المرأة والاغتصاب 1- اغتصاب جسدي

المرأة والاغتصاب

1- اغتصاب جسدي

كثيراً ما سمعنا عن اغتصاب الرجل للمرأة في مجتمعاتنا، الأمر الذي يزداد بمعدل ضخم ونسمع عنه يتكرر يومياً بين صفحات الجرائد والمجالات، بل وقد نلمسه في الواقع العملي مع بعض الشخصيات التي تلتقي بها في المجتمع. وكلما سمعنا عن هذا الأمر، كلما شعرنا بمزيج من المشاعر المختلطة من اشمئزاز.. وشفقة.. وإدانة .. وغضب.. أو اتهام للمعتدي أو المعتدي عليها… الخ.

ولكوني أعمل في المشورة الروحية بين الفتيات والنساء، فكثيراً ما تقابلت مع أناس كثيرين  يحكون بمرارة عن مواقف صعبة تعرضن فيها للاغتصاب من الجنس الآخر. وللأسف، فإني أجد أن كثير من الفتيات المغتصبات قد تعرضن للاغتصاب وهن في سن مبكر من العمر، وفي كثير من الأحيان يتعرضن للاغتصاب من أقرب الناس إليهن (كالأب أو الأخ أو صديق الوالد أو المدرس ) وكثيراً ما تقابلت مع فتيات تعرضن للاغتصاب منذ الطفولة لأكثر من مرة من ذات الشخص في البيت أو في المدرسة، فنرى الأب الذي يقوم باغتصاب ابنته لمرات عندما تُتاح لـه الفرصة ليكون معها على انفراد بالبيت.. والأخ وهو يغتصب أخته التي تنام معه في ذات الحجرة.. والشاب الذي يغتصب الفتاة الصغيرة التي تخدم أسرته.. والعائلة التي تسكن مع عائلة أخرى في ذات البيت بسبب الفقر ويستخدمون دورة مياة واحدة. ويالهول القصة المفزعة التي سمعتها وحدثت بالفعل عن فتاة كانت تعيش مع جدتها في البيت وكان يخدمهما خادم متقدم بالسن. وعندما ماتت الجدة بين يديّ هذه الفتاة، لم يكن أحد معها بالمنزل سوى هذا الخادم، وإذ بها تُفاجىء بأنه يغتصبها وجدتها ميتة على الفراش!!

قد تقرأهذه الأمثلة في ثوانٍ قليلة، ولكن هل تعلم أن ماتقرأه في ثوانٍ يكون لـه أثر عميق يمتد لسنوات طويلة في حياة مَنٍ اختبروا هذه المآسي، وقد يمتد إلى مدى الحياة ما لم يحدث شفاء مباشر من الرب يسوع؟. إن ما تقرأه في ثوانٍ يسرده لي البعض بعناء شديد وبكاء في ساعات، ليس بسبب طول القصة ولكن لكونهن غير قادرات على سرد الأحداث بسهولة مما سببته لهن من جراح عميقة. فما أصعب عليهن أن يخرجن ما بداخلهن بسبب المرارة الكامنة في الأعماق والتي تولدت منذ حدوث هذا الأمر، أو بسبب الخجل من الحدث ذاته، أو بسبب الخوف المسيطر في الأعماق..

وما هي النتيجة ؟؟

يالنتائج هذا الأمر البشع الذي يسبب في تحطيم نفسية الفتيات والشابات فيعشن طوال الحياة تحت وطأة الاحساس باللوم، غير قادرات أن يغفرن لأنفسهن ماحدث من ذل وإهانة.. يشعرن بالمرارة وأن جسدهن ما هو إلا سلعة للاستخدام السيئ .. غير قادرات للدفاع عن أنفسهن إذ يشعرن بأنهن غير مستحقات حتى يظهر هذا في أحلامهن إذ يحلمن بأنهن يعاقبن أنفسهن ويتلذذن بهذا العقاب كنوع من التكفير عن النفس، ونرى البعض الآخر تغسلن أيديهن بالماء كثيراًكنوع من الاحساس بالتلوث والرغبة في التطهير. بل والأكثر من ذلك نراهن يمتلئن بالكراهيه نحو الرجال، ولا يشعرن بالأمان في التعامل معهم أو التحدث اليهم. وعندما يكبرن ويصلن إلى سن الزواج، يخفن من الزواج ومن التواجد منفردات بالرجال، ويظنون أن العلاقة الجنسية في الزواج كالاغتصاب الذي تعرضن اليه من قبل مما يسبب الكثير من المشاكل الزوجية فيما بعد، ولاسيما لو كان الزوج ليس على دراية بالأمر أو غير قادر على احتواء مشاعر زوجته المجروحة. وفي بعض الأحيان تدفع هذه الأحداث أصحابها إلى الاستسلام في بئر الزنا والعلاقات الجنسية المستترة؛ فبعد هذا الحدث قد يصبح التنازل سهلاً ولكنه يكون مُحطماً ومُذلاً في ذات الوقت.

قصة مشابهة

وفي العهد القديم نرى قصة مشابهة.. قصة أمنون الذي اغتصب أخته ثامار (2صم1:13-22) تلك الفتاة الشابة والعذراء الجميلة ابنة الملك داود التي كانت تحيا في الفرح، وتلبس الثوب الملون، وتمتلك كل شيء من عبيد وديار وأموال. وإذ العدو يسيطر على مشاعر وذهن أمنون بالاحتياج الشديد للحب الزائف وممارسة الجنس رغم أن لديه كل مايُشبعه في الحياة كابن للملك. وهاهو يستشير يوناداب صاحبه الذي كان حكيماً في الشر، وعرض عليه خطته في أن يضطجع على سريره ويتمارض، وإذ يأتي إليه أبوه ليراه يقول لـه أنه يريد ثامار تأتي إليه وتطعمه خبزاً فيأكل من يدها. وهاهو الملك الأب يصدق هذه الكذبة.. لم يصدق قط أن الشيطان قد ملأ قلب ابنه وأنه يتآمر في الخفاء لإيذاء مشاعر أخته النقية. فهذا هو مايقوله الكتاب المقدس عن الشرير وعن ارتكاب الخطية “يجلس في مكمن الديار في المختفيات يقتل البريء. عيناه تراقبان المسكين. يكمن في المختفي كالأسد في عريسه. يكمن ليخطف المسكين. يخطف المسكين بجذبه في شبكته” (مز8:10-9). نعم هذا ما كان يفعله أمنون إذ كان يدبر في الخفاء ليخطف ثامار أخته من عذراويتها وكرامتها وفرحها ليجذبها في شبكة الذل والهوان والقهر.

وهاهي ثامار تدخل بكل براءة إلى أخيها وقد أخذت الكعك التي عملته وأتت بها إلى مخدع أمنون بعد أن أخرج الكل خارجاً، ولم تكن تعلم أنه يخدعها. فوجئت به بأنه يغتصبها. نعم إغتصبها.. اغتصبت من أقرب الناس إليها.. من أخيها أمنون. كانت تصرخ بشدة قائلة لـه “لا ياأخي لاتذلني لأنه لايفعل هكذا في اسرائيل. لاتعمل هذه القباحة. أما أنا فأين أذهب بعاري وأما أنت فتكون كواحد من السفهاء في اسرائيل” (عددي 12-13). وفي هذه الآيات نجد أنها حاولت أن تمنعه بكل الطرق، فقد:

  • حاولت أن تستخدم لغة المودة لتذكره بأنه أخ لها وهي أخت لـه ولايصح لـه أن يفعل هذا الأمر، ولكنها لم تنجح.

  • حاولت أن تستخدم الحق الكتابي ومكانتهما الروحية كأولاد لداود الملك، وأنهما يجب أن يسلكا بالحق حسب الشريعة الكتابية “لأنه لايُفعل هكذا في اسرائيل” مستندة على الشريعة والآيات الكتابية الواردة في سفر اللاويين التي تعلماه إياه في بيتهما “عورة أختك بنت أبيك أو بنت أمك المولودة في البيت أو المولودة خارجاً لاتكشف عورتها” (لا 9:18) وأيضاً “وإذا أخذ رجل أخته بنت أبيه أو بنت أمه ورأى عورتها ورأت هي عورته فذلك عار. يُقطعان أمام أعين بني شعبهما…” (لا 17:20).ولكن مع كل هذا لم تنجح.

  • حاولت أن توضح له الأذى الذي سيلحق بها بعد هذا الفعل المشين “أما أنا فأين أذهب بعاري”.

  • وأخيراً حاولت أن توضح لـه الأذى الذي سيلحق به هو شخصياً عندما يعرف الناس عن مافعل وأنه سيكون كواحد من السفهاء ( الأغبياء) في اسرائيل.

ولكن للأسف باءت كل هذه المحاولات بالفشل، ولم يستطع صراخها أن يوقفه عن شهوته، ولم يشأ أن يسمع لصوتها بل تمكن منها وقهرها واضطجع معها كما يضطجع الحيوان مع فريسته!! وإذ بكل المقاييس تنقلب. فبعدما كان أمنون يتمارض ويتظاهر بالمرض، أصبح مريضاً بالفعل.. مريضاً بمرض الكراهية. يقول الكتاب ” ثم أبغضها أمنون (في الحال) بغضة شديدة جداًحتى أن البغضة التي أبغضها إياها كانت أشد من المحبة التي أحبها إياها”. والأكثر من ذلك قام بطردها من مخدعه. ولما لم تشأ، دعا غلامه الذي كان يخدمها بطردها للخارج واغلاق الباب خلفها!! وتحولت ثامار الأميرة إلى شيء لاقيمة لـه يطردها خادم!!

ولكن تُرى ما هو شعور ثامار في ذلك الموقف؟ بالتأكيد شعرت بالذل والإهانة.. شعرت بالقهر والوحدة.. أقامت مستوحشة أي وحيدة ومهجورة.. مزقت الثوب الملون الذي عليها (رمز الفرح) ووضعت يدها على رأسها وكانت تذهب صارخة.

نعم.. لقد وصف الكتاب المقدس هذه المشاعر بالتدقيق لأن الله هو الشخص الوحيد الذي يفهم جيداً مشاعر الإنسان ومايمر به من إيذاءات، ولاسيما مشاعر الإيذاءات التي تتعرض لها المرأة نتيجة الاغتصاب. قد لايفهم الرجل هذه الأحاسيس ولا يفهم أبعاد كلمة “لاتذلني” التي قالتها ثامار.. وقد لا تفهم فتاة لم تتعرض للاغتصاب معنى هذه الكلمات أيضاً. ولكنني أؤكد لكِ أن يسوع هو الشخص الوحيد الذي يشعر بكل موقف تمرين به لأنه مكتوب “أنت عرفت جلوسي وقيامي فهمت فكري من بعيد” (مزمور 2:139). ومكتوب أيضاً “لأنه في ما هو قد تألم مُجرباً يقدر أن يعين المجربين”(عب18:2). نعم على الصليب اختبر يسوع كل مشاعر الألم والعناء وكل انواع الأحزان؛ فعلى الصليب اغتصبت حريته.. وسُلبت كرامته.. وأحصيّ مع الأثمة.. واختبر الذل والاهانة.. وتعرض للضرب والجلد وهو البار بلا خطية.. وكل هذا لكي يشفيكِ من كل آثار للإيذاءات والجراح.

ولهذا إن كنت قد تعرضتِ لمواقف إيذاء مثل هذه منذ الطفولة وكلما تتذكرينها تشعرين بجرح عميق مصاحب لعدم الغفران ومشاعر كراهية للآخر أو للأخرين، فإني أؤكد لكِ أن الرب يعلم كل شيء.. يعلم ما تعرضتِ لـه من جراح وذكريات وآلام. نعم كان يعلم مشاعر ثامار ويعلم مشاعرك أنتِ أيضاً. إنه لا يعلم فقط بل هو الشخص الوحيد الذي يستطيع أن يعالج ويشفي أيضاً. فكما يغفر الخطايا فهو يشفي الأعماق أيضاً.

قولي لـه ” يارب اشفي ذاكرتي واشفي أعماقي من مواقف الإيذاء والإهانة التي تعرضت لها.. إني أقبل غفرانك لي بسبب الصليب وأقبل غفراني لنفسي.. إني أطلق غفراناً للشخص الذي أساء اليّ حتى وإن كان هذا صعباً ولم أصلي هكذا من قبل، ولكن أشكرك لأنك تعطيني القوة لأطلق الغفران للآخروعندئذٍ أختبر شفاءك الكامل لنفسي ولأعماقي. لن أعيش بجراحي لأن ذلك ليس في مشيئتك.. نعم أن مشيئتك هي أن أشفى تماماً وأن أتعامل مع الجنس الآخر بطهارة”.

وإذا كنت شاباً أو رجلاً قد اغتصبت طفلة أو فتاة أو أمراة من قبل، وتقرأ هذه المقالة بالصدفة، أدعوك أن تأخذ وقفة جادة في حياتك وتفكر معي للحظات ماذا انتفع أمنون بعد أن أشبع رغبته وسيطرت عليه شهوته؟ هل تعلم بماذا انتفع؟ صار بالفعل كأحد السفهاء في اسرائيل.. فَقَدَ تقدير أبوه لـه.. فَقَدَ ثقة أخوه أبشالوم به.. وكانت النتيجة أنه مات دون أخوته.

تُرى محبة أمنون التي كانت مسيطرة عليه؟ وكيف تحولت مشاعر الحب الجنونية هذه إلى مشاعر بُغضه وكراهية لإنسانة لم تؤذيه؟ لابد وأنها كانت مشاعر مزيفة سيطر عليها إبليس.. ولابد أنه كره ثامار لأنه كره نفسه أولاً لما فعل، وكان تحت وطأة الضمير المعذب فلم يرد أن يرى ثامار التي كانت تمثل لـه عذاب الضمير، فطردها ظناً منه أن ذلك سيريحه. ولكني أقول لك أن لاشيء يمكن أن يُطفي النار المُتقدة في الضمير سوى لمسات الرب يسوع التي هي البلسم على كل جراح.

وأريد أن أسألك سؤال أخير؛ هل الحب يعني الامتلاك وعدم الاكتراث؟ ولماذا لم يهتم أمنون بثامار ويسألها عن ما سيحدث لها؟ بالفعل الخطية تؤدي ألى خطية أخرى.. وهاهي سلسلة الخطايا لاتنتهي ولاتتوقف.

ولكن بإمكانك أن تتوقف الآن وتُدرك مدى الإيذاء الذي تكون قد سببته لأحد خلائق الله السامية وهي المرأة. تعالى إلى الرب الآن بكل قلبك واطلب غفرانه لك “الذي يغفر جميع ذنوبك” (مز2:103) وثق أنه يمحي كل آثامك وينسى كل ماضيك ويحررك من الشعور بالذنب. واطلب أيضاً من الرب أن يمد يده بالشفاء ويسكب زيت نعمته على جراح هذه النفس- التي سببت لها الأذى- لكي يشفيها.