مبادئ تـربية الأطفـال ( 4 ) 

كيف تتعامل مع عناد الطفل ؟

 في بداية حياة الطفل  يكون معتمداً اعتماد كلي على والديه وبخاصة والدته ليحصل على مقومات الحياة لاستمرار عملية النمو التى بدأت منذ أن كان جنيناً، وبمرور الوقت تبدأ تظهر بعض ملامح  شخصية الطفل.  ومن أهم مظاهر ظهور شخصيته هو محاولته لمخالفة تعليمات والديه أو ما يسمى بالعناد، وهذا ما سوف نحاول طرحه بصورة تساعد الوالدين على التعامل مع عناد طفلهم.

 تبدأ تلك المرحلة في نهاية السنة الثانية، وأحيانا في منتصفها وتستمر طوال السنة الثالثة. ويطلق بعض علماء النفس على هذه الفترة ” مرحلة الضد ” حيث يحاول الطفل أن يثبت نفسه من خلال معارضته لرغبات والديه لمجرد المعارضة فهو لا يعرف ماذا يريد، لكنه يعرف تماماً ما لا يريده، وهو عدم الخضوع لرغبات والديه. ويرى بعض الأخصائيين أن الطفل يبدأ في استخدام كلمة ” لا ” ما بين الشهر الثامن عشر والشهر الحادي والعشرين من عمره. في هذه المرحلة العمرية يحاول الطفل أن تكون له خصوصية خاصة به بعيداً عن أمه التي كان خاضعاً لإرادتها فيما سبق. ويلجأ بعض الأطفال لهذا الأسلوب لإثبات أنه يفعل ما يريده هو لا ما يريده أبويه منه، والبعض الأخر يحاول أن يظهر ما تعلمه من مهارات وإمكانيات جديدة تعلمها. ومن الأمور الهامة جداً أن يدرك الأباء أن الطفل الذي أكد حريته من خلال عناده وتسيير أرادته الشخصية على أبويه يطالب بعطفهم أكثر من ذي قبل حيث أنه يشعر بعدم الأمان والعزلة حيث أنه سلك مسلك غير معتاد عليه من قبل.

تعريف العناد : هو سلوك يسلكه الطفل رغبة منه في مخالفة أوامر الوالدين وتعليماتهم تأكيداً لذاته. ومن الأشياء المثيرة للدهشة أن الطفل الذي يمر بهذه المرحلة السنية يعتقد في داخله أن والديه هم العنيدون معه وليس هو، ومن المفيد لبعض الأباء أن يفكروا بمنطق الطفل إذا أرادوا أن يفهموا سلوكه.

أنواع العناد : ينقسم العناد إلى قسمين:

   1.    عناد إيجابي : وهو عناد مباشر يواجه الطفل فيه إرادة أبويه إما بصورة صريحة في شكل ثورة غضب أو ألفاظ أو مناقشة جدلية مملة، أو في صورة غير صريحة مثل القيام بتنفيذ ما يأمر به بطريقة مخربه تبدو في الظاهر أنها غير مقصودة مثل سكب طعامه في حاله الضغط عليه لإتمام آكله.

   2.    عناد سلبي :  وهو يأخذ شكل الهروب من تنفيذ الأوامر والتعليمات وذلك يكون في صورة تناسي أو تهاون في طريقة القيام بالمهام المكلف بها.

والذي يجب أن يعرفه الأباء أن كل طفل عنيد إلى حد معين، لأن من طبيعة الطفل أن يختبر البيئة المحيطة به لكي يعرف مداه وحدوده، وهذه الحدود لا يعرفها الطفل بمفرده. فمن مهام الأبوين وضع هذه الحدود وتعريف الطفل بها حتى لا يتخطاها، وفي حالة محاولة الطفل تخطي أي من هذه الحدود، ووجد تراخي من والديه أو رضوخ لعناده، سوف يبدأ في انتهاج سلوك فرض ما يريده حيث أنه قد قام بوضع  حدود لأبويه يزيد من مساحتها في مرة يحقق فيها أرادته عليهم.

إيجابيات العناد : بالرغم من عناد الأطفال من الأشياء المزعجة إلا أن هذا العناد له بعض الإيجابيات مثل:

   1.    تأكيد على نمو شخصية الطفل ومحاولة استقلاله بعيداً عن الوالدين حيث يحاول أن يجعل لنفسه خصوصية التي تجعل من المخالفة وسيلة من وسائل إظهارها.

   2.    العناد محاولة من الطفل لإثبات قدراته على الأشياء والأشخاص المحيطين به حيث يحتاج الطفل نفسياً أن يشعر بأنه يتمتع بقدر من المقدرة لتتكون لديه ثقة بنفسه لاكتساب إرادة وشجاعة يواجه بها تحديات الحياة فيما بعد.

أسباب العناد : قـد يكون عناد الطفل عبارة عـن رسالة يرسلها لمن حوله تعـبر عـن حالة معينة يمر بها من الممكن أن تكون :

   1.    تعب جسماني : يتفق أطباء الأطفال أن الحالة المزاجية غير المضبوطة للطفل قد تكون عرضاً من أعراض إصابته بأحد الأمراض، فيراعى قياس درجة حرارة الطفل عند ملاحظة تغير في طباعه أو عاداته أو معدل نشاطه من حيث الزيادة أو النقص.

   2.    تعب نفسي : يلجأ الطفل للعناد كمحاولة لجذب انتباه الوالدين لحالة الضيق النفسي التي يمر بها نتيجة لاضطراب يمر به قد يكون سببه أحد الأسباب التالية التي نوردها على سبيل المثال لا الحصر:

     §     الإحساس بعدم الأهمية :  ويكون هذا في الغالب ناتج عن عدم تمضية الأهل وقت مع الطفل في اللعب أو مشاركته اهتماماته التي تكون في مستوى عمره والتي قد يراها الأبوين غير هامة، أو يظنوا أن الطفل لا يلحظ انشغالهم عنه وانه يكفيه ما يوفرونه له من احتياجات مادية.

     §     إحساسه بأنه غير محبوب أو غير مرغوب فيه : في أغلب الأحوال يتولد لدى الطفل ( وخاصة في الخمس سنوات الأولى) مثل هذا الشعور عند الاستعداد لاستقبال طفل آخر وخاصة إن كان هو أكبر أخوته، ومثل هذه الحالات تحتاج لتهيئة الطفل واعداده نفسياً لتقبل غياب أمه وانشغالها عنه للعناية بالطفل الصغير الذي يكون موضع غيرة الأخ الأكبر لاخذه مكانته الأولى التي كان يحتلها بدون منازع.

     §     شعور الطفل بالكبت وتضييق الخناق عليه : قد يظن الأهل أن من العناية الفائقة بالطفل عدم تكليفه بالقيام بأي أعمال بمفرده حتى لا يتعرض للخطر فيتكلف الأب والأم بعمل كافة الأعمال التي من المفترض أن يقوم بها وتشجيعه عليها، ويقابل كثيراً بعبارات مثل ” لا.. لا تلمس.. لا تقترب لا تفعل ”  كل هذا بدون إبداء أسباب مقبولة من وجهة نظره فيبدأ في الاعتراض ويحاول أن يفعل ما يريد بغض النظر عما يقوله أبويه. إذاً دعونا نترك للطفل مساحة من الحرية للقيام بأعمال تنمي مهاراته وتزيد من ثقته بنفسه مثل الأكل بمفرده، غسل يديه ووجهه، تنظيف أسنانه، اختيار ملابسه، اختيار ألعابه، بهذه الطريقة يشعر الطفل أنه توجد مساحة يتحرك فيها بحريته يشبع بها حاجته في الاختيار و قدراته التي اكتسبها

كيفية التعامل مع العناد : العناد كأي مشكلة لها طرفان؛ الأب والأم في طرف والطفل في الطرف الأخر، وبالتالي هناك رأيان. ويعتقد الأباء أن حل هذه المشكلة يكمن في انصياع طفلهم لما يأمرانه به، لكن الواقع أن لهما دور هما أيضاً في حل هذه المشكلة، فدور الأباء لا يقتصر فقط على الإنفاق على الطفل أو معاقبته على أخطاءه، فدور الأب والأم أكبر من هذا بكثير حيث أنه من الهام جداً فهم شخصية الطفل والتعرف على رغباته وطلباته ونقاط الضعف في شخصيته حيث يقوما بتشجيعه وتحفيزه على اكتساب المهارات و القدرات المختلفة التي سوف يحتاج إليها في المستقبل، ومن خلال هذا سوف يفهما ماذا يعني بكلمة ” لا ” وهل تعني نعم أم تعني أنه لا يريد شيئاً. وقد اتفق علماء التربية أن التربية الفعالة هي أفضل طريقة للتعامل مع العند ومنعه وتعتمد هذه الطريقة على البنود التالية:

     1.    تجنب استخدام كلمة ” لا ” بكثرة فيمكن استخدام أسلوب للنفي دون اللجوء لهذه الكلمة. على سبيل المثال عند لعب الطفل بطريقة غير مناسبة يمكنك أن نقول له ” توقف عن هذه اللعبة لأنها..”  ونوضح له سبب طلبنا هذا منه وذلك حتى لا يشعر بأننا نقمعه.

     2.    تجنب استخدام الأسئلة التي أجابتها ” نعم ” أو ” لا ” وتوجيه السؤال بصيغة أخرى، فيفضل عدم السؤال بهذه الطريقة “هل تحب أن تشرب عصير؟”،  لكن يمكننا أن نسأل بهذه الطريقة “ما نوع العصير الذي تشربه؟”.

     3.    الثبات على المبدأ عند التعامل مع الطفل؛ فالمسموح به اليوم من غير المقبول أن نمنعه غداً والعكس صحيح. فمن المربك والمحير أن ما نمنعه اليوم نسمح به غدا. ويحتاج الأبوين أن يتفقا سوياً على ما هو مسموح وما هو غير مسموح به، وماذا يفعلان إذا تعدى الطفل حدوده الموضوعة له. فمن غير المقبول أن ما يسمح به الأب ترفضه الأم والعكس صحيح، كذلك لا يسمحا الأبوين بشيء اليوم ثم يعاقبانه على الفعل نفسه في اليوم التالي.

     4.    الهدوء و الحسم، احتفظ بهدوئك مع طفلك مهما فعل لأنه حينما تفقد أعصابك معه سوف تتصرف بطريقة قد تندم عليها فيما بعد أو على الأقل قد ترضخ لما يريده تخلصاً من الموقف الذي تسبب في عصبيتك. والهدوء لا يمنع الحسم والحزم فما ترفضه لا تقبله تحت الإلحاح أو الزن والبكاء.

     5.    وضع روتين معين في حياة الطفل سيقلل من المواقف التي يحدث فيها خلاف، وسيساعد الطفل على معرفة ما هو متوقع منه؛  فتحديد ميعاد للطعام  والاستحمام و النوم سيقلل من الجدل الذي قد يحدث يومياً ويستنفذ كثير من الوقت والمجهود.

مازال هناك وقت : قد يظن البعض أن ما طرحناه هنا متأخر بالنسبة لطفله ولكن هذا غير صحيح، فما تطمح أن تحققه في حياة طفلك تستطيع أن تحصل علية إذا تعاملت معه بطريقة صحيحة. وأفضل طريقة للتعامل مع الطفل الذي يصر على فعل شيء ترى أنه غير مناسب تتضمن ثلاث خطوات:

 

     1.    توضح لطفلك بهدوء وحسم أنه يجب أن يتوقف عن ذلك السلوك وأنك لا تريده أن يكرر مثل هذا الفعل مرة أخرى، مع توضيح أسباب رفضك لهذا الفعل.

      2.    إذا لم يتوقف عن فعله هذا، ذكره أنك طلبت منه عدم تكرار مثل هذا الفعل وقول له انه سوف يعاقب

     3.   يجب أن يعرف الطفل انك تعني ما تقول، فإذا استمر في فعل ما أمرته بالتوقف عنه يجب أن يعاقب كما حذرته. والعقاب المناسب هو حرمان الطفل من شيء يحبه مثل عدم الخروج للفسحة أو مشاهدة الفيديو، لكن ليس من المناسب أبداً ضرب الطفل أو وصفة بكلمات سلبية تؤثر على نفسيته.

والخلاصة:  نقول أنه من الطبيعي أن يحدث تضارب في الرأي بينك وبين طفلك، وأن الطريقة المثلى للتعامل مع عناده أن تتصف بالهدوء والحسم والثبات.