مغامرات الإيمان ومكافآت السماء

 

العطاء في الكتاب المقدس

يونيو 2003

6- مغامرات الإيمان ومكافآت السماء

ما أحلى حياة الإيمان، وما أروع الحياة عندما تكون مستندة على ذراع السيد ومحمولة في حضن الرب حتى وإن كانت بلا ضمانات بشرية أو مصادر للأمان الطبيعي. إن رعاية الرب هي الضمان والآمان لمن تعلم أن يسير متكلاً بالتمام عليه؛ فقد خرج إبراهيم من أرضه وعشيرته وهو لا يعلم إلى أين يذهب..  كان يعيش في مغامرة إيمان ولكنه لم يخطئ الطريق، ولم يفقد الهدف، ولم يؤذى في المسيرة لأنه خرج بالإيمان يتبع الرب ومطيعاً لدعوته، فقاده وحفظه كل الطريق.

أحبائي، إن الرب يدعونا لنحيا حياة الإيمان واثقين فيه من كل القلب وعالمين أن إلهنا القدير مسئول عن

تفاصيل حياتنا، فنحيا مغامرات الإيمان في كل مراحل الحياة  بلا مخاوف أو شروط متمتعين بمكافآت السماء.

كما نحتاج أن نتعلم أيضاً، من خلال حياتنا العملية وأمورنا المادية، كيف نسلك في مغامرات الإيمان بلا خوف واثقين أن الرب سيعولنا ويعتني بنا. لذا دعونا نحيا واثقين في قائدنا الذي يسير أمامنا ونكون مستعدين أن نتبعه مهما بدا الطريق مخيفاً أو التحدي هائلاً. سنحيا خاضعين لمشيئته وطائعين لصوته وقيادته، مدفوعين بالمحبة له، وسنرى حياتنا تسير دائماً في المجد متمتعين بالاختبارات المجيدة كل أيام الحياة.

 

1-  امرأة أرملة وصبي صغير :

تحدثنا في مرة سابقة عن هذه المرأة العظيمة التي قادها الرب لمغامرة إيمانية تبدو بالعيان مخيفة ومزعجة، ولكن بخضوعها لكلمات الرب لها فاضت البركات في بيتها. كان الجفاف يحيطها من كل جانب إذ كانت المجاعة تملأ البلاد لشهور وسنوات ولا أحد يعلم متى سينتهي كل هذا. كانت أرملة وحيدة تعول صبي صغير لا تملك إلا قليل من الزيت وملء كف دقيق. وبينما هي تخطط لتصنع لابنها ولنفسها كعكة يأكلونها ولا يعلمان ماذا سيحدث لهما بعد ذلك، كان موعدها مع اللقاء الإلهي لتخطوا خطوات الإيمان في مغامرة تبدو محفوفة بالمخاطر. ولكن يا للروعة، فإن مغامرة الإيمان كانت هي مصدر البركات لحياتها. فها نحن نرى إيليا وهو يطلب من المرأة أن تصنع له أولاً كعكة صغيرة قبل أن تصنع لابنها ولنفسها مؤكداً لها أن كوار الدقيق لن يفرغ وكوز الزيت لن ينقص إذا أطاعت الرب. إنها مغامرة إيمانية يقلق بسببها كثيرون، فهل تقبل أنت هذا؟ هل تقدم أخر ما عندك للرب أولاً وتنتظر وعداً غير مضمون؟ بالتأكيد تعرضت هذه المرأة لكثير من الأسئلة والصراعات، ولكنها حسمت الأمر. رأت أن الثقة في الرب والاتكال عليه أكثر ضماناً من هذا القليل الذي عندها، فأطاعت الرب وقدمت  لإيليا ليأكل أولاً، فإذا بالوعد يتحقق والدقيق لم يفرغ ولا الزيت نقص لأيام كثيرة طوال فترة المجاعة وحتى اتيان المطر.

صديقي، هل لديك مغامرات إيمان في حياتك مع الرب؟ هل تقبل أن تثق في إلهك القدير واثقاً في وعوده؟ أيها الحبيب إذا قررت أن تستمع لصوت الرب لك لتخطو بالإيمان خطوة مغامرة، فلا تخف بل اتبعه واثقاً في مكافآت السماء.

2- فلسين أغلى من ذهب كثير:

يا لغرابة قوانين الحساب السماوية! فكيف يمكن أن يساوي حساب فلسين قيمتهما ربع ( أقل عملة في ذلك الوقت وكانت قيمتها أقل من المليم) كمبلغ كبير يفوق عطايا كثيرة أخرى؟ إنها المبادئ السماوية التي لا تخضع لقوانين الحساب المعروفة والمعتادة لدينا، والرب يريد أن يغير أذهاننا لنتعلم هذه القوانين والحسابات الجديدة ونسلك بمقتضاها.

فعندما جلس يسوع تجاه الخزانة، يقول الكتاب” ونظر كيف يلقي الجمع..” مر41:12 هل لاحظت كلمة “كيف”؟ لم يكن يسوع ينظر كم يلقون بل كيف يلقون، لأن هذا هو ما يؤثر في القوانين السماوية ويجعلها تختلف عن حساباتنا الأرضية. إن الرب دائماً ما ينظر إلى القلب والدوافع باحثاً عن الحب والإيمان. ولهذا فبينما كان أغنياء كثيرون يلقون بأموال كثيرة في خزانة الهيكل، تقدمت تلك المرأة وسط الجموع مقدمة فلسين صغيرين لا قيمة لهما مقارنة بعطايا الآخرين. ولكن الرب رأى ما لم يراه الآخرين، وشهد لتلاميذه أنها بالفعل ألقت أكثر من الجميع. فلماذا؟ لأنها ألقت كل ما عندها كل معيشتها.. لم تقدم من الفائض عنها بل من إعوازها.. لم تستصغر  ما عندها لأنه كان ثروة هائلة في نظرها إذ أن هذا كان أخر ما تمتلكه.. ولم تمنعه عن الرب لأنها أحبته كثيراً واثقة أنه لن يتركها بل سيعولها.

إن الفلسين لن يكفوها إلا لوقت قصير ولكنها كانت تعلم قوانين الحساب السماوية؛ فإذا استثمرت هذا القليل الذي لا يكفي لدى الرب، فهذا يعني أنه سيكون مسئولاً عنها كل أيام المستقبل. وماذا عنك أنت، هل تعتقد أنها خسرت أم ربحت؟ لقد رأى الرب بالفعل أن ما قدمته كان أكثر من الجميع، فترى كم سيكون تعويض الرب لها!!

3- طعام طفل يشبع الآلاف :

كان الاحتياج مُلحاً إذ اجتمعت آلاف الجماهير يستمعون بشغف لكلمات السيد والمعلم حتى أنهم نسوا أنفسهم بالكامل ولم يتذكروا طعامهم، ولكن الرب كعادته كان مهتماً بهم يريد أن يشبعهم. فبسبب بُعد المكان طلب تلاميذه منه أن يصرف الجموع إلى القرى المجاورة ليبتاعوا طعاماً، أما يسوع فكان له رؤية مختلفة؛ كان يريد أن يصنع معجزة ولكن كان لا بد من وجود شيء صغير يصنع منه يسوع الكثير. وبالفعل كان يوجد غلام صغير معه طعام قليل يكفي لإطعامه هو فقط لا يتعدى خمس خبزات وسمكتين. ولكن المفتاح الهام الذي كثيراً ما ننساه وسط عظمة هذا الحدث هو ذلك الطفل الصغير الذي قدم وجبته الصغيرة للرب.. وعاش بإيمانه الصغير مغامرة إيمانية وذلك بتقديم وجبته الصغيرة التي كان يعتمد عليها للرب. وبالفعل صنع الرب المعجزة،  وبلمسة واحدة من يد الرب تحولت وجبة الطفل إلى طعام يشبع الآلاف بل وزاد عنه اثنتي عشر قفة ملآنة.

كانت هذه المعجزة تحتاج أولاً إلى طفل صغير يغامر ويحيا بالإيمان ويقدم كل ما يملك حتى وإن كان لا يعلم كيف سيأكل بعد ذلك أو ماذا سيحدث لهذا الطعام. ولكن إذ علم أن الرب يحتاج القليل، قام مسرعاً وقدم كل ما عنده متيقناً أن الرب كفيل بإشباعه وبإشباع الآخرين أيضاً. وبالفعل تحقق الإيمان الصغير ونجحت المغامرة، وربما كان ذلك الغلام الصغير هو أكثر النفوس سعادة وفرح وهو يرى التلاميذ يحملون قففاً ممتلئة بالكسر الفائضة عن هذه الآلاف التي أكلت وشبعت. ولعله يظل يتعجب وهو يقول “إنني قدمت خمسة خبزات.. فانظروا كيف أشبعت الآلاف وكيف زادت كل هذه الكسر!!” صديقي، تعلم أن تحيا واثقاً في إلهك الحي ولا تخف أن تتبعه في خطوات جديدة لم تعتاد عليها من قبل حتى وإن كنت لا تعلم إلى أين سيقودك أو ما هي المخاطر التي قد تواجهك، ولكن اعلم يقيناً أنه يسير معك. وعندما تطيعه وتتبعه تأكد أنك سترى المكافآت في حياتك، وسترى أن القليل قد تحول إلى الكثير، وسترى قوانين وحسابات السماء تعمل لحسابك، وستختبر أن القليل الذي قدمته للرب حسبته السماء كثيراً بل وحولته بنعمة الرب إلى إمكانيات كثيرة سدد بها الرب احتياجات الكثيرين حتى فاض وزاد.

 

4- قصة حقيقية واختبار حي :

 قرأت هذه القصة الشهيرة مرات عديدة، وفي كل مرة كانت تترك في أثراً قوياً وعميقا.ً هذه القصة من حياة هدسون تيلور، ذلك الشاب الإنجليزي الذي صار مُرسلاً للصين واستخدمه الرب بقوة في هذا البلد لمدة خمسون  عاماً تقريباً. كان هدسون تيلور في العشرين من عمره يحيا في لندن بعيداً عن عائلته إذ كان يدرس الطب استعداداً للذهاب إلى الصين للخدمة. وإذ كانت احتياجاته المادية لأجل مصاريف المعيشة والسكن والدراسة كثيرة، كان يعمل عملاً إضافياً مكافحاً لتسديد هذه المصاريف. وفي بعض الأحيان كان الطبيب الذي يعمل معه ينسى دفع راتبه، فكان يعتبرها فرصة للحياة بالإيمان ليرى كيف سيتولى الله تدبير حياته. هكذا كان يحيا بالإيمان دائماً وكان يعتبر ما يمر به من أحداث بمثابة فرص ثمينة يدبرها له الرب للاتكال عليه وحده. وفي إحدى تلك المرات التي تأخر فيها الطبيب عن دفع راتبه، كان يسير متأخراً في الشارع ولم يكن بجيبه إلا نصف كراون (عملة صغيرة لا تكفي حتى إيجار الغرفة التي يسكن بها والتي كان ينبغي أن يدفعها صباح اليوم التالي). في مساء تلك الليلة دعاه رجل فقير مُعدم ليأتي إلى بيته حتى يصلي لأجل زوجته طريحة الفراش. وعندما دخل إلى بيت الرجل تواجه هدسون بأمرين؛ الأمر الأول هو الحالة الصحية المتأخرة لهذه السيدة، والثاني حالة الفقر والعوز لهذه الأسرة وأطفالها. وحينما ركع بجوار هذه المريضة ليصلي لأجلها لم يستطع  التهرب من صراع داخلي في أن يقدم العملة الوحيدة المتبقية معه لهذه العائلة. و بسبب ظروفه الشخصية، كان يتمنى لو كانت هذه العملة أجزاءً أصغر لكان قدم جزءً منها واحتفظ بالباقي لنفسه. ومن كثرة الصراع شعر أنه غير قادر على الصلاة لأجل المرأة، وبعد أن أنهى صلاته القصيرة جالت في ذهنه عدة آيات وشعر أن الرب أب يعتني به ويريد أن يعتني بهذه العائلة أيضاً. وشعر أن الرب يدفعه ليقدم كل ما معه لهم. أخرج هدسون العملة الوحيدة التي معه وقدمها للعائلة ومضى في طريقه لا يملك أي شيء في جيبه أو بيته سوى الشعور بالفرح والسلام واثقاً في الله  حتى أنه كان يسير مُرنماً طوال الطريق إلى بيته. وعند وصوله إلى البيت أكل أخر ما تبقى من طعام ونام وأستيقظ في صباح اليوم التالي وهو لا يعلم ماذا ينتظره، ولكنه فوجئ بصاحبة البيت تطرق على الباب  حاملة له خطاباً. كان هذا أمراً غريباً وتعجب لأنه لم يكن من المعتاد أن تصله خطابات في هذا اليوم من الإسبوع. وعندما حاول قراءة المرسل لم يجد عليه اسماً، وحتى خاتم البريد الذي يوضح البلد المرسل منه كان مطموساً. فتح الخطاب ووجد به قفازان متقنا الصنع وسقط من الخطاب نصف جنيه إنجليزي يساوي ثمان مرات العملة التي قدمها بالأمس، ولم يجد  داخل الخطاب أية إشارة تحمل هوية الراسل وإذ به يدفع الإيجار فرحاً وتبقى معه الكثير ليحيا به.

صديقي، إن إلهنا حي وصادق يسير وسط شعبه ويفرح بأبنائه الذين يطيعونه واثقين فيه.. يحب أن يسدد كل احتياجاتك ولكن أيضاً يحب أن يراك أولاً واثقاً فيه ومستعداً لأن تتبعه حتى لو كان جيبك خالياً أو بيتك خاوياً لأنك تعلم أنه مؤكد سيتدخل في الوقت المناسب ولن يدعك تحتاج.

لقد فضلت أن أختم لك بهذه القصة لكي تعلم إن إلهنا لم يكن فقط في العهد القديم أيام إيليا، ولا في العهد الجديد أيام المسيح وهو يصنع المعجزات، بل هو إلى اليوم حي وحاضر يصنع نفس أعماله وسط شعبه.. فهو أمس واليوم وإلى الأبد.

 

أبي السماوي

أريد أن أتبعك مثل إبراهيم بلا ضمانات

قد لا أعلم إلى أين أمضي ولكن أعلم أنك تقودني وتحميني

دربني في دروس الإيمان وجدد ذهني على مبادئ وحسابات السماء

دعني أقدم لك أموالي بلا خوف، كثيرة كانت أم قليلة لا يهم، ولكن يجب أن أقدم بحب وصدق وإيمان

أعطيك حتى ولو كان كل ما عندي، فأنت ستعيد ملأ مخازني من جديد

وأعطيك حتى ولو كان أخر ما عندي، فأنت قد أحببتني وبالفعل تستحق كل الحياة

فشكراً لك لأجل مغامرات الإيمان ومكافآت السماء.