عام قد مضى.. فماذا أنجزت؟

كيف ننهي عاماً ونستقبل عاماً جديداً

(2)  عام قد مضى.. فماذا أنجزت؟

بعد أن ظلت أسوار أورشليم منهدمة مائة وخمسون عاماً.. ورغم كثرة الإعاقات والصعوبات وتحديات الأعداء، نجح نحميا في بناء الأسوار في اثنين وخمسين يوماً فقط حتى عرف الجميع أن العمل كان من عند الرب. يقول الكتاب “وكمل السور.. في اثنين وخمسين يوماً. ولما سمع كل أعدائنا.. سقطوا كثيراً في أعين أنفسهم وعلموا أنه من قبل إلهنا عُمل هذا العمل” نح 6: 15-16.

كان لنحميا حلماً لإعادة بناء أسوار أورشليم المنهدمة ووثق في إله النجاح.. لم يُضع الوقت ولم ينتظر تغيير الظروف بل آمن بإلهه وتحرك بمعونة الرب وتعضيده له.. صلى صلاة الإيمان فأنفتحت له كوي السماء، وفاضت عليه كل الإمكانات. عضده ملك فارس وتجاوب شعب الأرض معه.. وتحركت إرادتهم.. وكمل العمل وتحقق الإنجاز؛ فالرب كان معهم.

أخي أؤكد لك أن قصد الرب لحياتك هو النجاح وتحقيق الإنجازات. إنه يريد أن يملأ حياتك بفرح خاص ينبُع من إختبارك له كإله النجاح الذي يُحقق أهدافك وأحلامك ويملأ حياتك بإنجازات حقيقية لمجده.

واليوم إذ تقترب من نهاية عام، أذكرك أن “العام” هو وحدة الزمن التي تُقاس بها الحياة؛ فحياة كل إنسان طالت أم قصرت تُحسب بعدد محدود من السنوات. فمع نهاية عام، اعلم أن واحدة من وحدات الزمن المعدودة التي تُـكَون حياتك على الأرض قد أنتهت وعبرت.. فتُرى ماذا فعلت بها وكيف استخدمتها؟!. فمع مرور عام على وشَك الإنتهاء، وأنت تستقبل عاماً جديداً، أريدك أن تجلس منفرداً في هدوء، وتفكر في أحداث عام قد أنقضى، وتراجع ما حققته من أهداف وإنجازات في هذا العام. هل تعلم لماذا؟ لأنه يجب أن نُحسن التعامل مع حياتك ونقضيها في تحقيق إنجازات أبدية ونجاحات حقيقية حتى لا تُفقَد.

أعطى عبيده وزنات:

في مثل الوزنات أوضح لنا الرب يسوع أفكار قلبه وأعلن لنا عن أسرار ملكوته. وتستطيع أن نجد في هذا المثل مبادئ ثمينة عن أهمية مراجعة أحداث عام مضى لترى هل حققت الإنجازات التي كنت تحلم بها أم لا. لذا دعني أذكرك أولاً ببعض النقاط الهامة الثمينة:

¨   أحب السيد عبيده وأعطاهم أمواله وممتلكاته الثمينة؛ فالوزنة الواحدة كانت تزن أكثر من 30 كيلو من الذهب أو الفضة أو النحاس. بالطبع لم يكن أحد من عبيده يمتلكها أو ربحها أو حتى يستحقها، ولكن السيد أعطاهم ممتلكاته الخاصة كعطايا محبته ونعمته.

¨   وثق السيد في عبيده ولهذا سلمهم أمواله. وكلمة “سلمهم” في الأصل تعني “استأمنهم ووكلهم”. نعم كان يثق بهم مستعداً أن يستأمنهم ويحملهم مسئولية أمواله.

¨   أعطى كلٍ على قدر طاقته؛ فكان مُحباً لهم متفهماً لطبائعهم وشخصياتهم وإمكانياتهم، فلم يضع ثقلاً على أحد ولم

يُطالبهم أكثر من قدراتهم. لم يُميز بينهم أو يُبخس أحدهم بل كان يعلم قدراتهم الشخصية في الوقت الحالي.

¨   وسيعود السيد يسأل عن أمواله وممتلكاته ليسترد وديعته ويُحاسب عبيده هل كانوا أمناء أم لا وأين هي نتائج ما

تاجروا به.

¨   في الحال ذهب الأول والثاني ليتاجرا بوزناتهما بكل حماس، فربحا الكثير وأتما مشيئة السيد لهما. ففرح بهما

وكافئهما، وأعطاهما إمكانات ومسئوليات أكثر ليستأمنهما عليها.

¨   لكن ثالثهما إمتلأ بأفكار خاطئة عن سيده وخاف منه. وبدلاً من أن يُتاجر بوزنته الثمينة ويربح، ذهب وخبأها

وطمرها في الأرض مُضيعاً الفرصة المعطاه له. لم يتاجر ولم يربح فلم يجد أية مكافأت. وبالطبع لم يستطيع سيده أن يستأمنه على المزيد في المستقبل.

عاماً قد مضى.. فماذا أنجزت:

صديقي الحبيب.. أنت أعظم بكثير من هؤلاء العبيد لأنك ابن ولست عبداً. ولكن كما استأمن السيد عبيده، ها هو بكل تأكيد يستأمنك أنت على وزناته وعطاياه الثمينة ويريد أن يعمل فيك بروحه لتُتاجر وتربح. إن العام المنقضي ذاته هو عطية ووزنة من الرب لك لتحسن استخدامه وتتاجر به وفيه لمجد الرب لكي تربح. لقد أعطاك هذا العام كفرصة للمتاجره والربح ليُكافئك أكثر ويستأمنك على بركات أكثر.

وفي قصد الرب مع نهاية كل عام، أن تأتي إليه وتقول له “..العمل الذي أعطيتني لأعمل قد أكملته” يو17: 4. في قصده أن تنظر إلى الوراء وترى إنجازات عاماً قد مضى وقد حققت فيه الكثير والكثير في كل جوانب حياتك الروحية والعملية والمادية.. عاماً قد عشت فيه للرب مختبراً إله النجاح متحدياً الصعوبات بالإيمان، وبالصلوات المقتدرة رأيت الجبال تُزال من أمامك أو كان لك القوة لتسير فوقها.. كنت خاضعاً له ولمشيئته وخاضعاً ليده تنقيك وتغير في حياتك وشخصيتك وتطور من قدراتك وإمكاناتك.

لهذا أدعوك الآن لوقفة صادقة مع نفسك، وقتاً هادئاً للتأمل والتفكير.. وقفة لا تجلس فيها بمفردك فقط بل تجلس مع الرب وفي حضوره.. وقتاً ثميناً تُعطي فرصة لروح الله أن يلمس قلبك وأفكارك ويُراجع معك أحداث عام قد أوشك على الإنتهاء؛ فماذا كان لك من أهداف وأحلام؟ وماذا تحقق منها وما لم يتحقق؟ ولماذا؟ وكيف عشت هذا العام وفيما أنفقته؟!.

كيف تراجع (تُقّيم) إنجازات العام.. وكيف تضع أهدافاً لعام جديد؟

¨          السؤال الأول، هل كان لك أهداف وطموحات وإدراك بتكليف الرب لك خلال العام الماضي؟ مؤكد كان للرب أشواق تجاه حياتك، فهل كنت مُدركاً هذه الأهداف وقضيت أيامك تحيا لها؟ إن الكثيرين يعيشون سنوات حياتهم بلا إنجازات لأنهم كانوا بلا أهداف أو أحلام.. فماذا عنك أنت؟.

¨         ولا يكفي أن يكون لك أهدافاً بل يجب أن تكون تلك الأهداف واقعية حقيقية تناسب واقعك وخطة الله لك لهذه المرحلة. فعندما وزع السيد وزناته أعطى كلٍ حسب قدرته وطاقته، فإذا كان قد أعطى صاحب الوزنتين خمس وزنات لأرتبك وانزعج وفشل. ولهذا فالبعض يعانون من الفشل والحزن لأن أهدافهم غير واقعية أوحقيقية. من الهام أن تكون لك أهدافاً ولكن الأهم أن تكون أهدافك واقعية تُناسب المرحلة التي أنت فيها وتناسب نموك الروحي والإمكانيات المتاحة لك في هذه المرحلة. فهناك أهدافاً لهذا العام وأهدافاً أخرى أعظم في السنوات القادمة.

¨         كما يجب ان تكون هذه الأهداف حسب مشيئة الرب لك أنت وليس تقليداً للآخرين أو تشبهاً بهم. كان الرسول بولس يقيس نفسه فقط حسب ما قسمه الله له وليس ما قسمه للآخرين (2 كو10: 13-15) بينما فشل الكثير من المؤمنين في تحقيق إنجازات حقيقية لأنهم أرادوا تحقيق ما حققه الآخرون أو التشبه بهم في صفاتهم أو إمكانياتهم وخدماتهم، وكانت النتيجة أنهم إصطدموا بالفشل ودخلوا في صراعات وفاتهم أن يُحققوا ما كان يجب أن يحققوه حسب قصد الله في حياتهم الشخصية.. فقدوا أعظم إمتياز وهو أن للرب قصد خاص في حياتهم الشخصية وحسب إمكاناتهم.

¨        والسؤال التالي، هل إنشغلت بهذه الأهداف أم إنشغلت عنها؟ مَنْ أخذ الخمس وزنات تحرك في الحال ليُتاجر بها، أما صاحب الوزنة الواحدة فقد خبأها وتركها. فماذا فعلت أنت؟ هل خُدعت في العام الماضي بصراعات أو مخاوف؟ وهل تعطلت عن أن تستخدم هذا العام لمجد الرب في حياتك؟

¨        والسؤال الأخير هنا، هل أتممت وأنجزت ما قد نويت وابتدأت.. أم استسلمت للإعاقات والمعطلات؟. قال الرسول بولس لكنيسة كولوسي هذه العبارة الثمينة “وقولوا لأرخبس أنظر إلى الخدمة التي قبلتها في الرب لكي تُتممها” كو 17:4. لقد أعطاك الرب عاماً وقد أوشك على الإنتهاء، وكان له مقاصد لحياتك خلال هذا العام، فهل أتممت مشيئته؟ وهل أنجزت خطته وتكليفه لك؟. فكما كان وعد الرب لزربابل أن يديه قد وضعتا أساس البيت ويداه ستتممانه (زك 4: 9)، هكذا وعده لك أنت أيضاً أن تتمم مشيئتة بنعمته.

أتركها هذه السنة ايضاً

في هذا المثل (لو13: 6-9) تحدث الرب يسوع عن شجرة غير مثمرة ولكنها لم تقطع لأن الكرام دافع عنها ووعد أن يعطيها فرصة أخرى لعلها تتجاوب مع عنايته ورعايته لها في عام آخر جديد لتعود إلى الإثمار.

صديقي أنت أيضاً غصن مثمر في كرمة الحياة يسوع.. ومحبة الرب لك مجانية غير مشروطة لاتتوقف على إنجازاتك أو ما حققت في حياتك. فهو الذي يدافع عنك.. يشفع فيك.. يستر عيوبك وتقصيراتك.. لايدعك تشعر بالرفض أو الذنب بسبب عجزك عن تحقيق مشيئة الرب في حياتك.

إن محبة الرب لك محبة أبوية مشجعة تدفعك للنجاح وتحقيق الأهداف.. إنه كالأب الذي يعرف شخصية أولاده وقدراتهم وفي قلبه أحلاماً أن يراهم يوماً بعد يوم يكبرون أمام عينيه ويزدادون عاماً بعد الأخر وهم يحققون أهدافاً ويحلمون بأخرى قادمة. لهذا هو يريد أن يعتني بك وينقيك ويغذيك ويشفيك من كل ما يُعطل الإثمار وتحقيق الإنجازات. فإذا وجدت حياتك في العلم الماضي لم تحقق ما كنت تحلم به، تعال إليه واعترف له بكل شيء ولماذا فشلت.. ثق في محبته وادعوه أن يحيطك بحضوره ولمسات يديه مستخدماً العام الجديد كفرصة جديدة ليتحول فشلك إلى نجاح وعجزك إلى قوة وإثمار.

أبي السماوي.. أشكرك لأجل محبتك التي تستر عيوبي وكل تقصيراتي..

أشكرك لأجل محبتك التي تشجعني وتدفعني للأمام لكي يزداد ثمري وتتحقق أحلامي..

تعامل معي الآن بيديك الرقيقة لتنقيني وتحررني وتشفيني.. فتمتلأ حياتي بالثمر من جديد..

أشكرك لأجل ما تحقق في عامٍ مضى حتى ولو كان قليلاً..

أدعوك أن تملأ عامي القادم بالمزيد..

اعطني أحلاماً وأهدافاً.. اعطني أن أنشغل بها وأحيا لها..

وبمسحة النجاح من عندك تعوضني عن كل أيام ضاعت لأكمل العمل..

أمين