سنوات حياتي… لك وفي يدك

سنوات حياتي… لك وفي يدك

إخوتي الأحباء.. مع نهاية كل عام نقف معاً- عبر هذا الخطاب- بين طيات سنوات حياتنا التي إنتهت والسنوات القادمة لنتأمل في فكر إلهنا عن أعوام عبرت وأعوام أخرى تأتي.. وكيف ننتقل مع إلهنا من مجدٍ إلى مجدٍ في عام جديد يبدأ.

وقبل أي شيء أريد أن أؤكد لكل مَنْ يقرأ هذه الكلمات أنك أنت شخص هام وثمين وأنك محبوب من الرب بطريقة شخصية. إن الرب يحبك بلا حدود.. يعرفك باسمك ويهتم بك جداً.. من أجلك أخلى من المجد نفسه وصار انساناً مثلك.. ولأجلك مات ليفديك من أوحال الخطية ليضمن لك حياة أبدية. لا تصدق أبداً انه قد نسيك، ولا تظن أبداً أنه لا يهتم بك أو أنك مجرد شخص تائه وسط عالم كبير ليس فيه منَْ يهتم بك. كلا.. فالرب يحبك بل ويريدك أن تحيا حياة عظيمة رائعة مختبراً كل يوم أمجاد الحياة معه، وتراه يصنع بك ومعك عظائم وعجائب.. فقط ثق في محبته.

هللويا للرب.. ياله من إمتياز عظيم يا أحبائي أن نحيا مع الرب وحسب مشيئته لإنه حينئذٍ يكون كل ما في حياتنا مختلف عن الذين حولنا الذين لا يتمتعون بهذا الإمتياز. إن السنين في حياة المؤمنين الحقيقيين الذين يعيشون مع المسيح تختلف عن هؤلاء الذين لم يختبروا خلاص الرب ومحبته؛ إنها أعوام في يد الرب ولمجده.. أعوام ثمينة غالية تمتلئ بالقيمة العظيمة من يد إلهنا. لهذا قل للرب بفرح “هليلويا أنا مميز وسنوات حياتي في يدك”. لذا تعال نتأمل معاً ماذا يعني لنا عاماً قد مضى في حياتنا وكيف ننظر إلى الجديد.

عام قد مضى يحكي عن أمانة الله:

ترنم داود النبي عن إختباره لأمانة الله فقال “أيضاً كنت فتى وقد شخت ولم أر صديقاً تخلى عنه ولا ذرية له تلتمس خبزاً” مز25:37. لقد عبرت به سنوات كثيرة، وكانت هذه السنوات تخبره عن أمانة الله معه.. وكيف كان يرعاه بعنايته ومحبته فلم يعوزه شيء، وكيف إمتدت أمانة الله إلى نسله وذريته لتشبعهم وتسدد إحتياجاتهم، وكيف كان الله أميناً مع كل مؤمن حقيقي حتى لم يتخل أبداً عن احد أبناءه.

نعم إن كل عام يمضي في حياتنا هو شهادة عن إله أمين كان معنا طوال العام.. يحفظنا ويحمينا، يسير بوجهه أمامنا ليقودنا، يحملنا على أجنحة النسور ويوصي ملائكته بنا لئلا نُصدم بحجر أرجلنا. اقرأ معي الكلمات العذبة التي رددها أيضاً داود المرنم الحلو قائلاً “كللت السنة بجودك وآثارك تقطر دسماً” مز11:65. نعم يملأ إلهك أعوام حياتك بآثار يده. إن يده المُحبة التي جُرحت لأجلك هي التي إمتدت لتعتني بك.. هي التي خبأتك عندما جاء الذئب ليؤذيك، وهي التي أنقذتك من فم الأسد والدب.. إنها اليد الحانية التي إمتدت إليك في لياليك الحزينة ليطمئنك ويطرد الخوف من قلبك. لقد حوَّل خطط العدو إلى صالحك وجعل كل الأشياء تعمل معاً لخيرك.. هي اليد التي أمسكت بك في وقت ضعفك لتنقذك وترفعك وترد لك فرحك وإنتصارك.. نعم هي اليد التي قادت أيامك في العام الماضي، بقدر ما سمحت له، ليجعلك تسير في مشيئته وطرقه…

هيا يا صديقي انظر إلى عامك المنتهي وافرح وسبح إلهك الذي سار معك طوال العام. انظر بعينين لم يخدعهما العدو.. ولتفرح وتغني لإلهك الذي كلل العام المنقضي بجوده ومحبته.

عام مضى جعل أحلامك تقترب:

“وكان إبرهيم ابن مئة سنة حين وُلد له إسحق ابنه” تك5:21. خرج إبراهيم منذ سنوات طويلة من أور الكلدانيين يتبع الرب، وقد باركه الرب كثيراً فكان غنياً وعظيماً في كل شيء.. وقبل كل شيء كان صديقاً لله الذي يتشارك معه ويخبره بأفكار قلبه.. ولكن، وعداً خاصاً وثميناً جداً عند إبراهيم لم يكن قد تحقق بعد! كان وعد الرب له أن يعطيه نسلاً كرمل البحر في الكثرة، وفي هذا النسل ستتبارك جميع قبائل الأرض، إلا أن توقيت هذا الوعد لم يأتِ بعد، وظل إبراهيم ينتظره ويحلم به طوال السنوات الماضية. وحينما جاء وقت الله، ورغم أن الأوضاع كانت تبدو مستحيلة فإبراهيم صار ابن مئة عام وقد صار عقيماً وساره ابنة تسعين عام وهي من البدء عاقر، تحقق الوعد وُولد من سارة ابناً لإبراهيم.

أحبائي.. إن كلمة الله تخبرنا عن إرادة الله الصالحة الكاملة لحياتنا.. إنه يعرف أنسب الأوقات والأزمنة.. يعرف الأوقات المناسبة لكل خطوات حياتك. لهذا يقول “لكل شيء زمان ولكل أمرٍ تحت السنوات وقت” كما يقول أيضاً “صنع الكل حسناً في وقته..” جا 3: 11،1. لهذا صديقي إن كنت تنتظر وعوداً خاصة من الله لحياتك، اعلن إيمانك وثقتك في توقيتات الله.. واعلن إيمانك أن كل عام يمضي يُقربك من تحقيق الأحلام و الوعود التي لم تتحقق بعد. افرح وسبح الرب معلناً أنه قد إقترب وقت تحقيق الوعود.

هل تعلم أن الرب يسوع لم يبدأ خدمته إلا وهو في الثلاثين من عمره، وفي ثلاثة أعوام فقط حقق كل دعوته وتمم مشيئة الآب؟ وهكذا موسى بدأ خدمته في سن الثمانين بعد أن قضى 40 عاماً في البرية، وربما نسى الدعوة والوعد هناك ولكن السيد لم ينسى ولم يتأخر. وفي اللحظة المناسبة أطلقه الرب ليحيا أعظم 40 سنة في حياته. فالسنوات الثمانين الماضية لم تكن إلا إعداداً وانتظاراً لأربعين سنة من المجد والاستخدام فاق كل الحدود.

لذا، هيا افرح وسبح ولا تخف من إنتظار وقت الله.. تشدد وليتشجع قلبك فالوعود قد إقتربت، وإعلن بثقة أنها “ستأتي إتياناً ولا تتأخر” حب3:2. واعلم، أنه مع نهاية العام قد صارت أحلامك أقرب إليك من كل ما مضى وقد إقترب أكثر وأكثر وقت تحقيقها.

عاماً لم يضيع.. فقد عشته للرب:

في حياة الإنسان الطبيعي، عندما ينتهي عاماً، فهذا يعني أن جزءً من حياته قد مضى وانتهى. أما في حياة المؤمنين الحقيقيين، فالسنوات التي تنتهي لم تضيع، بل سنوات ثمينة أنفقها لمجد الرب وفي تحقيق مشيئته. لهذا قال الرب يسوع “مَنْ وجد حياته يضيعها ومَنْ أضاع حياته من أجلي يجدها” مت39:10. فالمؤمن الذي عاش حسب قلب الرب وفي مشيئته يعلم أنه كان يستخدم حياته ليكنز كنزاً لا ينفذ في السماء وهناك كان قلبه (لو33:12، 34). إن أيامه على الأرض كان لها نتائج أبدية لأنه كان يحيا لمجد الرب..

وهنا يجب أن أسألك، كيف أنفقت العام الماضي؟ هل كنت تحيا للرب محققاً مشيئته ومقاصده؟ هل كنت مشغولاً ومهتماً بما كان يشغل قلب الرب؟ هل كنت محصوراً في أموره؟ أم عشت خارج المشيئة صانعاً أحلامك ومحققاً طموحاتك بعيداً عن مقاصد الرب؟

في نهاية عام وبداية آخر، أدعوك أن تهدأ قليلاً لتصلي وتفكر كيف عشت هذا العام المنتهي وكيف ستعيش أعوامك القادمة. هل كان عاماً ضائعاً؟ أم كان عاماً للإستثمار الأبدي لملكوت الله والأمور الأبدية؟ وهل ستحيا السنوات القادمة حسب خطتك الشخصيةوضغوط العالم حولك؟ أم ستحياها بل وتضيعها لأجل الرب ولأجل إنجيله وتعلم أنك بالتأكيد ستجدها!!

عام قد مضى فاقتربت النهاية وتلألأت الأبدية:

قال الرسول بطرس”وإنما نهاية كل شيء قد اقتربت. فتعقلوا واصحوا للصلوات.”1بط 7:4. وقال الرسول بولس “فأقول هذا أيها الإخوة الوقت منذ الآن مقصر..” 1كو29:7. هكذا كان مؤمني الكنيسة الأولى يفكرون ويحيون.. كانوا يحيون منذ ألفي عام وكأنمجيء الرب على الأبواب. فهكذا أوصاهم الرب “فكونوا أنتم مستعدين لأنه في ساعة لا تظنون يأتي ابن الإنسان” لو40:12. كان هذا شعار حياتهم فعاشوا أيامهم في نهضة حقيقية، كانت حياتهم مشتعلة وحارة لمجد الرب، مستعدين ويقظين منتظرين مجيء ابن الإنسان. استمع لما قاله أيضاً الرسول بطرس “منتظرين وطالبين سرعة مجيء الرب…” 2بط12:3.

يالها من نهضة ستحدث في حياتنا عندما نرى سنوات عمرنا في ضوء هذا الإعلان! يالها من نهضة ستحدث في كنائسنا عندما نحيا هذه الحقيقة من جديد بقوة الروح القدس! إن مجيء الرب سريعاً والأبدية تقترب…كيف لا نسمح بالسنوات التي تعبر بنا أن تنسينا هذه الحقيقة أو تشغلنا عنها؟! إن قصد الرب هو أن تحيا كنيسته ساهرة يقظة مستعدة متفكرة دائماً أن مجيئه قريب على الأبواب. ولا تقل “سيدي يبطئ قدومه…” لو12 :45،  فتحيا باردة يلهيها العالم الحاضر عن الانشغال بالأبدية.

صديقي.. عام قد مضى من حياتك وصارت الأبدية أكثر قرباً منا جميعاً. صديقي.. عاماً قد مضى وصارت نهاية حياتك أكثر قرباً،فهل تشغلك الأبدية؟ حتماً سيضرب البوق بعد قليل وسنسمع صوت رئيس ملائكة ونرى الرب آتياً على السحاب في مجده وجلاله وحينئذٍ سنكون معه في كل حين ونقضي الأبدية كلها في حضوره قائلين “مع المسيح. ذاك أفضل جداً” في23:1 فنستريح من أتعابنا ونجلس معه في عرشه.

ولكن أيضاً يا أحبائي سنقف أمام كرسي مجده لنعطي حساب وكالتنا (رو10:14-12) ونرى هل سهرنا وتاجرنا بوزناتنا.. أم أرهقنا العالم الحاضر بمسئولياته وإهتماماته فأنسانا الأبدية ومكافأتها. صديقي.. إن الرب يريدك في ذلك اليوم أن يكون لك ثقة في مجيئة (1يو28:2) وتقول “.. أكملت السعي.. أخيراً وُضع لي إكليل البر…” 2تي6:4-8 وتسمع صوته معلناً لك “نعماً أيها العبد الصالح والأمين. كنت أميناً في القليل فأقيمك على الكثير. ادخل إلى فرح سيدك” مت21:25.

صديقي.. هنا أيضاً يجب أن أسألك عن كيف تفكر؟ وأي نوع من الحياة تحياها على الأرض؟ وأي شيء ينتظرك في الأبدية؟

أحبائي.. إنني أدعو كل مَنْ لم يختبر المسيح المخلص ولا يضمن أن له حياة أبدية، أن تأتي الآن إلى مَنْ مات لأجلك وتسلمه كل حياتك وتُخضع له قلبك ليكون ملكاً عليه من اليوم وإلى الأبد.. هيا اغتسل من خطاياك بدم يسوع، ودعه يعطيك حياته عوضاً عن موتك ويضمن لك حياتك الأبدية..

الرب معك وإلى عام جديد مجيد معه..