المرأة والاغتصاب 2- اغتصاب نفسي

المرأة والاغتصاب

2- اغتصاب نفسي

كما تحدثنا في المقال السابق عن الاغتصاب الجسدي، كان من الهام أن نلقي ضوءً على نوع آخر من الاغتصاب في غاية الأهمية. فإن كنا نسمع عن اغتصاب الجسد، فإن هناك نوع آخر من الاغتصاب يُسمى  إن جاز التعبير – باغتصاب النفس. فإن كانت بعض الفتيات قد تعرضن للاغتصاب مرة أو مرتين في الحياة وشعرن بكل تلك المرارة التي قد تحدثنا عنها في المقالة السابقة، إلا أن معظم الفتيات والنساء  وبخاصة في مجتمعنا الشرقي يتعرضن يومياً إلى اغتصاب نفسي سواء من الرجل أو المجتمع أو التقاليد أو الآراء القديمة المتوارثة باعتبارها كائناً أقل قيمة وقدرة وبالتالي اعطاءها مكانة وأدوار أقل. وفي بعض المجتمعات يرون أن قيمتها لاتتعدى  مجرد جسد فقط وبالتالي هي مصدر للشر والشهوة فيجب ضبطه وكبته. وفي بعض الأحيان يكون الاغتصاب من امرأة أخرى كالجدة أو الوالدة التي عاشت وكبرت وسط هذه المفاهيم، فتظن أن أفضل شيء هو التعامل مع الابنة بذات الإسلوب حتى وإن كانت غير مقتنعة في قرارة نفسها.. ولكن في النهاية هذا هو المجتمع وهذه هي التقاليد.

إن للمرأة إمكانات طبيعية ونفسية وروحية وضعها فيها الله ذاته. ولكن هذه الإمكانات لاتخرج  ولن تخرج إلا إذا انفتحت لها الأبواب وأتيحت لها الفرصة للتعبير عن هذه الإمكانات المكتومة. إن هذه الإمكانات لن تخرج إلا إذا سمعت الفتاة أو المرأة  أو الإنسان عامة  كلمات تشجيع تعطيها ثقة بنفسها.. كلمات تشعرها أو تجعلها تشعر إنها مرغوب فيها وإنها قادرة على العطاء.

ولكن للأسف، إن الكثير من الفتيات والنساء لا يعشن حياة سوية لأنهن لا يعرفن قدر أنفسهن كما ينبغي. وعندما أقول حياة “غير سوية” فأنا أعني حياة مليئة بالوطاءات والجبال (إش 4:40) أي نفسية غير مشفية تعاني من صراعات.. صغر نفس.. شعور باللاقيمة.. شعور بالعجز والمذلة.. ففي جلسات المشورة الفردية، أجد كَمْ هائل من المنحنيات والنتوءات والتركيبات النفسية المعقدة في حياة الفتيات والنساء. وكل هذا بسبب الاغتصاب النفسي والظروف التي فرضت على الفتاة.. والنتيجة المحتومة هي الكبت والاحباط وصغر النفس.

والاغتصاب النفسي هو إيذاء نفسية الإنسان. ولأننا نتحدث عن المرأة هنا فيمكننا أن نقول أن الاغتصاب النفسي هو إيذاء نفسية المرأة، وكثيراً مايكون هذا الإيذاء في صورة حرمان المرأة من التعبير عن نفسها ووضعها داخل إطار محدود مما يعوقها نفسياً وروحياً من التأثير وإخراج كل الإمكانات الموهوبة لها من الله، مما يجعلها تعيش في شعور دائم باللاقيمة، وبالتالي تعيش كل حياتها تشعر بعدم الاكتفاء بما هي عليه فتبقى في صراع بين ما هو حقيقي داخلها وبين القيود المفروضة عليها بسبب الاغتصاب.

لو عاشت المرأة في مجتمع لا يقدرها، تعيش هي نفسها لاتُقدر معنى حياتها. فهل تعلم أنك تغتصب المرأة بل وتسلبها حقوقها إن لم تضعها في مكانتها الصحيحة التي وضعها فيها الله؟ لأن الله عندما خلق آدم وحواء رأى كل ما عمله فإذا هو حسن جداً.

وللاغتصاب النفسي صوره وطرقه العديدة. ولكنني انشغلت – من خلال هذا المقال – أن أركز عن أحد أنواع الاغتصاب وهو اغتصاب اللسان.

الاغتصاب باللسان

إن اللسان هو أحد المجالات أو الأدوات الهامة التي يمكن أن يتم الاغتصاب من خلالها. فالكلام الذي يتفوه به اللسان يكون له تأثير فعال على المستمع سواء إيجابياً أم سلبياً لأنه مكتوب “الموت والحياة في يد اللسان..”  أم 21:18  فبيدك أن تميت حياة الآخر أو تحيه.. بيدك أن تجلب الحياة لأختك أوزوجتك أو ابنتك أو حتى لأمك، النفوس اللواتي ربما لم تسمع كلمات حياة أو تشجيع منذ نعومة أظافرهن.

هل تعلم أنك حتى حينما تهذر بكلماتك فإنك بمنتهى البساطة تتسبب في إيذاء نفسية الآخر؟! أريدك أن تفتح معي سفر الأمثال 18:12 وتقرأ الآية التي تقول ” يوجد من يهذر مثل طعن السيف. أما لسان الحكماء فشفاء”. ألا تتذكر أنت نفسك موقف مررت به في حياتك وكان هناك من يستهزئون بك، وترك هذا الموقف آثاراً سلبية داخلك ؟؟ إن كنت مررت بموقف مثل هذا، فكر في المرأة التي دائماً تتعرض لمثل هذه المواقف في الحياة اليومية.

نعم يوجد من يهذر. وفي إحدى الترجمات يقول ” يوجد من يتفوه بكلمات غبية جاهلة” To Talk Foolishly فالهذار الذي يستهين به البعض هي كلمات غبية في نظر الرب. قد تقول إني أهذر ولكن كلمة الله تؤكد لك أن كلمات الهذار مثل طعن السيف، وهذا ينطبق على المرأة أيضاً. فإن تفوهت ضد المرأة لاتقل إني أهذر لأن هذه الكلمات تكون كالسيف الذي يطعن ويتسبب في تكوين القيود التي من أشهرها صغر النفس.

نعم إن مجتمعنا ملآن برجال لا يؤمنون بالمرأة لأنهم هم أنفسهم ضحية أفكار مجتمع تربوا فيه.. فمثلاً أخ يقول لأخته ” إنك غير نافعة لأنك فتاة”. وزوج يغضب من زوجته جداً لأنها أنجبت له طفلة وكان يتمنى أن يكون المولود ذكراً. وعندما ينجب ولداً لاتساعه الدنيا من الفرحة ويفرق في المعاملة بين الولد والبنت، فتنشأ تلك الطفلة وفي داخلها شعور بأنها غير مرغوب فيها لمجرد كونها فتاة. ورجلاً يقود سيارة فيرى خطأ من سيارة أمامه ويلتفت وإذ هي سيدة فيضحك مستهزئاً ويقول ” بالطبع إنها سيدة.. هن دائماً هكذا”.

وللأسف يمتد هذا التأثير من المجتمع إلى الكنيسة أيضاً حيث لا اعتراف بخدمة المرأة لكونها امرأة. وسلسة من المفاهيم تتوالى وتتكرر يوماً بعد يوم وجيلاً بعد جيل. وكلما مرّ الوقت، كلما شعرت المرأة أنها لا شيء، وكلما فقدت إيمانها بالتأثير. وأكثر من ذلك أنها لاتعيش فكر الرب بل لا تحقق مشيئته في حياتها بسبب عدم اقتناعها الداخلي بأنها قوة مؤثرة كزوجة وكأم وكخادمة رغم أن الكتاب المقدس يقول “لأننا نحن (رجالاً ونساءً) عمله مخلوقين في المسيح يسوع لأعمال صالحة قد سبق الله فأعدها لكي نسلك فيها” أف 10:2

أريد أن أكمل معكَ باقي الآية التي ابتدأناها ” يوجد من يهذر مثل طعن السيف. أما لسان الحكماء فشفاء”. فكما أن الهذار له تأثير سلبي، فلسان الحكماء له تأثير إيجابي. لسان الحكماء شفاء.. لسان الحكماء يحمل نقاوة ووداعة.. لسان الحكماء لا يجرح بل يريح.. لسان الحكماء يوجه ويشجع.. لسان الحكماء شفاء أي إصلاح Rafa “رافا” بالغة العبرية؛ فلسان الحكماء يُصلح ما قد أنكسر.. لسان الحكماء دواء وشفاء.

 أريدك أن تقارن هذه الآية بالآية الواردة في سفر الأمثال أيضاً “الكلام الحسن شهد عسل حلو للنفس وشفاء للعظام” أم 24:16 فالكلمات التي تحمل حباً هي هي كلمات محبوبة وحلوة لنفس السامع تجلب قوة وشفاء للعظام. قد تكون امرأتك منحنية النفس ولكن عظامها لن تشفى إلا إذا استمعت إلى كلمات الحب وكلمات التشجيع. وإن كنت قد ضقت ذرعاً من أن نفسية زوجتك محطمة ولا تستطيع التعامل معها وأن هناك فارق ضخم بين طريقة تفكيرك وتفكيرها، ودائماً تفكر بطريقة أفضل منها، أؤكد لك أنك لن تكتشف إمكاناتها النفسية أو الروحية إلا بعد أن تعطيها ثقة بنفسها لأنه مكتوب “بها يثق قلب زوجها..” أم 11:31 فقط أعطها ثقة وتشجيع وستفاجئ بالنتائج.

ولكن قبل أن تفعل ذلك، أدعوك أن تجلس وحدك بعض الوقت. وإن احتاج الأمر اجلس طويلاً في محضر الرب إلى أن يختلف فكرك عن المرأة ممثلة في شخص أمك أو أختك أو زوجتك أو أي شخصية أخرى. قل له

 

يارب حررني من آثار الأجيال القديمة ومن آثار المجتمع..

أريد أن أرى حواء وهي جزء مني.. عظمة من عظمي ولحم من لحمي.

إني أتوب عن كل مرة سلبت فيها حق المرأة.. أتوب عن كل مرة خرجت من فمي كلمات هذار تسببت في إيذاء الآخرين..

يارب غيّر فكري وجدد ذهني.. افتح الكتاب أمامي ودعني ألهج وأعرف فكرك عن خليقتك المكتملة في حواء..

يارب أنر ذهني..

فأتعامل مع أختي في الكنيسة كشريكة معي في الخدمة..

وأتعامل مع زوجتي كجزء مني.

وأتعامل مع أمي كأنها موضوعة لي من الرب للاهتمام بي.

وأتعامل مع ابنتي كمن يراها ويعدها لتكون شخصية مؤثرة في المستقبل.

كما أريد أن أقول لكل فتاة وسيدة وأرملة أن لكِ دوراً وعملاً مؤثراً فلا تتأثرين بأفكار ضد الحق بل افتحي إنجيلك بجرأة لتعرفي كل ما لكِ في الرب. قولي لتأثيرات المجتمع السلبية والأحداث والكلمات السلبية ” لا تعوقوني والرب قد أنجح طريقي..” تك 56:24. تمسكيِ بما لكِ في الرب وثقي أن مشيئة الرب لكِ أن تكوني في الارتفاع وليس في الانحطاط (تث 13:28). لاتستسلمي لصغر النفس. وإن كان الرب قد وضع داخلك أموراً روحية تمسكي بها “..لأن الذي وعد هو أمين” عب 23:10 تذكري دائماً كلمات بولس الرسول إلى تيموثاوس الذي كثيراً ما تعرض لكلمات مفشله من الآخرين حتى أن بولس قال له ” لا يستهن أحد بحداثتك” 1تي12:4. تقول إحدى الترجمات ” توقف أن تسمح لأحد يُشعرك بأنك قليل القيمة”. نعم كان تيموثاوس رجلاً ومؤمناً وخادماً، ولكنه كثيراً ما كان يتعرض لمواقف تجعله يشعر بأنه قليل القيمة. وكان بولس يعلم أن هذه ليست مشيئة الرب بل مشيئته أن يشعر أنه قوي لذا كتب له كلمات تشجيع تحثه على أن يكون قائد ناجح، ويُخرج كل طاقات داخله ولا يستمع إلى الكلمات التي تطعنه.

أدعوكِ أن تفدمي صلاة قصيرة إلى الرب ولكن بإيمان وقوللي له:

 

يارب اعطني إيماناً قوياً داخلي بقيمتي في الحياة..

أريد أن أقبل نفسي وأقبل وجودي في هذه الحياة..

حررني من كل تأثيرات لصغر النفس داخلي..

واجعلني أعيش حياة سوية كي أنطلق دائماً للأمام..

ودعني لاأصدق أية كلمات تقال عني بل أصدق حقك الذي يحررني..

آمين