي يشفع في زلاتنا.. نحن نقترب اليك بدم المسيح واثقين أن لنا القبول بدمه..

امنحنا يا الله أن نخبر العالم بكَمْ رحمتنا وصنعت بنا ورفعتنا من طين الخطية إلى مصاف الملوك والكهنة..

لا يوجد شيء نقدمه في المقابل سوى حياتنا.. فاقبلها منا. آمين

 

للمراسلة

أرحب بأي تساؤلات يحب الأباء أو المهتمون طرحها إذ قد تكون تساؤلاتهم هذه ما قد نطرحه للدراسة في المرات القادمة.