ما أعظم النعمة

ما أعظم النعمة

                                                                                                  

عزيزي القارئ، قضيت وقتاً كنت أفكر فيه وأصلي ماذا يريدني الرب أن أكتب في هذا المقال. وبينما أنا متحير بين أفكار كثيرة في داخلي ولا أجد الراحة الكاملة لأكتب في إحداها، فاجأني الرب بهذه الرسالة تملأ قلبي وتلح عليّ. وعندما بدأت بالكتابة وجدت فيض من الكلمات يتدفق يحمل هذه الحقائق الثمينة من كلمة الله. وعادة عندما أشعر بهذا التدفق وهذا الفيض، أمتلئ باليقين أن هذه الرسالة من الرب بالفعل.

 لهذا أصلي أن تجد في هذا المقال طعاماً ثميناً لك، كما أصلي أن تجد هذه الرسالة أذاناً صاغية تستمع إلى صوت الرب من خلالها وقلوباً خاضعة تقبلها. وأنت تقرأ هذا المقال أصلي أن تشعر بحضور الرب يغمرك ويتعامل معك.

وفي هذه الرسالة ستجد النقاط التالية:

·        إله النعمة

·        الحب والنعمة

·        الصليب

·        اقبل خلاصه

·       نعمته تحررك وتغيرك

·       يستخدمك بنعمته

·       تواضع لتعمل فيك النعمة

·       لا تتهاون مع النعمة

مـا أعظــم النعمــة!

“النعمة”.. يالها من كلمة صغيرة لكنها عظيمة! إنها كلمة صغيرة لكنها تملأ الكتاب المقدس بعهديه. أحبائي، إن “النعمة” كلمة هامة جداً في حياة كل إنسان يريد أن يحيا مع الله لأنها جزء من إعلان الله عن نفسه لنا فهو، “إله كل نعمة..” 1بط 10:5. وإذا أردنا أن نعرف كيف نحيا مع الله حياة ناجحة ونحقق مشيئته في حياتنا، علينا أن ندرس كلمة الله ونبحث عن مايعلنه الله عن نفسه ومبادئه. لهذا فعلينا أن نترك جانباً كل أفكارنا المسبقة عن الله وندرس الكلمة باجتهاد لنبحث عن خطة الله. وبينما ندرس ونبحث يجب أن نكتشف أعماق هذه الكلمة الثمينةأي “النعمة”.

إله النعمة

 لقد أعلن إلهنا عن نفسه بأنه “إله النعمة” أي أن النعمة هي جزء من طبيعته، وهو يتعامل معنا من منظور النعمة، وعطاياه وهباته لنا هي بسبب النعمة. هوالإله “.. الذي يعطي الجميع بسخاء ولا يُعير..” يع5:1 . “فالنعمة” معناها “مجاناً وبدون استحقاق“، وبلغة أخرى هي “فضل أو إحسان من الله لا تستحقه ولم تكتسبهأو تربحه بمجهودك أو أي شيء فيك”. إن الله الذي نعبده في الكتاب المقدس هو “إله كل نعمة..” أي أن طبيعته النعمة وهو مصدر النعمة وكل عطاياه لك هي أيضاً بالنعمة. هو يعطي لمَنْ لا يستحق، لهذا يقول الرسول بولس في رسالته إلى أفسس عن عطايا الله “ليس من أعمال (أي ليس بسبب شيء  فعلناه جعلنا نستحق عطاياه) كيلا يفتخر أحد” أف 9:2. فلأن عطايا الله مجانية وليست بسبب شيء فينا أو فعلناه، فليس لأحد الحق أن يفتخر بنفسه بل يفتخر بالرب.

انظر إلى الرسول يوحنا وهو يتكلم ويشرح لنا عن المسيح ابن الله عندما أخذ جسداً بشرياً وصار إنساناً لأجلنا “والكلمة صار جسداً.. مملؤاً نعمة وحقاً.. ومن ملئه نحن جميعاً أخذنا. ونعمة فوق نعمة” يو14:1-16. نعم يا أحبائي وُلد يسوع لأجلنا ممتلئاً بالنعمة لكي يعطينا- من غناه وفيضه- نعمة فوق نعمة.

الحب والنعمة

 الله يحبك.. هذه أيضاً حقيقة تملأ الكتاب المقدس إذ أن طبيعة الله هي المحبة. يقول الرسول يوحنا أن “.. الله محبة” 1يو8:4، وعندما نفهم نوع وطبيعة محبة الله سنفهم المزيد عن نعمته.

إن حب الله ونعمته مترابطان! فلماذا؟ لأن الله يحبك بالنعمة، ومحبة الله لك أيضاً هي محبة مجانية. إنها محبة تصدر من قلب الله المُحب لك بدون شروط. هو يحبك في وسط ضعفك، هو يحبك حتى وإن كنت لا تحبه. إن محبته غير المشروطة تعني أن حبه مجانياً لا ينتظر شيئاً فيك أو فيّ ليحبني، وأن حبه لنا يبقى ثابتاً لا يتغيرحتى عندما نضعف نحن أو نتغير.

“أجابي”.. كلمة هامة في اللغة اليونانية، ورغم هذا لم يكن لها استخدام شائع قبل الكتاب المقدس! لماذا؟ لأنها الكلمة التي استخدمها الوحي المقدس في وصف محبة الله لنا. وهي كلمة دقيقة تتحدث عن محبة غير موجودةفي العالم الذي نحيا فيه. إنها محبة تحب الضعفاء.. والخطاة.. والساقطين (المنسحقين). إنها محبة تبحث عن البعيدين والضالين ولا تضع شروطاً تبحث عنها فيمن تحب.

ولأنها محبة مجانية وبلا شروط فهي غير متغيرة.. لا تنقص أو تتغير عندما تتغير أنت، فمحبته لنا ثابتة طوال الحياة. وحتى عندما تبتعد جداً، فعندما ترجع إليه تكتشف أنه لم يزل يحبك نفس المحبة الثابتة القديمة ولم ينقص حبه لك. هل تتذكر الابن الضال العائد إلى أبيه؟ وجد أبوه واقفاً ينتظره، وإذ كان لم يزل بعيداً فعندما رآه ركض إليه وعانقه وقبله. لم يقل ابني هذا لا يستحق! لم يقل أنه أخطأ ويجب أن يتغير أولاً! لقد تحرك بالحب الأبوي المجاني الثابت.

فصديقي العزيز، هل اختبرت هذا الحب لك؟ هل تذوقت محبة الآب التي تقبل الابن الضعيف الخاطئ العائد من الكورة البعيدة؟ هيا اقبل إليه الآن لتختبر محبته.

وهل علمت الآن لماذا لم تكن كلمة (أجابي) تُستخدم كثيراً قبل الكتاب المقدس؟ لأن العالم لا يملك هذا الحب! لا يعرفه ولا يعيشه! العالم يعرف محبة الإعجاب والصداقة (فيلو).. أو المحبة التي تشتهي (إيروس= أي المحبة الجنسية والشهوة). وهذه المحبة قد تعجب بك اليوم وترفضك غداً إذا صرت غير مطابق للشروط. أما المحبة الإلهية غير المشروطة فهي غريبة عن هذا العالم.

الصليب

انظر إلى الصليب لتفهم محبة الله ونعمته المجانية. كثيرون لا يفهمون الصليب! لا يفهمون كيف يصير ابن الله إنساناً ويُصلب لأجلهم!! ومعهم الحق لأنهم لم يدركوا ويفهموا بعد المحبة والنعمة الإلهية.. لم يدركوا العرض والطول والعمق والعلو لمحبة الله (أف 18:3).. لم يدركوا عمق محبة الله وارتفاعها.. لم يدركوا حجم إتساعهذه المحبة لتحوي الجميع. فها هي المحبة تعلن عن نفسها في أعظم صورها، معلقةً على الصليب تفتح ذراعيها وتقول أحببتك مجاناً، اسرع واقبل إليّ.

يشرح الرسول بولس هذا الإعلان في رو8:5 عندما يقول “ولكن الله بيَّن (أظهر – أوضح – أثبت وبرهن) محبته لنا لأنه ونحن بعد خطاة مات المسيح لأجلنا”. فهو أعلن طبيعة حبه ونعمته المجانية عندما قَبِل أن يموت ويُصلب بديلاً لخطاة آثمين ليعطيهم الخلاص الثمين!! واقرأ ما يقوله الرسول أيضاً “فحين كنا عاجزين عن تخليص أنفسنا، مات المسيح في الوقت المناسب من أجلنا نحن الأشرار” رو6:5 (حسب الترجمة العربية الحديثة). ياللروعة والحب، فعندما كنا أشراراً وخطاة وعاجزين أن نخلص أنفسنا، جاء المسيح بمحبته ليموت عن الخطاة ويصنع لنا خلاصاً لا نستحقه وليس لنا أي فضل فيه.. ولكنه خلاص صنعته لنا محبة الله ونعمتة المجانية.

اقبل خلاصه

عزيزي، جاء المسيح في الجسد وصار انساناً وسار في الشوارع والأزقة يعلن عن حبه للخطاة والبعيدين، فكانيقبل الذين يرفضهم المجتمع ويأكل معهم. وهذا ما أعلنه بوضوح قائلاً “.. لأني لم آتِ لأدعو أبراراً بل خطاة إلى التوبة” مت13:9. لم يكتف بهذا، بل ذهب إلى الصليب بنفس الحب الإلهي الثابت ليموت بديلاً عن خطاة وأشرار لا يستحقون شيئاً. ذهب بإرادته يعلن ويظهر محبته، ليموت كبديل عنا حاملاً خطايانا ليعطي لنا الخلاص بدلاً من الهلاك والحياة بدلاً من الموت.

لقد كنا جميعاً أمواتاً بالخطايا (أف 5:2).. فحمل هو نفسه خطايانا في جسده على خشبة الصليب (1بط24:2)..ومات لأجل الجميع (2كو15:5) لكي يكون هناك خلاص أبدي لكل الذين يخضعون له ويسلمونه حياتهم ويطيعونه (عب9:5).

إن آخر كلمات قالها يسوع على الصليب كانت “.. قد أكمل..” يو30:19 ، ثم نكّس الرأس وأسلم الروح. نعم لقد أكمل يسوع خلاصنا نحن الأشرار والخطاة وقدمه لنا مجاناً لكي نقبله. لهذا فالرسول بولس الذي كان أول الخطاة.. يرفض الرب يسوع.. يضطهده ويقتل أتباعه (1تي12:1-13).. عندما اختبر نعمة الله ومحبته التي افتقدته، صرخ عالياً “.. بالنعمة أنتم مخلصون.. ليس من أعمال كيلا يفتخر أحد” أف5:2-9 .

نعم صديقي، تمم المسيح خلاصك على الصليب بغفران خطاياك بنعمته. فيقول الرسول بولس أيضاً “الذي فيه لنا الفداء (العتق-الحرية-الخلاص) بدمه غفران الخطايا حسب غنى نعمته” أف،1: 7. فهل قبلت عطيته المجانية؟ هل قبلت خلاصه لأجلك واغتسلت بدمه الثمين؟ فاختبرت الحياة عوضاً عن الموت والقلب الجديدعوضاً عن القلب القديم؟ وصار لك حياة أبدية مع المسيح بديلاً عن البحيرة المتقدة لدينونة الخطايا؟ استمع إلى صوت دعوته وهو يقول أن  “.. كل الذين قبلوه فأعطاهم سلطاناً أن يصيروا أولاد الله.. الذين وُلدوا.. من الله”يو12:1-13.

نعمته تحررك وتغيرك

ما أعظم غفران الخطايا والحياة الأبدية! ورغم هذا لم تقف النعمة عند هذا الحد فهي نعمة غنية متفاضلة. وقد أعدَّ الرب لنا نعمة فوق نعمة. لهذا يعمل الله فينا بقوته ونعمته المجانية لكي يحررنا من ضعفاتنا وخطايانا ويغير سلوكنا.

ويشرح الرسول بولس هذا الحق الثمين وهو يقول لتيطس الخادم الأمين “لأنه قد ظهرت نعمة الله المخلصة لجميع الناس معّلِمةً إيانا أن ننكر الفجور والشهوات العالمية ونعيش بالتعقل والبر والتقوى في العالم الحاضر”تي 11:2-12. نعم إن نعمة الرب لا تغفر الخطايا فقط بل تعمل فيك وتعطيك قوة لكي تقاوم الخطية والماضي. إن نعمة الرب تعطيك القدرة، إذا أردت وخضعت لها، لكي تتحرر من كل آثار الماضي وتحيا في جِدة الحياة بالبر والتقوى. فتحوِّل شاول بالنعمة إلى بولس الخادم. وتحوِّل المجدلية المقيدة بالشياطين إلى تلميذة وخادمة وكارزة تحيا في النقاوة والبر.

عزيزي، إن النعمة قوية.. عاملة وفعالة. لهذا يصرخ الرسول بولس بقوة أيضاً معلناً “.. الخطية لن تسودكم” لماذا؟ “لأنكم لستم تحت الناموس (أي المحاولا ت البشرية والمجهود البشري لإرضاء الله والتوقف عن الخطية)بل تحت النعمة (أي تعمل فيكم قوة الله المجانية التي تعطيك القوة والحرية” رو14:6.

فهيا يا أخي الحبيب المنهزم أمام الخطية أو ضعفات الماضي، قم من ضعفك وتمسك بنعمة الله فهي تحررك وتطلقك. اطلب نعمته تعمل فيك وقل له “إنني ضعيف ولكنك قوتي.. أنا لا أستحق ولا أعرف كيف أرضيك بإمكانياتي، ولكن بنعمتك المجانية اعمل فيّ.. واعطيني قوتك.. واملأني بروحك.. فتتغير حياتي.. وأسبح في الحرية والحياة الجديدة في المسيح. “فتقو أنت يا ابني بالنعمة..” 2 تي 1:2.

يستخدمك بنعمته:

يالمجد النعمة يا أحبائي! يقول الرسول بولس “لمدح مجد نعمته (أي لكي نسبح ونحمد ونشكر الله على النعمة المجيدة) التي أنعم بها (ميزنا بها.. أو أعطانا بها حظوة لديه) علينا في المحبوب (في يسوع المسيح).. التي أجزلها لنا (جعلها تفيض علينا بكل حكمة وفطنة)..” أف6:1-8.

نعم.. إننا يجب أن نسبح الله ونحمده، نرنم ونهتف شكراً له لأجل نعمته الغنية والمجيدة. فبسبب حبه المجاني ونعمته، فاضت عطاياه المجانية علينا. ورغم كل خطايا الماضي وجهالاته، يحوِّلنا الرب إلى خدام له بسبب النعمة. إنه مجد النعمة التي تحول خطاة لا يستحقون إلا العقاب، إلى أبناء أحباء يخدمون أبيهم السماوي، فيستخدمهم لمجده.

لقد تعالت الكلمات من فم الرسول بولس محاولاً شرح هذه النعمة فقال “وانا أشكر المسيح يسوع ربنا الذي قوَّاني أنه حسبني أميناً إذ جعلني للخدمة. أنا الذي كنت قبلاً مجدفاً ومضطهداً ومفترياً. ولكنني رُحمت لأني فعلت بجهل في عدم إيمان. وتفاضلت نعمة ربنا جداً..” 1تي 12:1-14. ويقول أيضاً “لأني أصغر الرسل أنا الذيلست أهلاً لأن أدعى رسولاً لأني اضطهدت كنيسة الله. ولكن بنعمة الله أنا ما أنا..” 1كو 9:15-10.

 كان الرسول بولس معترفاً ومقراً بفضل النعمة الغنية. كان لا يستحق شيئاً، ففاجأته النعمة.. وحسبته أميناً.. وأعطته القوة.. وجعلته خادماً. وهذا إعتراف أحد أعظم الخدام بأنه صار خادماً بسبب نعمة الله.

نعم يا أحبائي.. إن النعمة الغنية تدعوك أنت أيضاً لكي يستخدمك الرب. قد لا تشعر بأي استحقاق في ذاتك، قد ترى ضعفك وعجزك واضحاً أمام عينيك، ولكن هذه هي نعمة الله التي تختار الجهال والضعفاء.. المزدرى وغير الموجود، وتعمل فيهم بقوة. قد ترى نفسك صغيراً عن أن يستخدمك الرب(سواء صغيراً روحياً أم مازلت صغيراً في سنوات العمر)، ولكن تذكر كلمات الرب لإرميا عندما تراجع عن دعوة الرب له للخدمة قائلاً “.. آه يا سيد الرب إني لا أعرف أن أتكلم لأني ولد”، فإذ بالرب يفاجئه ويشجعه ويؤكد له الدعوة “لا تقل إني ولد لأنك إلى كل مَنْ أرسلك إليه تذهب..”، بل وأعطاه الرب القوة والإمكانات للعمل. “ومدَّ الرب يده ولمس فمي وقال الرب لي هاقد جعلت كلامي في فمك” إر4:1-10.

أخي الحبيب، بالفعل أنت أيضاً مدعو أن تعطي نفسك للرب القدير ليستخدمك ويُظهر مجده من خلالك. أنت أيضاً مدعو أن تثق في نعمته ومحبته وتقدم حياتك بالكامل له ليفعل بك ما يريد، معلناً إيمانك أن نعمته كافية وفائضة.. فهو يستخدم الضعفاء.

هيا اقبل دعوته لتصير خادماً له بالنعمة، وردد كلمات الرسول بولس “الذي صرت أنا خادماً له حسب موهبة نعمة الله المعطاة لي حسب فِعل قوته. لي أنا أصغر جميع القديسين أُُعطيت هذه النعمة أن أبشر بين الأمم بغنى المسيح الذي لا يُستقصى” أف7:3-8.

وأنت أيضاً تسطيع أن ترفع صوتك عالياً وتقول للرب:

أشكرك ياسيدي فأنا الأصغر والأضعف، لكني أثق فيك وفي نعمتك الغنية

أسلمك ذاتي لتُظهر مجدك فيَّ

هيا املأني بقوتك وامسحني بروحك وفض بمواهبك في داخلي

 لتعطيني أن أتمم مشيئتك ودعوتك لحياتي

لن أنظر إلى ضعفي أو خوفي بل إلى نعمتك ومحبتك ودعوتك لي

فهأنذا استخدمني.

 وثق أنه سيصنع في حياتك أكثر مما تتخيل.

تواضع لتعمل فيك النعمة:

“فقال لي تكفيك نعمتي لأن قوتي في الضعف تكمل. فبكل سرور أفتخر بالحري في ضعفاتي لكي تحل عليّ قوة المسيح.. لأني حينما أنا ضعيف فحينئذ أنا قوي” 2كو9:12-10. إن النعمة هي عطية إلهية مجانية لمَنْ لا يستحق. إن النعمة ليست مكافأة على تعبك أو اجتهادك، وإلا لصارت أجرة وليست نعمة. إن النعمة هي عطية الله للضعفاء والعاجزين ليحررهم من ضعفهم ويقيمهم من الفشل.

إن النعمة هي العلاج لهؤلاء الذين يصرخون من العجز غير قادرين على تحقيق أحلامهم أو مشيئة الله لهم، وبالنعمة سيصيرون قادرين. وقد اكتشف الرسول بولس هذا الدرس الثمين.. اكتشف أنه يجب أن يدرك ضعفه بل وحتى يفتخر به لأنه حينئذٍ ستعمل فيه نعمة الله أكثر وأكثر. لقد تعلم أن يعلن عجزه وهو يشكر ويسبح الله العامل في ضعفه. وكان هذا مفتاح القوة التي تعمل في حياته.

صديقي، إن الاتضاع ليس مجرد كلمات أو إدعاءات أمام الناس، ولكن الاتضاع الحقيقي هو اكتشاف ضعفك والثقة والاتكال على نعمة الرب. عندما تدرك ضعفك وتكون متضعاً حقيقياً، ستعرف أنه ليس فيك شيئاً تعمله يرضي الرب، فتأتي إليه هو وتثق فيه أن يعمل بنعمته في ضعفك.

ليس كافياً أن تعرف ضعفك لتكون متضعاً، ولكن يجب ايضاً أن تكون متضعاً للقدر الذي به لا تثق في ذاتك ومحاولاتك، بل تثق بكل قلبك وتتكل على نعمة الله العاملة فيك. هيا امتلك الإيمان وافتخر أنك حينما تكون ضعيفاً تحل عليك قوة المسيح وتعمل فيك هذه القوة،  فتحيا محققاً مشيئته ومقاصده.

صديقي، كثيرون يدَّعون الاتضاع ولكنهم في الواقع يمتلئون بالكبرياء، إما لأنهم يتكلون على أنفسهم محاولين إرضاء الرب بمجهودهم واستحقاقهم وبالفعل هذا كبرياء وجهل بضعفهم، وإما أنهم يعطلون النعمة أن تعمل فيهم.  فرغم إدراكهم لضعفهم، لا يثقون ويتكلون على نعمة الله.. يظنون أنهم أسوأ أو لا يستحقون أن تعمل فيهم نعمة الله.

صديقي، توقف عن محاولاتك أن تثبت ذاتك، وتعال متضعاً أمام الرب واثقاً في محبته لك ونعمته الغنية. اعترف بضعفك له بل وافتخر به أيضاً لأن قوة المسيح ستعمل في حياتك. وتذكر أن “.. الله يقاوم المستكبرين (الواثقين في أنفسهم) وأما المتواضعون (المعترفون بضعفهم والمتكلون عليه) فيعطيهم نعمة” 1بط5:5 .

لا تتهاون مع النعمة:

صديقي، في نهاية هذه الرسالة أريد أن أقول لك نقطة هامة جداً.. لا تتهاون مع النعمة.. لا تعطل عمل النعمة في حياتك بالاهمال أو التهاون. إن نعمة الله قوية وفعالة جداً وهي كافية جداً لتتكل عليها، ولكن رجاء لا تتهاون .

يقول الكتاب “.. نطلب أن لا تقبلوا نعمة الله باطلاً (أي لا تبددوا النعمة التي قبلتموها أو تجعلوها بلا فائدة أو تأثير) ” 2كو1:6.

هيا اقبل نعمته وقوته. هيا اُخضع ذاتك لنعمة الله بلا تهاون بل بكل جدية. هيا سلم للرب كل مجالات الحياة لتسمح لنعمته الغنية أن تعمل فيك وتحقق كل مقاصده لك. تذكر أن نعمة الله كانت كافية لتقفز بحياة شاول الطرسوسي في خلال أيام قليلة ليكون شاهداً أميناً للمسيح ثم يصير بولس، رسول المسيحية العظيم. تذكر ان النعمة جعلت الذين كانوا يسمعون عنه يمجدون الله لأجله فقال “فكانوا يمجدون الله فيّ” غل24:1. هيا اعطي النعمة الفرصة أن تقلب كل حياتك وتعيد ترتيبها. هيا تجاوب مع النعمة ولا تضع لها حدوداً؛ فهي قادرة أن تصنع المستحيل. فالعبد سيصير حراً، والضعيف سيصير قوي، والفشل سيتحول إلى نجاح.

تعال الآن ولا تخف.. تعال بكل ضعفك أمام عرش النعمة، وتذكر انك تستطيع أن “.. ننال رحمة ونجد نعمة عوناً في حينه” عب16:4. لذا هيا تقدم الآن بثقة واثقاً في نعمة الله الغنية واعلن إيمانك “تكفيك نعمتي”. وثق أنه سيغير حياتك، سيحررك من سيطرة الخطية، سيغير سلوكك، وسيجعلك خادماً له بسبب النعمة”.

له كل المجد فهو إله كل نعمة

                                                                                                                                         د/ يوحنا رضا