طـرق تعـديـل السلـوك ( 1)

طـرق تعـديـل السلـوك ( جزء 1)

      ارتبط سلوك الإنسان بما يناله من ثواب أو عقاب، فسلوك الفرد يمثل الخطوط التي يرسم بها خريطة علاقاته مع مَن حوله ليس فقط مع الآخرين، ولكن مع نفسه والله. فالله تعالى “ليس عنده تغيير ولا ظل دوران” (يع 1: 17)، أما الذي يتغير ويتبدل هو سلوك الإنسان. ولنا في قصة آدم وحواء مثالاً:

فقد حدد الله سلوكاً معيناً ليسلك فيه آدم وحواء (تك 2: 16ـ17).

“أوصى الرب الاله آدم قائلاً من جميع شجر الجنة تأكل أكلاً” (سلوك مسموح).

“أما شجرة معرفة الخير والشر فلا تأكل منها” (سلوك محرم).

“لأنك يوم تأكل منها موتاً تموت” (عقاب عدم طاعة الله).

وبسقوط آدم دخلت الخطية إلى العالم، واصبح هناك نوعان من السلوك:

  • سلوك أبناء  الله.
  • سلوك أولاد الناس.

ومع مرور الزمن والتقدم التكنولوجي اختلفت المعايير واختلطت القيم لكن استمر هناك فرق دائم ما بين سلوك أبناء الله وسلوك أولاد الناس. ومن هذا نستخلص أن الفرق بين سلوك البشر واختلاف طبائعهم ليس بالجديد، بل على العكس قديم قدم وجود الإنسان على الأرض منذ خروجه من الجنة بعد سقوطه في الخطية.

وقد شهد هذا القرن في بدايته اهتماماً كبيراً بالعلوم الإنسانية، وظهرت نظريات متعددة لدراسة وفهم السلوك الإنساني. افترضت هذه النظريات مناهج مختلفة في محاولة منها لتفسير السلوك المختلف للإنسان، اخذه في الاعتبار ما يمر به الإنسان من ظروف تؤثر على حالته النفسية والعضوية. من هذه النظريات:

  • نظرية التحليل النفسي لسيجموند فرويد.
  • نظرية النمو الوجداني لأريك أريكسون.
  • النظرية التفاعلية لأريك بيرن.
  • النظرية المعرفية لجان بياجيه.

وبالرغم من اختلاف النظريات وتعدد فروضها، إلا أنها اتفقت جميعاً على ان الأسرة هي المعلم الأول للطفل. فالأسرة هي التي تقوم بتحويل الطفل من كائن فسيولوجي يأكل ويشرب وينام ويقوم بعملية الإخراج، إلى كائن اجتماعي يستطيع ان يتفاعل مع المحيطين به من خلال اللغة وبطريقة يتقبلها المجتمع. وهذا ما نطلق عليه “التربية”، فالتربية هي نقل لأساليب الحياة المختلفة من عادات وتقاليد ومعارف وقيم وأخلاق من الجيل الكبير للجيل الأصغر. ولهذا فإن كل ما يسلكه الفرد من تصرفات وعادات وهذا قد اكتسبه من خلال تربيته التي تلقاها سواء كانت بقصد مثل التوجيه المباشر “افعل هذا ولا تفعل ذاك”، أو من خلال التعليم غير المباشر الذي يتلقاه الطفل من خلال ما يشاهده من تصرفات المحيطين به معه أو مع غيره. والمقصود هنا أننا قد لا نُعلِّم الطفل سلوكاً خطأ، لكننا نسلك أمامه هذا السلوك فيتعلمه من خلال المشاهدة، أو على الأقل نسمح له أن يتعلم مثل هذا السلوك من خلال مشاهدته للتليفزيون أو الدش. وقد يكون مصدر التعلم هو تواجد الطفل في جلسات الكبار وهي من أخطر مصادر تعلُّم الأطفال. “فقعدة الكبار” لها سحر خاص لدى الطفل حيث يشعر أثناء جلوسه معهم أنه أصبح واحداً منهم فيحاول أن يجاريهم في تصرفاتهم ويستعرض مهاراته وإمكاناته ليثبت لهم أنه ليس صغيراً وأنه جدير بالجلوس معهم. وتتم هذه الجلسات في الغالب مع أحد الوالدين أو الأخوات الأكبر سناً. والخطورة ليست في هذه الجلسات لكن في نوع الجلسات وما يتم فيها، هل كل ما يتم فيها لائق لا نخاف أن يكرره الطفل بعد ذلك مثل تكرار صلاة أو ترنيمة أم شيء آخر مثل شرب سجائر أو الفاظ قد يعاقب عليها الطفل عندما نسمعه يكررها ونكون نحن مصدرها أو احد من اصدقائنا؟

والأمر الذي لا يوجد فيه نقاش هو سعيّ كل أسرة لتربية أطفالها ليستطيعوا السلوك بلياقة ويكونوا مدعه لفخر أبائهم أمام الآخرين. والسؤال هنا كيف يتحقق هذا مع تعدد الثقافات واختلاف القيم؟ وماهي الطريقة التي يمكن ان ينتهجها الأباء لكي يعدلوا من سلوك أبنائهم في حالة وقوعهم في خطأ؟ وهل العقاب هو السبيل الوحيد لتقويم اخلاقهم؟

سنحاول أن نجيب عن هذه الأسئلة التي تشغل بال كثير من الأسر والمربيين. وللبحث في طرق تعدل السلوك، ينبغي علينا أن نعرف ماذا نقصد بالسلوك؟

تعريف السلوك لغوياً: هو سيرة الإنسان ومذهبه واتجاهه.

ويُعرِّف علم النفس السلوك بإنه: الاستجابة الكلية التي يبديها الكائن الحي إذاء أي موقف يواجهه. هذه المواقف تنبع من العلاقة التفاعلية بين الفرد والبيئة المحيطة فيؤثر كل  منهما في الآخر باستمرار، ينتج عن هذا التفاعل نشاط يُسمى “السلوك”.

ويختلف سلوك الإنسان عن سلوك باقي الكائنات حيث تسلك هذه الكائنات بالغريزة، أما سلوك الإنسان فهو مكتسب متعلم من البيئة المحيطه به. لذلك يجب أن ندرك أن ما يصدر من البالغين من تصرفات أو أقوال سواء كانت مقصودة أو غير مقصودة، هناك مَن يرصدها ويسجلها ويحتفظ بها في ذاكرته ويسترجعها وقت الحاجة.

مفهوم السلوك:

يتضمن السلوك ثلاثة جوانب:

  1. جانب معرفي إدراكي: يساعد الشخص على التعرف على البيئة المحيطة به مثل التفكير.. التصور.. التذكر.. الإدراك.
  2. جانب حركي: يتيح للفرد الاستجابة للمنبهات المختلفة سواء كانت حسية مثل الكتابة وعلامات المرور والإشارات المختلفة، أو المنبهات اللفظية مثل الاستجابة للتعليمات والموسيقى، ولغة الحوار بوجه عام.
  3. جانب انفعالي وجداني: وهو كل ما يتعلق بالمشاعر مثل الميل لأمر معين والإقبال عليه أو النفور منه، الشعور بالضيق أو الارتياح، الخوف، الكراهية، الحب والتقدير وخلاف هذا من المشاعر الإنسانية المختلفة.

ولتفسير السلوك الذي ينتهجه الفرد في المواقف المختلفة، يجب أن ندرك أن هناك عوامل تؤثر فيه مثل:

1.      حالة الفرد النفسية لحظة تعرضه للمؤثر؛ فيوجد فرق بين سلوك الفرد في الأوقات التي يشعر فيها بالضغوط، والأوقات التي تكون فيها الأمور مستقرة.

2.      حاله الفرد الجسمانية وقت تعرضه للمؤثر من حيث الإرهاق او الإسترخاء.

3.      حاله الفرد العقلية كالذكاء أو الغباء.

4.      الحالة الصحية للفرد؛ فالشخص الذي يتمتع بصحة جيدة تختلف ردود افعاله عن الشخص الذي يشعر بالمرض والضعف.

5.      الحالة الروحية للفرد.

6.      خبرات الفرد ومعرفته العملية.

7.      النشاط الذي يقوم به أثناء تعرضه للمؤثر.

هذه العوامل تجعل من الصعب التنبؤ بردود الأفعال المختلفة للإنسان؛ فقد نتصور رد فعل معين لشخص نكون على دراية بردود افعاله ونفاجىء باستجابة مخالفة تماماً لِما توقعناه، تكون مغايره لطبيعته المعهودة التي نعرفها نظراً لتاثر سلوكه بعامل أو أكثر من العوامل التي أوردناها سلفاً. ولكي نفسر رد الفعل لفرد معين يجب ان نعرف:

  1. الموقف الذي يتعرض له حيث أن رد الفعل في حالة الخوف يختلف عن حالة التحدي أو حالة التعرض لضغوط نفسية.
  2. التكوين الجسماني للفرد؛ فالفرد ذو العضلات والهيئة الضخمة يختلف رد فعله عن الشخص ضئيل الحجم ضعيف البنية.
  3. الخبرات التي مرَّ بها الفرد خلال حياته؛ فالفرد ذو الخبرات المبهجة السعيدة تختلف ردود افعاله عن الفرد ذو الطفولة البائسة المحرومة، وعن الفرد الذي تعرض لظلم وعدوان في حياته.
  4. حاجة الشخص سواء كانت جسمانية أو نفسية.

أنواع السلوك: هناك نوعان من السلوك

  1. سلوك لائق أو مرغوب فيه: وهو السلوك الذي يرضى عنه المجتمع ويوافق العادات والتقاليد.
  2. سلوك منحرف أو غير لائق: وهو سلوك مضاد للمجتمع ويخالف القانون ولا يراعي العُرف ولا العادات والتقاليد.

ومفهوم السلوك اللائق يختلف من بلد لآخر، فالمقبول ومستحب من إحدى البلاد قد يراه أهل البلد الآخر غير مقبول وشائن، وقبول السلوك أو رفضه يتعدى أكثر من هذا فنرى إنه يختلف ما بين الريف والحضر في نفس البلد الواحد؛ فيسلك أهل المدينة وفقاً لعادات وسلوكيات معينة يرى اهل الريف أنها نوع من الخروج عن الأداب العامة والتقاليد مثل ارتداء البنات للبنطلون وخروج المرأة للعمل.

وقد أثبتت الدراسات أن مرحلة الطفولة الأولى هي المسؤولة عن ظاهرة التطرف والانحراف التي تظهر على الفرد في المراحل الأخرى من العمر. لذلك سوف نركزعلى “أثر الثواب والعقاب في تعديل السلوك في مرحلة الطفولة المبكرة” وتحديداً في المرحلة الخاصة بسن ما قبل المدرسة من 3 إلى 5 سنوات.

أسباب انحراف السلوك:

  1. التفكك الأسري وعدم الاتفاق بين الأب والأم في أسلوب تربية واحد، فينشأ الطفل في جو مليء بالصراع والمشاحنات ويصبح في حيرة ما بين والديه وأي منهما على صواب وأيهما على خطأ.
  2. تدليل الأجداد للأحفاد من ضمن أسباب تدليل الطفل وتماديه في سلوك مسلك غير لائق، فهم يسمحون له بالقيام بأشياء في الغالب كانوا لا يقبلون أن يقوم بها أبنائهم أثناء طفولتهم. وهناك مَن يقول أنه يوجد بعض الأجداد الذين يتسببون في فساد أحفادهم أخلاقياً.
  3. الحماية الزائدة من الأباء تزيد من عدم تكيف الطفل مع المجتمع بسبب التدليل والخوف عليه الزائد عن اللازم.
  4. اعتماد الأباء على اشخاص غير أمناء  في تربية أبنائهم مثل الدادة أو الشغالة.
  5. وسائل الإعلام حيث تعددت مصادرها من صحف ومجلات وقنوات فضائية وانترنت، حيث أصبح العنف والجنس والإباحية هي الصفات السائدة في معظم هذه المصادر.

يسلك الطفل سلوكاً غير مرغوب فيه للتعبير عن بعض الحاجات منها :

  1. الشعور بالإهمال وعدم القيمة، فيجد أنه بمسلكه الخطأ ينال قدراً من الأهمية لا يناله في حالة سلوكه الإيجابي فيعتاد على مثل هذا السلوك ليعوض ما فقده من إهتمام.
  2. للتعبير عن حاجته للحب حيث يشعر بأنه شخص غير مرغوب فيه فيعمل على ابداء تمرده على ما يناله من عدم المحبة والقبول.
  3. محاولة معاقبة البالغين ليثير غيظهم وغضبهم، ومثل هذا يحدث في حالات عدم وجود علاقة جيدة بين الطفل ومَن حوله سواء كانوا الأهل أو المربيين في الحضانة أو المدرسة.
  4. للتعبير عن الغضب والرفض، ففي بعض الأحيان ينسى الأهل أن طفلهم هذا إنسان له حقوق عليهم وليس آلة يتم ضبطها فتتحرك كما يشأوا، فيسلك الطفل مسلك غير مرغوب فيه للتعبير عن غضبه واستياؤه لمثل هذه المعاملة.
  5. للتعبير عن إحساسه بالظلم وخاصة فيما يتعلق بالعدل ما بين الإخوات والأقران.
  6. الغيرة من ضمن الاسباب الرئيسية التي تدفع الطفل للقيام بسلوك سلبي وخاصة الطفل المدلل.
  7. عدم الشعور بالأمان الذي يجعل الطفل غير مطيع للتعليمات بسبب خوفه من شىءٍ ما.
  8. الحرمان ونقص الحاجات الأساسية يدفع الطفل لعدم الرضى عن واقعه فلا يهتم بنوال رضى مَن حوله.
  9. سوء تهذيب الطفل الذي يجعله لا يُفرق بين الصواب والخطأ.
  10.  بعض الحالات النفسية قد تكون السبب في سلوك غير سوي. في مثل هذه الحالة يجب استشارة طبيب متخصص.

أحبائي، في المقال القادم بإذن الرب سوف نتناول موضوع “العقاب” كأحد طرق تهذيب السلوك.

نلتجىء اليك يا الله ونحن نعلم أنه لا يوجد شيء يجعلنا مستحقين لوجودنا في محضرك سوى دم ابنك المسفوك على الصليب. نعترف أننا عوجنا المستقيم وسلكنا بغير استقامة، لكننا نثق أن لنا الغلبة بيسوع المسيح.

نتتطهر ونغتسل واثقين انك تقبل كل مَن يقبل اليك.

علمنا كيف نسلك بلياقة كأولاد للنور.. أولاد للملك لكى يرى الناس أعمالنا فيمجدوا اسمك القدوس.

أمين

للمراسلة :

أرحب بأية تساؤلات يحب الأباء او المهتمون طرحها اذ قد تكون تساؤلاتهم هذه ما قد نطرحه للدراسة في المرات القادمة