مبادئ تـربية الأطفـال ( 2 )  


مبادئ تـربية الأطفـال ( 2 )  

الأحباء الأباء والأمهات في المقال السابق تحدثنا عن الفروق الفردية بين الأفراد وكيف منح الله كل منا قدرات وصفات تميزه عن الآخرين، وأن مهما تشابه الأفراد والأخوات تظل هذه السمات أو الفروق الفردية هي السمة المميزة لكل شخصية.  كما أوضحنا تأثير التربية، التي هي مسئولية الأبوين، حيث أنها  قد تؤثر بالسلب أو الإيجاب على السمات الفردية الموهوبة للطفل،  كما ذكرنا أن ما يعانيه الأباء اليوم من مشاكل مع أبنائهم ما هي إلا صدى لبعض العادات أو السلوكيات الخاطئة التي سلكها الأباء مع أبنائهم وخاصة في السنوات الخمس الأولى من حياة الطفل حيث يمر في مرحلة هامة يستطيع أن يتعلم المواقف والعادات  الصحيحة التي تأخذ فيما بعد صفة الطبع والسلوك. كما حاولنا إلقاء الضوء على بعض التصرفات الخاطئة التي قد تصدر من الأباء تجاه أطفالهم وتؤثر على سلوكهم فيما بعد. ونستكمل في هذا المقال والمقال القادم بأذن الله بعض ما رصدناه من هذه العادات من خلال خبرتنا العملية في مجال تربية الأطفال. وقد أوضحنا أننا راعينا الاختصار حيث أن كل موضوع من الموضوعات المطروحة يحتاج إلى دراسة مستفيضة.

 

1 ـ الحرمـان:   ويمكن تقسيم الحرمان إلى نوعان:

حرمان صحي: وهو الذي يتم بعد وضع قواعد للسلوك متفق عليها مع الطفل، فإذا خالف الطفل هذه القواعد يختار هو اختيار واحد من بين عدة اختيارات ليحرم منها. مثال، إذا لم يقم الطفل باستذكار واجباته وهو من ضمن القواعد المتفق عليها سوف يختار الحرمان من اختيارات على سبيل المثال مثل الخروج للفسحة.. مشاهدة التليفزيون.. الخ، مع ملاحظة :

عدم حرمانه من الذهاب إلى الكنيسة أو اجتماع مفضل لديه حتى لا يعتاد على عدم الذهاب إلى الكنيسة.

عند حرمانه من المصروف إذ يفضل الحرمان من الجزء وليس الكل ولمدة قصيرة. 

حرمان غير صحي: وهو مفاجئ بدون اتفاق مسبق، وهو يأتي في الغالب للهروب من تنفيذ وعد قطعه على نفسه أحد الوالدين ويصعب الوفاء به في الوقت الحالي فيحاول التملص من هذا الوعد بالحرمان عند وقوع الطفل في اقل خطأ. وهذا الأمر مخيب لآمال الأطفال ويعطي عدم مصداقية لأبويهم لديهم.

2 ـ عدم الغفران أو عدم نسيان الأخطاء:

 لا يوجد إنسان- صغر أو كبر- بدون خطية.  والفارق بين حياة إنسان عادى وإنسان نال خلاص حقيقي هو التوبة وقبول غفران الله لخطاياه وثقته في أن الله لم يعد يذكر أية  خطية يعترف بها.

إن أول معنى للغفران يعرفه الطفل يكون من خلال أبوين يحباه ويراهما ويسمعهما ويتحدثا معه؛  فإذا كان هذان الأبوين لا يسامحانه على خطأ ارتكبه ويعيرانه بما فعله، فماذا  يفعل هذا الإله الذي لا يراه أو يسمعه أو يتحدث إليه؟ وهذا من أهم وأخطر نتائج  عدم غفران الوالدين لطفلهم.

 الأمر الثاني المترتب على هذا هو أن الطفل نفسه سوف يكرر نفس الفعل معهما ولن يغفر لهما وتصبح بداخله مرارة تجاه مواقف فسرها هو بعقله وخياله في غير صالح الأبوين. ولتجنب ذلك علينا أن نسامح الطفل على أي خطأ يفعله بعد اعتذاره عنه ولا نذكر أمامه هذا الأمر مرة أخرى، وعدم معاقبة الطفل على خطأ بعد مرور وقت وتذكيره به مثل ” فاكر ماذا فعلت بالأمس؟”. فطبيعة الطفل النسيان وخاصة فيما يتعلق بأخطائه.

3 ـ نشر أخطاء الطفل أمام الآخرين:

فمثل هذا الفعل يُعرى الطفل أمام الآخرين ويجعله يفقد الثقة في أبويه اللذان من المفروض أن يدافعان عنه، كما يجعله يشعر بعدم جدوى اعتذاره ويشعره بعدم الغفران. وتكرار مثل هذا الفعل يجعل الطفل يتبجح إذ أن صورته أمام الناس قد شوها أقربهم إلى نفسه، وقد يظن طفل أخر انه قد لفت انتباه الآخرين إليه فيتمادى في السلوك الخاطئ. ولتجنب ذلك ينبغي أن يعرف الأبوين معنى الغفران ويطبقانه مع الطفل. ( راجع البند السابق).

4 ـ التشجيع على نهج سلوك غير لائق أو مهذب:

فى بداية العام الثانى يبدأ الطفل فى تقليد من حوله وخلال نهجة هذا السلوك يكون مصدر سعادة لأبوية لسرعة استجبتة لما يراة محاولا تقليدة وقد يحدث فى بعض الأحيان ان يغرس سلوك غير لائق مثل:

أ) العض: يفرح الأبوين عند بداية ظهور أسنان للطفل فيشجعانه على العض بأسنانه الجديدة التي غالباً ما تكون مسببه آلم له فيستخدمها في عض مَنْ حوله مستمتعاً بذلك باعتبارها لعبه جديدة تعلمها ويرى سعادة مَنْ حوله بها. وبدون مبالغة ينتج عن هذا التصرف طفل عضاض لا ينجو من أسنانه كل من يعارضه في الرأي او حتى محاولة مشاركتة في ألعابه.

ب) مداعبة الطفل بإخراج اللسان له حتى يقلد مثل هذا الأمر ويعتاده ولا يترك أحد إلا واراه لسانه.

ج) كذلك تعليم الطفل البصق ” التف” على الآخرين والغريب أنهم يدعون كل مَـنْ يعرفهم ليجـرب الطفل فيهم لعبته الجديدة بـ ” التف على عمـو”.

وأمثلة أخـرى كثيرة مثل ” اضرب فـلان.. لا تسمع كلام بابا.. اشتم ماما.. الخ “.  والغريب نجد أن مَنْ يشجع على هذا السلوك هم الأهل سواء  كان الأبوين أو اخوة اكبر أو الجدود ثم نراهم  يغضبون إن نالهم من الطفل ما قد علموه أياه اليوم بعد أن يكبر بحجة انه كبر ولا ينبغى أن تصدر منه مثل هذه الأمور متناسين أن السلوك أو الطبع قد تأصل في نفسيه الطفل منذ صغره، وهذا يقودنا إلى البند القادم.

5 ـ تعدد السلطات في حياة الطفل:

لكل أسرة أسلوب أو طريقة في التربية تسعى من خلالها تنشئة طفل سوى. ولشدة حرص كل من الأب والأم على ذلك يسعى كل منهما لتطبيق ما يعرفه من أساليب التربية على الطفل وقد يختلفا. وهذا الخلاف وارد وصحي إذا كان يحدث نتيجة الخوف على مصلحة الطفل وليس تحقيقاً لذات أي من الطرفين على حساب الطرف الآخر، كما أنه يجب أن يكون هـذا الخلاف بدون علـم أو معرفة الطفل حيث لا يشتت بين الطرفين في محاولة منه لنيل رضاهما.  وقد يتحول الأمر إلى ما هو اخطر من ذلك حيث يستغل الطفل اختلاف الرأي  بين الأب و الأم ويحصل على اكبر قدر من المسموح به لدى كلا الطرفين لمصلحته الشخصية، فنجده منحاز مع الأب طالما هذا في مصلحته والعكس صحيح عندما تكون المصلحة مع الأم يكون في صفها.  ومن الأمور الهامة في موضوع تعدد السلطات تدخل الجدود بالتوجيه المباشر لابنائهم  في تربية أحفادهم أمام هؤلاء الأحفاد، الأمر الذي يستغلونه أيضاً للهروب من العقاب أو اخذ حرية اكثر مما يتعارض مع رأي أبويهم في هذا. ولتجنب ذلك يتفق الأبوين على طريقة واحدة وحيدة لتربية الطفل حيث انهما شريكان في هذه التربية. وعند حدوث أي اختلاف بينهما – وكما قلنا إن هذا وارد وصحي –  ينبغي أن يكون بعيداً عن الطفل بدون علمه. كما يجب أن يعلما أن مسئولية الجدود قد انتهت بتربيتهما هما، أما تربية أبنائهما فهي مسئوليتهما وحدهما  فلا يجب أن يتدخل الجدود في تربية الأحفاد حيث يحمل هذا التدخل كثير من التجاوزات التي يسمحون بها قد لا يكون الأب أو الأم تمتعوا بها أثناء تربيتهما وهم صغار من خلال آبائهم. وان كان يجب أن يوجه الجدود أي نقد للأباء يكون بعيدا عن الأطفال.

6 ـ مقارنة الطفل بالآخرين:

قد يكون المقارن معهم اخوة له أو أقارب، ويقارن معهم من حيث السلوك أو التفوق الدراسي. هذه المقارنة في الغالب لا تكون في صالح كلا الطرفين لأنه كما ذكرنا أن لكل فرد منا مواهب وقدرات تختلف من فرد لآخر تساعده على التفوق الدراسي.. أو الرياضي.. أو الفني.. الخ، أما فيما يختص بالسلوك فلكل فرد منا أخطائه وزلاته فلا يصح أن أقارن فرد بفرد حيث أن المقارن به الطفل ليس مثال كامل، فهو أيضاً له أخطائه التي يستطيع أن يميزها الطفل بسهوله ويشعر في هذه الحالة بتحيز الأبوين للشخص الذي قارنوه به أو أنهم يحبونه اكثر منه ويبدأ في الغيرة منه. وقد تتحول هذه الغيرة إلى حقد وكره دفين لا يعرف الطفل مصدره، ولكنه يعرف أنه يكرهه ويتمنى زواله من الأرض لأنة سبب عدم تمتعه بحب والديه له. ولنتجنب حدوث ذلك ينبغى عند توجيه الطفل عدم ذكر أي شخص مقارنه به بأي حال من الأحوال. أما في حالة الضرورة ولتشجيع الطفل على التفوق، يمكن مقارنته بينه  وبين نفسه بمعنى أشجعه على التفوق الدراسي مثلما هو متفوق رياضياً، أو يطيع اليوم مثلما كان مطيعاً بالأمس. وهكذا أستطيع أن امزج بين التشجيع والدفع لتحقيق نمو في قدرات كامنة لدى الطفل تحتاج لمثل هذا التشجيع .

7 ـ التخويف من الله:

 في محاولة لتقريب الطفل من الله، يقوم الأبوين بمتابعة سلوكه حيث يتابعون كل سلوك خطأ يقوم به بعبارات مثل ” ربنا يزعل منك..  عايز تغضب ربنا منك؟.. ربنا يوديك النار.. مصورين للطفل أن الله هو ذلك العملاق الضخم الممسك بدفتر مثل عسكري المرور الذي يقيد أخطائه منتظراً اكتمال عددها أو الوقت المناسب ليصب جام غضبه عليه ويحرقه في جحيمه الأبدي، متناسين أن الله محبة وهو رحيم ورِؤوف طويل الروح وكثير الرحمة.. صالح وطيب.. غافر الآثام ومعين الضعفاء.. كل هذه الصفات من النادر جداً أن يسمعها الطفل من أبويه عن الله. والحقيقة نحن نحتاج أن نجعل الطفل يحب الله كما أحبه هو ولا يخافه أو يخشاه فقط، فالمحبة هي التي تجعله يسعى إلى فعل مرضاة الله. ويجب أن نفرق بين الله المحب للبشر والله الكاره للخطية؛ فحب الله للبشر لا يتوقف على سلوكهم لأننا مهما فعلنا لا نستطيع أن نوفي محبته لنا. نحن نحتاج أن نقدم الله لأطفالنا بصورة مختلفة عن الصورة التي يقدمها العالم؛  فالعالم لم يختبر الله ولا محبته العظيمة التي ظهرت على الصليب. إن الله يحبنا اكثر من محبتنا نحن لأطفالنا ويحب أطفالنا اكثر من محبتنا نحن لهم. أحبائي أنتم مسئولون عن الحياة الروحية لأطفالكم، فمن خلال حياتكم وسلوككم تستطيعوا أن تغرسوا أصول الإيمان فيهم، تستطيعوا أن تغذوهم السلوك بالروح مثلما تغذوهم الطعام.

 في دراسة أجريت بهدف معرفة تأثير الأباء على أطفالهم من ناحية التعليم الروحي،  وُجد أن نسبة التأثير في حياة الأطفال الذين تولى آبائهم تعليمهم الروحي وصلت إلى 74 %  مقابل 47 % في حياة الأطفال الذين تولى آخرون تعليمهم، فالله الذي وهبنا نعمة الأبوة جعلنا مسئولون أمامه عن حياة أطفالنا الروحية بتقديمه لهم بصورة لائقة وغير مخيفة. إن جميع الأباء يفرحون عند ولادة أبنائهم ويقوموا بإقامة احتفالات خاصة بهذه المناسبة ولديهم الحق في هذا، لكن أليس بالأولى أن نفرح بولادتهم ثانية في الرب وبسلوكنا أمام أطفالنا كقدوة لهم نستطيع أن نربحهم بسهولة للحياة في الرب.

صلاة :

مستحق كل إكرام ومجد يا إلهنا من أجل حياة النصرة التي في ابنك يسوع المسيح.

فمن يقدر أن يشتكي على مختاريك المدعو عليهم اسمك القدوس..

نصلى يا ربنا أن تكمل كل عمل صالح في حياتنا فأنت مصدر كل صلاح وبر..

كما نصلي من أجـل أن  تقودنا وتـرشدنا لكي نكون ملح ونور للعالم وقدوة لكل مَنْ يرانا فيمجد اسمك القدوس. آمين