عطاء الحب

العطاء في الكتاب المقدس

سبتمبر ‏2003‏‏

7– عطـاء الحــب

” وفيما هو في بيت عنيا في بيت سمعان الأبرص وهو متكئ جاءت امرأة معها قارورة طيب ناردين خالص كثير الثمن. فكسرت القارورة وسكبته على رأسه. وكان قوم مغتاظين في أنفسهم فقالوا لماذا كان تلف الطيب هذا. لأنه كان يمكن أن يُباع هذا بأكثر من ثلثمئة دينار ويُعطى للفقراء. وكانوا يؤنبونها. أما يسوع فقال اتركوها. لماذا تزعجونها. قد عملت بي عملاً حسناً… عملت ما عندها.. ”  مر 1:14- 8

1- عطاء بلا حدود

ما أثمن الكلمات التي كتبها الوحي عن تلك المرأة، مريم أخت مرثا ولعازر، التي أحبت الرب كثيراً. أحبته بكل ما تمتلك من مشاعر ووجدان وكيان. أحبته بطريقة تختلف عن الكثير من حولها؛ ففي الخارج كانت الأجواء مليئة بالحقد والخيانة إذ كانوا يدبرون كيف يقتلوا يسوع، وحتى في أضيق دائرة حول الرب، وهي دائرة التلاميذ، لم يستطيعوا استيعاب وفهم هذا النوع العجيب من الحب.. أحبته وقت أن كان كلٍ منهم يبحث عن نفسه وذاته. إنه حب صادق آثار غيظ مَنْ حولها.

لاحظ معي أيضاً أن محبتها للرب لم تتوقف عند حدود الكلمات الرنانة ولم تقل له سأعطيك كل ما امتلك.. لم تعده بأنها ستهب له أغلى ما لديها، لكن سرعان ما نراها تقدم له بالفعل أغلى ما تملك. إنها قارورة طيب باهظة الثمن يُساوي ثمنها أجرة عامل في سنة بأكملها! إنه عطر ال” ناردين”  ذلك العطر الفريد من نوعه الذي كان يستورد من جبال الهمالايا بالهند، ويستخدم خصيصاً لدهن الموتى!. نعم لم يكن دهن الضيوف في وليمة بالأمر الغريب، ولكن استعمال مثل هذا الدهن غالي الثمن كان أمراً غير مألوف مما آثار رأي الجميع ووصفهم لهذا الفعل بالتلف والتبذير. لقد قدمت هذه المرأة أحد صور العطاء الذي بلا حدود. لم يكن عطاؤها مثل الآخرين بل كان عطاء الحب الذي لم يحسب التكلفة.

 

2- الدافع هو الحب

تُرى ما الذي دفع بتلك المرأة على تقديم أغلى ما لديها؟ ما الذي جعلها تكسر القارورة  في لحظة ربما كانت تحتفظ بها لسنوات؟ ما الذي جعلها مثار سخرية الآخرين؟ وما هو المقابل الذي كانت ستحصل عليه إذاء هذا؟ ولماذا قدمت دون أن تحسب؟!.

والمفتاح الهام لإجابة كل هذه التساؤلات يكمن في حب مريم للرب يسوع. فرغم أن الكتاب لم يذكر لنا تعبير الحب عن مريم، إلا أنك تستطيع أن تتذكر معي القصة التي وردت في لو 36:7-50  حيث نجد امرأة أخرى اقتحمت العشاء وجلست عند قدمي يسوع مما آثار غيظ الآخرين أيضاً، وكانت في وضع يشبه كثيراً ما كانت تفعله مريم كما بكت أيضاً وبللت قدميه بدموعها. لماذا؟ لأنها كانت خاطئة واختبرت محبة الرب لها وغفرانه لخطاياها. كانت في حرارة الاختبار بعدما غفر لها يسوع خطاياها الكثيرة ففاض قلبها بالحب الكثير. لذا من الهام إدراك إن اختبارنا لمحبة الرب يُشعل قلبنا بالحب له، وعندئذٍ نقدم له كل شيء.. كل الحياة.. وكل ما نملك.

 

3-  علاقة خاصة

كان هذا الحب واضحاً في حياة مريم وعلاقتها بالرب يسوع، فهي لم تعط من أموالها فقط بل أعطت نفسها للرب أولاً وتعلقت به واحتمت فيه حتى أننا نجدها تستغل كل الفرص المواتية للجلوس عند أقدامه والاستماع  لكلماته. نعم كانت تحبه وكانت تستمع لكلماته الحية تخترق قلبها وحواسها فتصنع تغييراً جذرياً في الحياة. كانت تعلم كيف تختبئ من زحام الناس وانزعاج الحياة تحت ظل مَنْ أحبته، فقد كانت أقدام يسوع هي الملاذ الوحيد لها في شتى ظروف الحياة.

  • ففي لو 38:10- 42  نجدها تجلس عند أقدام يسوع تستمع لكلماته بشغف وهي تتعلم أسمي الدروس التي لابد وان تكون قد حُفرت في أعماقها على مر الأيام، والتي ربما كانت لها أعظم الصدى في تقديم أغلى ما تمتلك ببساطة دون حسبان.

  • وفي يو17: 11- 37  في قصة موت لعازر أخيها، عندما علمت من مرثا أن المعلم قد حضر وهو يدعوها، ففي الحال قامت عاجلاً ، ولما أتت إلى حيث كان يسوع ورأته خرت عند قدميه، ذاك الموضع الذي اعتادت أن تجلس عنده. لكنها هنا لم تجلس للإصغاء إلى كلماته فحسب  بل لتجد إنقاذاً وسط أزمات وضغوط الحياة.

  • لهذا ففي  مر 1:14- 8  نجد قمة الحب والتكريس لشخص الرب. إنه ليس حب المشاعر والعواطف الجياشة.. ليس حب الكلمات فحسب، بل حباً حقيقياً نما وتقوى مع الأيام. إنه حب يعرف أن يُعطي ولا يعرف أن يحسب.

 

4- مقارنة

كان يسوع في بيت سمعان الملقب بالأبرص الذي غالباً ما كان مصاب بالبرص وشفاه يسوع يوماً ما وإلا ما كان يستطيع أن يدعو يسوع والآخرين إلى بيته. كما كانت هناك مريم التي كانت تحب يسوع .. ومرثا أختها.. ولعازر الذي أقامه يسوع من الأموات.. وآخرين من ضمنهم يهوذا الأسخريوطي (يو4:12- 6) ، ولكننا نجد الكتاب المقدس يركز على موقف مريم وتقديم أغلى ما تمتلك من طيب ناردين خالص الثمن ودهنت قدمي يسوع ومسحت قدميه بشعرها مقارنة بيهوذا الذي كان يظهر بمظهر الخادم الذي يحب الخدمة والنفوس الفقيرة، ولكنه في الواقع كانت له دوافع دفينة مختبئة. يقول عنه الكتاب ” قال واحد من تلاميذه وهو يهوذا سمعان الأسخريوطي المزمع أن يسلمه لماذا لم يُبع هذا الطيب بثلثمئة دينار ويُعط للفقراء. قال هذا ليس لأنه كان يبالي بالفقراء بل لأنه كان سارقاً وكان الصندوق عنده وكان يحمل ما يُلقى فيه” . كان يأخذ قسطاً من الأموال التي كانت توضع في الصندوق لحسابه الخاص وكسبه المادي، فماذا لو وضعت هذه المرأة ذلك الكَمْ من النقود في الصندوق؟ حتماً سيستفيد بجزء منه وربما يستفيد من عشورهم!

كان يهوذا واحد من الذين يؤنبونها وينتقدونها رغم التصاقه بالسيد وسماعه كل تعاليمه عن البذل والعطاء والتضحية، وكأن هذه التعاليم لم تدخل في أعماقه أو زرعت في قلبه. وهذا ما يحدث مع كثيرين عندما يستمعون إلى تعاليم دون أن يسمحوا للكلمة أن تعمل في داخلهم لتغييرهم. وهذا ما كان يُحذر منه الرب يسوع عندما كان يجلس مع تلاميذه – وكان يهوذا بينهم – موضحاً لهم الفرق بين المزروع على الطريق والمزروع على الأرض الجيدة ( متى19:13- 23).

دعونا نشكر الرب معاً لأجل كل ما يعطينا إيانا من تعليم نقي. ودعونا نتعلم كيف نجلس عند أقدامه..  فنتعلم منه ونغمر بالحب له.. فنعطي بسخاء بكل ما نمتلك من وقت وطاقة وإمكانات قليلة كانت أم كثيرة.

 

أبي السماوي أعطني أن أحبك من كل قلبي .. فأقدم لك حباً نقياً فائضاًً..

دعني لا أتأثر بكلمات الآخرين ولا أعطي بالشح..

دعني لا أقدم بالمنطق بل أقدم بالحب ..

فتفوح رائحة الناردين وتؤثر في كل مَنْ حولي..

فيكون مدحي منك أنت وليس من الآخرين..