مقدمة: العطاء والعبادة ..لماذا الآن؟

مقدمة: العطاء والعبادة ..لماذا الآن؟

لمدة عشر سنوات وربما أكثر قليلاً، منذ بداية هذه الخدمة وعبر مراحلها المختلفة وحتى الآن، كان الرب يقودنا بإسلوب خاص فيما بتعلق بتسديد احتياجات الخدمة ونفقاتها. فخلال كل هذا الوقت، كنا نعتمد دائماً على تدخل الله المباشر لتسديد هذه الاحتياجات؛ فلم نكن نعلن عن أية احتياجات بالخدمة أو ما هي مشاريعنا القادمة التي تحتاج إلى دعم مادي، ولهذا أيضاً لم يكن لدينا أي نظام لجمع العشور والتقدمات، بل كما ذكرت كنا نعتمد على تحريك الله للأشخاص المثقلين ليأتوا هم مباشرة إلينا ليقدموا هذه التقدمات حسب قيادة الرب لهم.

وخلال هذه السنوات الطوال، اختبرنا وتمتعنا بتدخلات الله المعجزية ويده القديرة والحكيمة لتسديد كل احتياجات الخدمة.. وكلما كانت تملأنا طموحات أو أشواق لعمل معين يحتاج إلى مصاريف أكثر ولا يعلم أحد عنها شيئاً، سرعان ما نرى الرب يتدخل بطرق مختلفة لتسديد هذا الاحتياج. في مرات تكون الاستجابة سريعة وكاملة، وفي بعض الأحيان تدريجية وتأخذ بعض الوقت، ولكنه يبقى دائماً الإله الأمين والحافظ لكل وعوده.

وفي كثير من الأحيان دخلنا في مغامرات إيمانية بقيادة من الرب. فأتذكر منذ عدة سنوات وفي أحد المرات التي شعرنا بقيادة الرب لشراء أحد الأجهزة الصوتية كثيرة الثمن مقارنة بإمكانياتنا، ولم يكن معنا إلا جزء صغير من ثمنه، ولكننا قدمنا هذا الجزء كمقدم على أن نقوم بتسديد الباقي على ثلاثة أشهر. وأتذكر كيف أنني بدأت أشعر بالصراع والمخاوف أثناء عودتي بعد دفع المقدم واستلام الجهاز، فماذا إذا لم يأتِ إلىَّ أموال خلال هذا الوقت؟ ماذا سيحدث إذا أتى موعد الدفعة القادمة ولم يكن لدينا ما ندفعه؟ ما هو الضمان وخاصة أن لا أحد يعلم عن هذا الأمر شيئاً.

وبينما كنت أحاول مقاومة تلك الأفكار واعلان إيماني، وصلت إلى إجتماع صلاة صغير لمجموعة الخدمة. وفي المعتاد لم يكن أحد يقدم لي أية تقدمات في هذا الاجتماع، أو إذا حدث تكون مبالغ صغيرة جداً لأن قدرات الحاضرين المادية هي قليلة بالفعل. ولكن بعد وصولي بدقائق، فوجئت بشخص يقدم لي مبلغاً يساوي مايعادل قيمة القسط القادم تقريباً وكانت هذه التقدمة هي عشوره التي كان يجمعها لعدة أشهر سابقة. وتعجبت وابتسمت وأنا أشاهد الرب وعمله وقيادته للنفوس؛ فلماذا في هذا الوقت بالذات؟ ولماذا هذا المبلغ؟ ولماذا كان يجمعها عبر الشهور ليقدمها في هذا اليوم؟

وهكذا سِرنا لعشر سنوات تقريباً. ورغم أن متطلبات الخدمة تزداد بل وتتضاعف وتكلفة الأجهزة أيضاً تتضاعف، إلا أن أمانة الرب استمرت تُسدد كل احتياجاتنا.. واستمر المبدأ الذي نسلك به هو أن لا نعلن عن احتياجاتنا ولا نجمع عشور أو تقدمات. والله شاهد أنه في بعض الأحيان كانت الناس تلومنا على ذلك.. وبعضهم يسألنا إذا كان هناك احتياج في الخدمة ليشتركوا في تسديده، فكنا نقول لهم أن يصلوا والله سيخبرهم ويقودهم ( رغم وجود احتياجات فعلية).

ولكن خلال السنة والنصف الماضية بدأ شيئاً جديداً يحدث في داخلنا.. ليس بسبب احتياج ولكن بسبب انشغال روحي كان يزداد داخلنا. وربما تزامنت بداية هذه الفترة مع حضورنا لأحد مؤتمرات الخدام بالخارج وكنا مجرد أعضاء حاضرين. وأثناء الليلة الأخيرة، أعلن الخادم عن احتياجهم لجمع تقدمات لمشروع روحي يشغلهم به الرب. كان هذا المشروع ضخماً جداً ومكلفاً ولكنه كان لديه إيماناً بأن الرب سيُسدد هذا الاحتياج. وفي أثناء الصلاة قبل الجمع الفعلي، حدث شيئاً فُجائياً وتلقائياً إذ ألقت سيدة بحقيبة يدها بكل ما فيها إلى المنبر كتقدمة لهذا العمل. وهكذا وبدون مقدمات أو ترتيب سابق، بدأ المئات من الحاضرين التقدم إلى المنبر ليضعوا تقدماتهم بدلاً مما هو مخطط أن توزع أظرف وتُجمع. وفي هذه اللحظات حدث شيء غريب في أجواء الاجتماع؛ صار حضور الله غير عادياً بل وقوياً جداً.. كان هناك شيئاً يحدث بالروح في الداخل وكنت تستطيع أن ترى النفوس وهي تترك أماكنها وتسير لمسافة حتى تُعطي تقدماتها وهي تحت تأثير روح الله في هيبة وقداسة.. بالحق كانت دقائق ثمينة جداً من العبادة التلقائية. كانت عبادة بالروح.. كانت ذبائح تُقدم للرب. واليوم وبعد مرور أكثر من عام ونصف على هذا الحدث، ربما نسيت بعض التفاصيل، ولكني لا أستطيع أن أنسى الأحاسيس والمشاعر وروح العبادة.. وهيبة حضور الرب في المكان وقداسته، وكأن كلمات الكتاب تتحقق “فامتلأ البيت من رائحة الطيب”. ومنذ ذلك الوقت تقريباً، يجول في داخلنا أفكاراً وتساؤلات كثيرة عن العطاء وأهمية تشجيع وتعليم الشعب على ممارسته.

 وبعدها بقليل كنت في بلد أخرى خارج مصر أيضاً حيث قص علىَّ أحد الرعاة حدثاً مشابهاً في كنيسته، وكَمْ كان يوماً رائعاً مقدساً حيث شهدّ عن الكثير من القصص الرائعة عن نفوس تُقدم من أعوازها للرب.. وماأجمل القصة التي سمعتها حيث قام شخص لا يملك شيئاً يقدمه بخلع قميصه وتقديمه للرب. وشعرنا أن الرب يحاصرنا أكثر وتزايدت التساؤلات في داخلنا. هل هناك شيء ينقصنا؟.

نعم أن الرب يسدد الاحتياجات، لكن ماذا عن هذا الجانب من العبادة المقدسة التي يُريد الرب لشعبه أن يمارسها؟ ماذا عن أهمية تعليم الشعب عن العطاء وبركاته؟ ماذا عن الأجزاء الكثيرة من الكتاب المقدس التي تتحدث عن عطاء شعب الرب كجماعة معاً عندما يحركه روح الرب لعملٍ ما؟ وتذكرت الشعب وهو يُقدم لبناء خيمة الاجتماع، ثم أيام داود وهو يجمع لبناء البيت.. إن فترات النهضة الروحية في حياة شعب الرب كان دائماً يصاحبها نهضة في العطاء المادي وخاصة لترميم بيت الرب.. وتذكرت أيضاً إن أمر الرب لموسى هو أن يُحث الشعب للعطاء إنما كان أمراًً إلهياً، كما قام بولس بتوجيه الكنائس وحثها على العطاء المادي.

ولكن على النقيض كانت لدي أفكاراً أخرى مضادة في داخلي مثل عدم تعودنا على هذا الأمر، أو أن الإسلوب الذي نتبعه يبدو أكثر نقاوة وأكثر إيماناً فلماذا نغيره؟ وأيضاً أعترف أن في داخلي الكثير من القصص السلبية عن الجمع المادي والدوافع الجسدية فيه أو الربح القبيح. كما كان هناك سؤالاً هاماً وهو ماذا سيكون رد فعل الشعب إذا غيرنا اسلوبنا، ألن يُثير هذا التساؤلات أو التعليقات.

ولمدة عام ونصف كنا نصلي ونفكر ونرجع إلى الكلمة لنبحث عن الإجابات، وطلبنا من كل فريق الخدمة أن يصلوا معنا لنتأكد من مشيئة الرب وحتى يُقنعنا داخلياً بقوة للاتجاه الذي يريدنا فيه، حتى وصلنا إلى الاقتناع بأننا يجب أن نبدأ جانباً جديداً في خدمتنا من حيث تعليم النفوس عن العطاء، واعطاءهم الفرصة ليعرفوا ما هي الاحتياجات والأهداف التي نصلي لها أو نتحرك تجاهها ليكون لهم الفرصة ليقودهم الروح في العطاء وتقديم هذا النوع من الذبائح للرب. ورغم المخاوف القليلة، لم نعد قادرين على التوقف وتلألأت أمامنا بعض الأهداف الهامة التي لأجلها يجب أن نُغير أسلوبنا. وهذه الأهداف هي:-

أ- روعة وأهمية ذبيحة العطاء:

فكما ذكرت من قبل عن ارتباط التقدمة بالعبادة. فعندما لا نُعلم النفوس عن العطاء ونفتح لهم الباب لممارسته، فنحن نسلبهم هذه الفرصة الثمينة.

ب- الوحدة والانتماء:

إن الإعلان عن الأهداف والاحتياجات والأحلام الروحية التي في قلوبنا وتحتاج إلى الدعم المادي، تحقق مفهوم الوحدة والانتماء لدى الشعب. فمن حق الشعب الذي ينتمي إلى اجتماعاتنا أن يعرف أهدافنا ويختار أن يشترك فيها أم لا حسب قيادة الرب له. كما أن الوضع هنا ليس مجرد عبادة فردية، ولكن تحرك جماعي وسط شعب الرب ليحقق ويتمم خطه الله.

 ج- غياب العطاء يعطل البركات:

(لا 3: 7-12) إن البركات التي تأتي إلينا من خلال ذبيحة العطاء أكثر بكثير من حجم عطاؤنا. وعندما يتعطل عطاؤنا، تتعطل البركات في حياتنا. ولهذا يجب أن نُعلم النفوس عن العطاء ونفتح لها هذه الأبواب لكيلا تفقد حقها في التمتع بالبركات.

ولهذا قررنا أن نأخذ بعض الخطوات العملية لتحقيق هذه الأهداف مثل:-

  • الإعلان مرة واحدة كل شهر في الاجتماع عن الأهداف التي نصلي لها وننتظرها من الرب وبالتالي نفتح باب العطاء لها.

  • تعليم الشعب والنفوس عن العطاء بصورة دورية. ولكي  يظل هذا العطاء نقياً منقاداً بالروح، سنقوم بتقديم أحد المواضيع التعليمية عن العطاء في دراسة مكتوبة توزع على النفوس مرة كل شهر، وتظل هذه الدراسات متاحة طوال هذا الشهر. وهذه المقالات الدراسية هي التي سُنكمل بها هذه السلسة من الدراسات عن العطاء في هذا الموقع أيضاً.

  • نقوم بتوزيع أظرف مطبوع عليها الأهداف على كل شعب الكنيسة أيضاً مرة واحدة في الشهر ليختار كل شخص المجال الذي ينشغل به. وتظل هذه الأظرف متاحة خارج الكنيسة  بقية الأسابيع حتى تكون في متناول يد كل َمنْ يطلبها أو يريد العطاء في غير الإسبوع الأساسي.

وفي النهاية أريد أن أضع أمامك قارئي العزيز أمرين هامين جداً:

أولاً:

هل تعلمت أن تعبد الرب في دائرة العطاء المادي؟ هل اختبرت عمل الروح داخلك لكي تقدم للرب من بركاته في حياتك أو حتى من أعوازك؟ هل أعطاك الرب أُذناً وقلباً حساساً لتنشغل بالأمور التي تشغل قلب الرب- سواء أحد جوانب الخدمة أو أعضاء في جسد الرب لديهم احتياجات- وقررت أن تطيع الله  وتقدم أكثر مما تلتزم به في حياتك؟ هل تعامل الرب معك ليخرجك من ذاتك واحتياجاتك؟ فبدلاً من الانحصار في مشاكلك  الشخصية ومتطلبات حياتك هل تعلمت أن تنسى نفسك وتنشغل بأمور الرب واحتياجات الآخرين؟ أليس مكتوباً “مغبوط هو العطاء أكثر من الأخذ ” أع 20: 35. وهل اختبرت بركات الله على حياتك لأنك قررت أن تعبده بأموالك وحبك؟.

إننا نشتاق من خلال هذه السلسلة الدراسية أن يُجري الرب تغييرات فيك غير عادية وليقفز بحياتك قفزات جديدة وتختبر مغامرات إيمانية جديدة. فلا تقرأ هذه المقالات للمعرفة فقط أو تغذية ذهنك ولكن أيضاً لكي يتلامس قلبك وروحك مع مشيئة الله وتدع روحه يتعامل معك ويقودك إلى التوبة والتغيير.

ثانياً:

 أريد أن أؤكد أن تغيير إسلوبنا القديم لا يعني أننا ندين أو نرفض أو نقلل من شأن هذا الأسلوب.. لقد اختبرنا الرب من خلاله بطريقة معجزية رائعة، وسيظل إيماننا أننا متكلين تماماً على الرب وتدخلاته هو وليس على إعلاناتنا أو تعاطف الآخرين معنا إذ أن العمل والخدمة هي مسئولية الرب وحده وهو أمين عليها. وأذكر أن طرق الرب متسعة ومتغيرة جداً؛ ففي الوقت الذي يقودنا فيه الرب لعمل شيئٍ ما قد يقود آخرين لشيء مختلف.. فلا يوجد طريق أعلى أو أعظم.. ولكن علينا أن تظل قلوبنا ودوافعنا نقية وإيماننا قوي وعظيم وخاضعين لخطة الرب ومشيئته، ونترك للرب اختيار شكل وتفاصيل دعوة كلٍ منا أو ملامح خدمته. لذلك  ينبغي أن يكون لدينا النضوج الكافي، فليس معنى قيادة الرب لك في أحدالاتجاهات أنه أفضل من اتجاه آخر أو أن هذا الاتجاه الآخر خطأ!! ولكن معناه أن هذه هي خطة الله لك التي قد تختلف عن خطته لغيرك.

والآن أدعوك في النهاية أن تقضي وقتاً تصلي فيه وتسلم أمورك المادية للرب سواء احتياجاتك أو تقدماتك، وثق في إله أمين يسدد كل الاحتياجات.

أبي السماوي

أسلمك كل الأمور المادية في حياتي.

 أُعلنك أنك أنت الملك الذي تجلس على عرش قلبي وتمتلك كل إمكانياتي.

إلمس قلبي بروحك. إجعل إرادتي حسب إرادتك.

علمني أن أعبدك وأخدمك بأموالي وكل إمكانياتي.

حررني من المخاوف أو الشح في العطاء.

علمني أن أعطي بكل قلبي وقوتي.. وأكون مثلك عندما أعطيتني كل شيء بغنى.

دربني أن أسمع صوتك يقودني في عطائي.

وأن أفتح أحشائي بالحب لاحتياجاتك الآخرين.

واعطي قلبي الحرارة لينشغل بعملك وخدمتك كل الأيام.

واثقاً أنك أيضاً تنشغل بي وتُسدد كل احتياجاتي.

أؤمن أنك ستفعل فيّ بإسم الرب يسوع

أمين