كنيسة فائضة

العطاء في الكتاب المقدس

مايو 2003

مرة أخرى يقودنا الروح القدس لدراسة أحد الأجزاء الثمينة من كلمة الله الحية. وفي هذه المرة سندرس جزءً من العهد الجديد حيث نجد دروساً عن العطاء من خلال كنيسة فيلبي، والتي أفرد لها الوحي أجزاءً كبيرة مقدماً إياها لنا كمثال عن العطاء.

5- كنيسة فائضة

” أنه في اختبار ضيقة شديدة فاض وفور فرحهم وفقرهم العميق لغنى سخائهم. لأنهم أعطوا حسب الطاقة أنا أشهد وفوق الطاقة من تلقاء أنفسهم.. أعطوا أنفسهم أولاً للرب .. ” 2كو 2:8-5 راجع أيضاً (في1: 3-5 ؛ في4: 10-9). إن كنيسة فيلبي هي إحدى الكنائس التي لها جاذبية خاصة في كلمة الله. كانت كنيسة حية وفعالة، مليئة بالحرارة الروحية والحب للرب، ولكن أكثر ما تميزت به هو العطاء للرب. وأنا أطلب من الروح القدس أن ينقل الحرارة والحب إلى قلبك الآن، وأن يتجدد ذهنك وتتغير حياتك أثناء دراستك لهذه النصوص الكتابية.

1-  فقراء ولكن أغنياء

لم يكن مؤمني هذه الكنيسة يتمتعون بغنى مادي وفير، بل على العكس كانوا يتعرضون لظروف مادية مضادة وللكثير من الاضطهاد والمقاومة. وبالرغم من كل هذا كانوا أغنياء جداً في سخائهم للرب وعطائهم له. يقول الكتاب عنهم أنه في ضيقة شديدة وفقر عميق، فاض فرحهم وغنى سخائهم. أحبائي، إن سخاء العطاء وفيضه لا يتوقفا على ما تمتلك، وإنما يتوقفا على حرارة قلبك. نعم لم يكن لديهم الكثير من الإمكانيات، إنما كانوا يمتلكون الكثير من الحب الفائض، مقدمين لنا صورة ومثالاً حياً يحرك أعماق قلوبنا لنتعلم العطاء. 

صديقي، لم يكتف الوحي بأن يُعلن لنا عن عطائهم الفائض وغنى سخائهم فحسب، ولكنه شهد لما هو أكثر من ذلك؛ فإن عطائهم لم يكن حسب طاقتهم فحسب، بل كان فوق الطاقة. ما أعظم قوة الحب والحرارة الروحية التي تجعل هؤلاء الفقراء يقدمون بسخاء أكثر من طاقتهم.

 

2-  اتجاهات العطاء

لم يكونوا أسخياء في حجم عطاءهم المادي فقط بل في تنوعه وتعدد مجالاته. ولم يكن عطاءهم محصوراً في جانب دون الأخر، بل كان لديهم قلب ممتلئ بالروح منشغلاً بالأمور التي تشغل قلب الرب، فاشتركوا بعطائهم السخي في كل الاتجاهات. وإليك بعضاً منها كما ذكرت في الكتاب المقدس:

  • مشتركين في خدمة الرب: كان المجال الأول الذي اشتركوا فيه هو التعضيد المادي للكرازة وخدمة الإنجيل (في1: 3-5). فقد كان لشعب هذه الكنيسة الحس الروحي الذي جعلهم يدركون هذا الاحتياج ويشاركون فيه لكي تصل الكرازة إلى كل مكان، حتى أن الرسول بولس قال عنهم بأنهم قد اشتركوا في العطاء لأجل الكرازة بالإنجيل من اليوم الأول وحتى الآن؛ لقد كان انشغالهم جاداً وحاراً ومستمراً.

  • مشتركين في احتياجات الأخوة في أورشليم: لم تكن قلوبهم منشغلة بالكرازة فقط، بل كانت لديهم المحبة الأخوية التي جعلتهم يشعرون باحتياجات الأخوة ذوي الاحتياجات المادية، الأمر الذي دفعهم يشتركون في تسديد هذه الاحتياجات (2كو 4:8). بالفعل، لم يتهربوا من المسئولية، ولم يفكروا في سكنى أخواتهم في بلاد بعيدة عنهم لا يعرفونها، بل وربما يكونون مختلفين عنهم في مجالات كثيرة. لكن في الواقع كانت لديهم المحبة الحقيقية للرب التي علمتهم أن يضعوا أنفسهم لأجل الأخوة، حيث كانوا يعيشون ما كتبه الرسول يوحنا في رسالته ” وأما من كان له معيشة العالم ونظر أخاه محتاجاً وأغلق أحشاءه عنه فكيف تثبت محبة الله فيه” (1يو3: 17).

  • مشتركين في احتياجات الرسول بولس: كان لمؤمني هذه الكنيسة قلباً رائعاً مليئاً بالحب وحساساً  لخدمة الرب ولاحتياجات الآخرين. ففي الوقت الذي لم يهتم الكثير من مؤمنين آخرين بتسديد احتياجات الرسول بولس، كانت هذه الكنيسة في انشغال وتثقل خاص به، يكنون له الحب على ما قدمه لهم من بذل  ليحمل لهم رسالة الخلاص، الأمر الذي كان لا يزال يفعله لأجل الآخرين حتى تصل الرسالة إلى بلاد ومدن أخرى. ورغم إنه في بعض الأحيان لم تكن الفرصة متاحة لديهم ليظهروا اعتنائهم به، لكن كان الاهتمام باحتياجاته الخاصة دائماً في قلوبهم، ولهذا نراهم يسرعون إلى تسديد هذه الاحتياجات كلما أتيحت الفرصة (في4: 10 ، 14-18). لقد فعلوا ذلك أكثر من مرة عندما كان الرسول بولس يخدم في تسالونيكي، تلك المدينة القريبة منهم. وتكرر نفس الأمر بينما كان مسجوناً لأجل خدمة الرب في رومية، تلك المدينة التي تقع بعيداً عنهم. ففي كل الأحوال لم ينسوه أو يتغاضوا عن احتياجاته، بل أرسلوا له الكثير من المعونات حتى قال الرسول “ولكني قد استوفيت كل شيء واستفضلت. قد امتلأت .. ” في 4: 18. ومعنى هذه الكلمات أنه أصبح لا يشعر بأية احتياجات بل صار كل شيء مُسدداً. نعم، لقد كانوا أغنياء في العطاء سواء للكرازة.. أم للأخوة.. أم للخدام.

 

3-  حساب العطاء والأخذ

يستخدم الرسول تعبير “حساب العطاء والبذل” في حديثه عن عطاء كنيسة فيلبي له (في4: 15). وهو تعبير تجاري يقابل تعبير (حساب الدائن والمدين) بلغة التجارة والبنوك اليوم. فماذا كان يعني الرسول بولس؟ كان يقول أن مؤمني فيلبي يمتلكون التمييز الروحي الذي يجعلهم مدركين التزاماتهم المادية. كانوا يعلمون أنهم مديونون للرب أولاً، وللكنيسة والخدام الذين كانوا سبباً في بناء وإشباع حياتهم الروحية كأمر تلقائي. إن ما قدمه الرب لهم (رغم كونه مجاناً بالنعمة)، جعلهم يشعرون بالالتزام وأنهم يجب أن يسددوا هذا الدين بالاشتراك والعطاء للرب عامة، وللمكان أو الأشخاص الذين اشبعوا حياتهم الخاصة ثانية. ولهذا ففي الوقت الذي لم تدرك كنائس كثيرة هذا التمييز الروحي العالي، وبالتالي لم يشتركوا في هذا الحساب، كانت كنيسة فيلبي مسرعة إلى الاشتراك فيه عدة مرات. وكأن اشتراكهم هذا تعبيراً عن الإحساس بالدين لنعمة الرب التي فاضت واقتحمت حياتهم، فأرادوا الالتزام بحساب العطاء.

أحبائي، إن الرب يعطيك كل شيء مجاناً بغنى للتمتع بلا ثمن أو مقابل. ولكن ما أتحدث عنه هو شعور روحي داخلي يجعلك تريد أن تعطي نفسك أولاً للرب وكل ما لديك أيضاً لخدمته، وبصورة خاصة للمكان أو الكنيسة الحقيقية التي يستخدمها الرب معك ليباركك ويشبعك ويقدم لك من خلالها الطعام الروحي. 

صديقي، هل أنت مدرك لهذا الالتزام الروحي، وهل تشترك فعلياً في حساب العطاء والأخذ في المكان الذي يشبعك فيه الرب ويبنيك من خلاله؟ أقول لك أنه كلما أشبعك الرب وأطعمك مجاناً بنعمته، تتزايد فيك الرغبة بأن تعطي أكثر.

 

4-  دوافع تحرك القلب

هل تساءلت عن الدوافع الحقيقة التي حركت كنيسة فيلبي لتعطي للرب بكل هذا الحماس والسخاء؟ لقد ذكر لنا الرسول بولس بعضاً من هذه الدوافع أثناء حديثه عن هذه الكنيسة في 2كو 8: 1-9. وسأذكرهم بالترتيب الذي قدمه لنا الوحي المقدس:

  • نعمة العطاء: النعمة هي تلك الكلمة الهامة والمحورية في كل العهد الجديد، عهد النعمة. والنعمة هي إحسان إلهي مجاني، لي ولك، بدون استحقاق. وكان الرسول بولس يرى أن هناك نعمة إلهية أعطيت لهذه الكنيسة بسبب سخاء عطاءها (2كو8: 1). إن النعمة دائماً هي مصدر كل قدرة وإمكانيات حقيقية ثابتة. ونحن جميعاً نحتاج لأن نطلب هذه النعمة الإلهية حتى نكون قادرين على العطاء بهذا السخاء فنعطي فوق الطاقة، واثقين أن هذه النعمة ستعطي لنا ونزداد فيها أيضاً(2كو 8: 7).

  • إخلاص المحبة: العطاء هو أيضاً تعبير عن المحبة المخلصة التلقائية. ولهذا لا نجد الرسول بولس في 2كو 8: 8  يطالب كنيسة كورنثوس بالعطاء كأمر، بل يقدم لهم مثالاً عن محبة كنيسة فيلبي حتى يعطيهم الفرصة ليعبروا هم أيضاً عن إخلاص محبتهم للرب. أصدقائي، بكل تأكيد الفقير في عطاءه فقير في محبته للرب، والغني في محبته غني في عطاءه.

  • المثال والدافع الأعظم: ولكن أعظم دافع ومثال قدمه الرسول بولس في 2كو 8: 9 هو الرب يسوع نفسه الذي” لأجلكم أفتقر وهو غني ..”. فالرسول يشعل نيران المحبة في القلوب وذلك بتذكيرهم بعطاء الرب يسوع الذي فاق كل وصف والذي قدم حياته ذبيحة لأجلنا بلا أي سبب سوى  محبته ونعمته؛ فهو لم يقدم ممتلكاته فحسب، بل قدم وأخلى نفسه وأفتقر لأجلنا لكي بموته نصير نحن أغنياء.

 

5-  نسيم رائحة طيبة

إننا نعطي لا لكي يرانا الناس، بل العطاء هو عبادة حقيقية من القلب يشمها الآب وكأنها نسيم رائحة طيبة (في4: 17). وهنا يستعيد الرسول بولس صورة العهد القديم عندما كان يشتم الآب رائحة الرضا في الذبائح التي كانت تعبيراً عن الذبيحة الأعظم، ذبيحة الرب يسوع.

في كل مرة تقدم عطاءً حقيقياً ونقياً من القلب، فأنت في الواقع تفرح وتقدم له ذبيحة مقبولة وعبادة طيبة مرضية أمامه. ولا تنسى أن الآب طالب مثل هؤلاء الساجدين والعابدين بالروح والحق. فهيا نقدم له من كل القلب عبادة بالروح.

 

6-  سيملأ كل احتياجاتك

بعد أن أعلن الرسول أن كل احتياجاته قد سُددت بسبب كنيسة فيلبي وأنه قد امتلأ، أعلن إيمانه، في المقابل، أن الرب سيملأ كل احتياجات هذه الكنيسة. كان للرسول بولس إيماناً بأن عطاء هذه الكنيسة له لتسديد احتياجاته سيكافئ بفيض إلهي، وأن الرب سيملأ كل احتياجات أعضاؤها وسيسددها. أحبائي، إن تقدماتنا القليلة التي لدينا ستقابل بعطاء وفير من الرب بحسب غناه  في المجد فتمتلأ كل احتياجاتنا. 

لا تسمح بالخوف على القليل الذي عندك يعطلك عن الحصول على الكثير الذي عند الرب لك. وتذكر دائماً هذه الكلمات الثمينةً “فيملأ إلهي كل احتياجاتكم بحسب غناه في المجد” في4: 18.

 

أبي السماوي

دعني أتذكر حبك العجيب وعطاءك المكلف لأجلي في الصليب

واعطني الآن نعمة جديدة من روحك

فيلتهب قلبي حباً لك ويتجدد تكريسي وانشغالي بك

فيزداد قلبي سخاءً ويفيض عطائي حباً؛ فأعطي من الطاقة بل وفوق الطاقة

اعطني أن أدرك حساب العطاء والأخذ

فاشترك بحماس في العطاء لخدمتك والكرازة بالإنجيل للأخوة وللكنيسة.

واثقاً أنك ستقبل هذه العطايا رائحة طيبة لك وستبارك كل حياتي