طرق تعـديل السلـوك ( 3 )

طرق تعـديل السلـوك ( 3 )

سوف نستعرض معاً في هذا الجزء أساليب تعديل السلوك، وما هي الأساليب التي يمكن اللجوء إليها لإتمام هذا التعديل. 

تعديل السلوك: وهو لا يعني فقط عدم تكرار سلوك غير مرغوب فيه، لكنه أشمل من هذا حيث يتضمن في معناه:

1.     عدم تكرار سلوك غير مرغوب فيه مثل التفوه بألفاظ غير لائقة، أوالأكل بأسلوب غير مستحب أو بطريقة نهمة. فكلما كان الطفل في سن صغير، يمكن محو أي سلوك غير مرغوب فيه بسهولة. فعلى سبيل المثال، في سن الطفولة المبكرة (من 3 سنوات إلى 5 سنوات)، يكون الطفل قابلاً للتشكيل ومرناً مثل الأسفنجة، يستطيع استيعاب وتسجيل مواقف وعبارات كثيرة قد يظن البعض أنها مرت مرور الكرام على مسامع الطفل فلم يلحظها، لكنه في واقع الأمر إمتصها وخزنها في ذاكرته لحين استخدامها وقت اللزوم. فالطفل في مثل هذا السن يستطيع تعلم حوالي 50 مفهوماً كل شهر تقريباً حيث يستخدم منها الثلث فقط، أما الباقي يتم تخزينه لحين الحاجة إليه كما قلنا. فهو يمتص من البيئة المحيطه به ويفرز ما قام بامتصاصه وقت الحاجة اليه. فإذا ماتوفر جو صحي به ألفاظ وعادات يرضى عنها المجتمع، أصبح الطفل لبقاً في حديثه. والعكس صحيح، فاذا ما تعود الطفل سماع كلمات مهما كانت فجة وقاسية، سوف يتعامل بها دون أدنى شعور بالذنب أو الخطأ. ولا نجد أبلغ من الكتاب المقدس في تصوير هذا؛ ففي سفر الأمثال يقول الكتاب “رب الولد في طريقه فمتى شاخ أيضاً لا يحيد عنه” (أم 22: 6).

2.     استخدام سلوك غير موجود وأريد غرسه في طريقة تعامل الطفل مثل استخدام أساليب التعامل الاجتماعى الجيد، كالمجاملات البسيطة والعادات الاجتماعية الحسنة مثل (شكراً.. من فضلك.. لو سمحت..)، أو الاعتذار عن خطأ ما وقع منه سواء بقصد او بدون قصد. وأهميه غرس مثل هذه الكلمات في حياة الطفل منذ الصغر تصبح مرتبطة في سلوكه فيما بعد مع كل مَنْ يتعامل معهم، سواء كان أعلى منه في المرتبة أو أقل في الدرجة. كما أنها تخلق في نفسه نوعاً من الامتنان والتقدير تجاه مَنْ يتعاملون معه باعتبار أن ما نحصل عليه من خدمات حتى وإن كانت مدفوعة الأجر يستحق من يقدمها لنا أن نقدر عمله هذا بنوع من الاحترام والتقدير، فلا نستهن بعملٍ ما أو نحتقر شخصاً ما بسبب ما يقوم به من مهنة قد تكون في نظرنا متواضعة.

3.     تاكيد سلوك نادر الحدوث ونريد أن يصبح نمطاً سلوكياً يتبعه الطفل في حياته مثل المواهب والمهارات. فالمهارة أو الموهبة لا تولد فجاة أو تتمايز بدون تدريب، لكنها تأخذ وقتاً من الممارسة والتدرج حتى تصبح مكتملة. فكافة المبدعين من رسامين وشعراء وأدباء لهم تجاربهم الأولى والتي قد يكون صادفها الفشل في أول الأمر، لكن مع الاستمرارية والتدريب والتشجيع تنضج الموهبة وتصبح تلقائية نتيجة تكرار حدوثها المقترن بالتشجيع.

والسؤال الذي يطرح نفسه هنا كيف يحدث هذا؟ ماهي الطريقة التي يمكن إتباعها حتى نستطيع أن نعدل أو نغرس سلوكاً لدى الطفل؟

لابد أن نوضح أولاً أنه لا يوجد “كتالوج” للتعامل البشري، بمعنى أنه لا توجد طريقة واحدة تصلح لكل الأطفال. فهناك فروقاً فردية تجعل هناك تمايز واختلاف بين الأطفال حتى في حالة التواءم. ويرجع هذا لاختلاف عوامل كثيرة منها ظروف الولادة والحمل.. ترتيب الطفل في الأسرة.. حالة الطفل الصحية..الخ.  كما أن العوامل الوراثية لها دوراً لابد أن يؤخذ في الاعتبار بالإضافة إلى عدد الأشخاص المشتركين في تربية الطفل. فوجود الطفل في أسرة مكونة من أبويه فقط، يختلف عن وجود طفل في “بيت العيلة”. وإذا أردنا أن نرصد العوامل والمؤثرات التي تخلق التباين بين الأفراد لن نستطيع رصدها في مقالٍ صغير، لكن نستطيع القول أن أساس تعديل السلوك يكمن في التأثر بما يحدث بعد السلوك، بمعنى ما يناله الطفل من تعزيز بعد قيامه بالسلوك، أو العكس إذا نال عقاباً أو حرماناً بدلاً من التعزيز.

والمقصود بالتعزيز: الثواب أو المكافأة التي  يحصل عليها الطفل بعد القيام بسلوك إيجابي، فتؤدي إلى احتمال تكرار وزيادة السلوك الإيجابي؛ وهو ينقسم إلى إيجابي وسلبي:

تعزيز إيجابي : هو تقديم شيء مثير ومبهج للطفل مثل الحلوى والشيكولاته.

تعزيز سلبي : هو سحب واستبعاد مثير غير محبب إلى الطفل مثل الظلام وعدم وجود ضوء.

انواع التعزيز :

1.     معززات أولية (مادية): وهي معززات تنتج أثراً في السلوك دون تعلم مسبق، أي دون أن يعلمها أحداً إلى الطفل، مثل الطعام المحبب للطفل كالحلويات والشراب وهي معززات ايجابية. أما الضوضاء والحر والبرد فتعتبر معززات أولية سلبية.

2.     معززات ثانوية (رمزية): وهـي المعـززات التي ترتبط بـاشباع حـاجـات مكتسبة لـدى الإنسـان مثـل الملصقـات “الإستيكرز”، النقود، وهي تعتبر الأكثر استخداماً في تعزيز مواقف التعلم.

3.     معززات اجتماعية (معنوية): مثل كلمات التشجيع، الابتسامة، القبلات، الطبطبة، إظهار الاهتمام.

4.     معززات مرتبطة بالأنشطة: مثل اللعب، الرحلات، الاشتراك في المباريات.

ولكي يصبح التعزيز فعالاً، يجب أن يراعي:

1.     التنوع والتغيير حتى لا يعتاد الطفل على نوع معين من المكافأة فيملها وتفقد قيمتها لتوقعه ما سوف يحصل عليه. فكل فترة يجب أن يُفاجئ الطفل بشيء غير متوقع فيثير في نفسه البهجة والإثارة والترقب. وهي أشياء في حد ذاتها تدفع الطفل لإداء المطلوب منه.

2.     تقديم التعزيز فور قيام الطفل بإداء السلوك حتى يحدث إقتران شرطي ما بين السلوك والمكافأة، أي أنه يحدث نوعاً من الارتباط لدى الطفل ما بين سلوكه وما حصل عليه من شيء يحبه ويريد ان يستزيد منه. وهذا ما يحدث معنا كبالغين أيضاً، فمَنْ يُكافئ في عمله بسبب أمرٍ ما يكرره بل يتعدى الأمر إلى محاولة إبتكار وإبداع شيئاً  آخر لينال مكافأة أخرى.

3.     الحرص عند تقديم النقود كتعزيز حتى لا يتحول الطفل إلى شخص مادي ، فتوجد أشياء كثيرة يمكن أن تعزز سلوك الطفل غير النقود أو الأشياء المادية. فخلق القيم الجميلة وتقدير الجمال لدى الطفل يمكن أن تغرس في صورة أشياء بسيطة يمكن أن يكون لها أعظم تأثير في نفسيته مثل وضع شريط ملون على باب غرفته أو باب الشقة وبه اسمه ان كان يستطيع القراءة ـ أو صورته إن كان لا يستطيع القراءة بعد ـ  ونتفق جميعاً على أنه علامة التميز والتفوق ونُحدث الآخرين الاقارب والأصدقاء عن كيف أنه “ولد شاطر” حصل على هذا الشريط لأنه قام بعمل كذا وكذا.

كذلك يمكن استخدام طريقة أخرى وهي طريقة “الكروت”، وهي منتشرة في معظم الكنائس وخدمات مدارس الأحد. فيمكن  للوالدين تقديم كروت أو بطاقات معينة ذات فئات مختلفة تتحدد كل فئه بناء على حجم العمل أو السلوك الذي قام به. يقوم الطفل بتجميع هذه الكروت، وبعد فترة وليكن في نهاية كل أسبوع يمكنه إستبدالها بأشياء مادية- مُعدة مسبقا من قِبل الوالدين- مثل لعب بسيطة الثمن.. حلويات.. أو أي شيء يحبه الطفل مثل بطاقة مكتوب عليها رحلة إلى الملاهي. و يوضع على كل نوع من هذه الهدايا عدد معين من الكروت تستبدل مقابلها، ونحرص أن يكون هناك تنوعاً في الهدايا بحيث تتفاوت في قيمتها المساوية لعدد أكثر أو أقل من الكروت ليستطيع الطفل أن يستبدل كروته حتى ولو كانت قليلة بهديةٍ ما. ومن المستحب دائماً وضع هدية عليها عدد كبير من الكروت لتحفيز الطفل دائماً على أن يسعى لجمع عدداً أكبر من الكروت ليحصل عليها. ويمكن استخدام هذه الكروت كنوع من العقاب فيمكننا سحب بطاقة أو أكثر من التي يحتفظ بهم الطفل أو حرمانه من الحصول على كارت أو اكثر لمدة معينة.

ولهذه الطريقة فوائد عديدة منها:

1.     تحث الطفل على أن يكون رقيباً لتصرفاته الشخصية دون تدخل مباشر من الأهل، ويعلم أن كل ما يقوم به من افعال وتصرفات لها نتائج سلبية أو إيجابية. وهو بذلك يضبط نفسه حتى يصل إلى ما يريد أو يسعى إليه من تجميع أكبر عدد من الكروت. ومن خلال هذه الطريقة نستطيع التوقع أن ما يقوم به الطفل سوف يتأصل في نفسه كعادة سلوكية اكتسبها بأسلوب سلس دون ضغط أو إكراه.

2.     التشويق الذي يصاحب تنفيذ هذه الفكرة يجعل الطفل في حالة من البهجة والسعادة لاحساسه أنه سوف يقوم بإنجاز شيئاً له قيمة، لأن ما سوف يحصل عليه من هدايا يكون جديراً بها. وهذا الأمر له إحساس نفسي هام وهو الاحساس بالانجاز وتحقيق نتيجة إيجابيه؛ فما قام به من أفعال تم تقديره في صورة يستطيع لمسها والتباهي بها أمام أصدقائه وأقاربه كأن لسان حاله يقول “إن هذه الهدية حصلت عليها لأنني قمت بأعمال تفوقت بها على نفسي”.

3.     تعليم الطفل كيف يفاضل ما بين الأشياء لكونه يمتلك عدداً معيناً من الكروت محدودة بالنسبة للهدايا التي تتفاوت قيمتها فتكون أكثر مما يملكه أو أقل، فيوازن بين رغبته في الامتلاك وما لديه من كروت فيفكر بطريقة عملية في كيفية استثمار ما لديه في سبيل الحصول على أكبر قدر من الهدايا.

4.     وجود هدية ثمينة ذات فئة كبيرة من الكروت يرغب فيها الطفل بشدة ويفضل أن يكون قد سبق وطلبها، تدفع الطفل للمثابرة للحصول على أكبر قدر من الكروت للحصول عليها. وبذلك سوف يسلك السلوك المرغوب فيه لتصبح عادة متأصله فيه.

في حالة صغر سن الطفل يصعب الاحتفاظ بالكروت فقد تفقد منه، في مثل هذه الحالة يمكن استبدال الكروت بعمل لوحه تلصق عليها صورته، ويتم التعزيز عن طريق أي نوع من أنواع الملصقات كالنجوم أو القلوب أو ما شابه ذلك، ليلصقها الطفل بنفسه على اللوحة بعد قيامه بأي عمل نرضى عنه. ولمزيد من التنوع واضفاء نوعاً من البهجة والمرح، يمكن استخدام أكثر من نوع من الملصقات وفقا لنوع العمل الذي قام به. فالاعمال البسيطة لها ملصق له شكل مميز، و الأعمال الكبيرة لها نوع آخر يختلف في اللون والحجم وهكذا.

أساس نجاج هذه الطرق:

1.     ان تكون لها قاعدة ثابتة يعلمها الطفل، بالاتفاق بيننا وبينه، يكون واضح البنود سهل الحفظ في حدود قدرات الطفل بمعنى أنه يكون قادراً على القيام به. فمثلاً يصعب على طفل ذو الثلاث سنوات ترتيب سريره بصورة دقيقة، لكننا نستطيع أن نطلب مساعدته لنا في القيام بهذا فنقوم بترتيب السرير معاً، لكن يسهل عليه جمع لعبة في صندوق خاص بها أو ركن من أركان الغرفة بمفرده بدون مساعدة.

2.     ان يكون استخدام أسلوب التعزيز فوري بمعنى ان يلمس أن ما قام به له نتائج فورية في الحصول على الكروت أو الملصقات.

3.     الالتزام  بما تم الاتفاق عليه فلا نستطيع أن نوعد بشيء ونخالفه بعد أن قام الطفل بتجميع الكروت وانتظر ما سوف يحصل عليه من هدايا. إن عدم الوفاء بالوعد هذا سوف يسبب خيبة أمل وإحباط للطفل وعدم ثقة. وسوف يشعر أننا سخرنا منه وكذبنا عليه مما يدفعه للسلوك العكسي المخالف لما نطلبه منه كنوع من الانتقام والتحدي.

احبائي، إننا لا نستطيع  متابعة أولادنا في كل مكان يذهبون إليه، وبالتالي لا نستطيع متابعة سلوكهم أثناء غيابهم عنا، لكننا نستطيع أن نضعهم على بداية الطريق لكي يصبحوا صالحين وسط جيل شرير وملتوي . وللحديث بقية.

نحمد اسمك القدوس يا الله يا من ترفق وتحنو وتتانى وتصبر حتى نسلك سلوك يحق لأبنائك أن يسلكوه..

نشكرك من أجل وعودك لنا بأن الصديق لن تتخلى عنه ولا عن أولاده..

أعطنا نعمة في أعين أولادنا فنكون المثل والقدوة لهم..

وأعط أولادنا نعمة في أعيننا فنتعامل معهم مثلما تتعامل معنا بكل صبر وطول أناة..

احفظهم في اسمك وباركهم ليكونوا شهوداً لك.

آمين

للمراسلة  

أرحب بأي تساؤلات يحب الأباء أو المهتمون طرحها إذ قد تكون تساؤلاتهم هذه ما قد نطرحه للدراسة في المرات القادمة.