هيـا نبني بيـت الـرب


العطاء في الكتاب المقدس

رأينا في دراستنا الأولى إحدى قصص العطاء في العهد القديم من خلال دعوة موسى للشعب للاشتراك في العطاء لبناء خيمة الاجتماع ثم انتقلنا إلى العهد الجديد حيث دعوة الرسول بولس لكنيسة كورنثوس بالاشتراك في العطاء لأجل كنيسة أورشليم. واليوم سنعود إلى العهد القديم لنرى قصة بناء هيكل الرب العظيم في أيام سليمان الملك. ولعل من اللافت للنظر في هذه المواقف الثلاث أن العطاء كان جماعياً وليس مجرد عطاءً فردياً أو من بعض الأشخاص، فلقد اشتركت كل الكنيسة معاً بحماس للاشتراك في عمل الرب.

III هيا نبني بيت الرب

 والعمل عظيم لأن الهيكل ليس لإنسان بل للرب الإله. وأنا بكل قوتي هيأت لبيت إلهي.. وأيضاً لأني سررت ببيت إلهي لي خاصة من ذهب وفضة قد دفعتها لبيت إلهي فوق جميع ما هيأته.. فمَنْ ينتدب اليوم لملء يده للرب.. وفرح الشعب بانتدابهم لأنهم بقلب كامل انتدبوا للرب.. لأن منك الجميع ومن يدك أعطيناك.. وقد علمت يا إلهي أنك أنت تمتحن القلوب وتسر بالاستقامة” 1أخ29: 1-19 كان داود يرغب في بناء الهيكل للرب، ولكن الرب أعلن له أن البناء هو مسئولية سليمان. وعندما جاء الوقت لكي يملك سليمان دعا داود الشعب وأعلن تسليم مسئولية البناء لسليمان وكانت كل العوامل مهيئة لبناء الهيكل. فسليمان المدعو من الرب موجوداً وقد علمه داود وشجعه ليتشدد بالرب، كما أعطاه تفاصيل البناء التي أخذها من الرب وكان أيضاً معه الكثيرين من العمال والحكماء لتتميم العمل، ولكن كان ينقصه شيئاً وحداً وهو الإمكانيات المادية  المطلوبة لهذا  الهيكل. وسندرس معاً من خلال القصة تفاصيل هذا العطاء العظيم الذي قدمه الشعب لنرى ما يريد الرب أن يعلمه لنا في النقاط التالية:

 

1- بيت عظيم لإله عظيم

إن إلهنا مقتدر يملأ السموات والأرض. ولهذا فكل شيء ينتسب إليه يجب أن يكون عظيماً. فالكلمة العبرية المستخدمة في الحديث عن الهيكل هنا هي نفس الكلمة التي تستخدم عن القصور العظيمة التي كانت لملوك فارس. لقد كانت الخيمة في الماضي عظيمة واليوم الهيكل يجب أن يكون عظيماً.. لقد رأى داود وسليمان من بعده أن الإله العظيم يستحق بيتاً عظيماً.. وأن شعب الرب يجب ن يكون عظيماً لأن إلهنا عظيم.. خدمته وعمله ينبغي أن تكون عظيمة.. وكل ما نعمله للرب يحب أن يكون عظيماً وذلك لأنه يستحق وأيضاً لأنه يعطينا الإمكانيات الروحية والمادية.. فحتى نحميا، العائد من السبي ليبني الأسوار، قدم عملاً عظيماً للرب (نح3:6). أحبائي، لنمتلأ بالإيمان بأن إلهنا سيعمل فينا بقدرته وسيعطينا إمكانياته العظيمة لنعمل دائماً له عملاً عظيماً وخدمة مجيدة باسم الرب يسوع. إن الرب سيعطينا كل الإمكانيات لأجل هذا العمل العظيم.

2- الغنى والكرامة من عندك

كانت أيام الملك داود من أعظم الفترات في حياة شعب الله.. كانت فترة نهضة وانتعاش وانتصارات.. ولم يكن هذا على المستوى الروحي فقط بل أيضاً على مستوى البركات المادية والمالية حيث ملأ الرب كل احتياجات شعبه وباركه. ولهذا سبح داود الرب في هذا الإصحاح كما سبحه في مواضع أخرى كثيرة (مز21-مز34-مز37) قائلاً أن الغنى والكرامة من عندك.. وأيضاً شكر الرب معلناً أن من يدك الكل.. وأن كل هذه الثروة هي من يدك. صديقي، لقد بارك الرب شعبه في القديم، فهل تعلم وتثق أن الرب يريد أن يباركك أنت في أمورك المادية؟ إنه يريد أن يحررك من العوز والنقص في حياتك.. فكلمته تؤكد إننا لن نرى صديقاً يتخلى الرب عنه.. بل رغد وغنى في بيته.. (مز3:112) وسيملأ كل احتياجاتنا حسب غناه في المجد (في19:4). فهيا اعلن إيمانك معي بأنك في الأيام القادمة سترى بركة الرب المادية في مجالات حياتك المختلفة.

3- من يدك أعطيناك

نعم “منك الجميع ومن يدك أعطيناك”. إن كل عطاء في حياتنا هو في الواقع تقدمة صغيرة من الكثير الذي أعطاه لنا الرب. وقبل أن يطلب داود من الشعب أن يقدم للرب كان يعلم أن الرب قدم لهم أولاً. إن  كل تعليم عن العطاء في الكتاب المقدس يرتبط دائماً  بإدراك أن الرب قد سبق وأعطاني، لقد أعطاني ابنه يسوع في الصليب.. وأعطاني أيضاً معه كل شيء. فعندما تنشغل قلوبنا بمحبة الرب ونعمته الغنية لنا، ستفيض قلوبنا حباً وشكراً وسيزداد عطاؤنا قوة وسخاءً. فإذا شعرت أنك غير قادر على العطاء أو أنك غير سخي في عطاءك، إغمض عينيك وأنظر الصليب يعلن أعظم قصة حب وعطاء. لقد بذل يسوع حياته لأجلك، وبموته كان يحمل عنك كل لعنة لكي تفيض البركات في حياتك. وتذكر أن يسوع قد دفع ثمن كل عطية صالحة في حياتك أتت وستأتي، وحينئذٍ سيفيض عطاؤك وسخاؤك للرب.

4- انشغال القلب

قدم داود مثالاً رائعاً للشعب ولنا نحن أيضا إذ كان عطاءه مميزاً جداً.. كان قلبه حاراً منشغلاً بعمل الرب، فهو الذي قال عنه الرب “رجلاً حسب قلبي الذي سيصنع كل مشيئتي” أع22:13. إن داود يمثل رسالة لنا لنتعلم منه كيف نحب الرب ونخدمه مثلما كان عطاءه مثيراً لهمة  الشعب ومُحفزاً لكل الجماعة للعطاء في ذلك الوقت. لذا فتعال ننظر ماذا حدث:

أ- كان داود يعلم إنه لن يبن البيت بنفسه، ولن يُسمى هيكل داود بل هيكل سليمان.. ولن يرجع المجد أو المدح إليه. ولكن أنظر ماذا يقول داود عن نفسه “أنا بكل قوتي هيأت لبيت إلهي”. عاش داود لسنوات يعمل بكل قوته ليجهز لبيت الرب. كان مشغولاً بالرب فعاش لأجله دون أن يفكر في ذاته أو اسمه أو مدح الآخرين له. وهنا تعلم أنه عندما تحب الرب بكل قلبك لن يهمك مَنْ الذي ينال المدح.. ولن تعرف أن تعمل شيئاً للرب إلا بكل قوتك.

ب- سررت ببيت إلهي: لم يكن داود حتى سيرى البيت . لقد مات وترك سليمان يعمل. ولكنه كان يحلم به ويحيا له ويحبه. لقد سيطرت محبة بيت الرب وخدمته على قلب داود ولهذا كان انشغاله بالبيت الذي سيبنى كثيراً جداً. لم يستخدم مركزه كملك فقط ليجمع ويعد لبناء البيت، ولكنه قدم أيضاً من ماله الخاص فوق كل ما هيأ.. قدم عطاءً وفيراً جداً.. قدم بمفرده أقل قليلاً مما قدمه كل الرؤساء مجتمعين. لهذا تعلم أنه عندما تحب الرب لن تعطي فقط نسبة صغيرة مما عندك ولكن سيكون لك الرغبة أن تعطي كل ما عندك إن استطعت.

5- دعوة للعطاء

قدم داود الدعوة للرؤساء والشعب ليشتركوا في بناء البيت.. طلب منهم أن يعبدوا الرب  ويخدموه بتقدماتهم المادية.. كان يؤمن بأن الرب يستطيع أن يسدد كل تكلفة البناء وإذا احتاج البيت إمكانيات غير موجودة مؤكد كان الرب سيسددها.. ولكن كيف نطلب من الرب أن يسدد ونحن نملك القدرة للتسديد؟.. لقد كان داود شخصاً أميناً وصادقاً إذ كان يعلم أن الشعب ورؤساؤه يملكون ما يكفي للبناء، فلم ينتظر أن يرسل الرب معونة مادية بينما الشعب يمتلك ما يقدمه للبناء.. أحبائي، يجب أن نكون أمناء في صلواتنا ولا نكون بخلاء في عطاءنا.. قدم للرب ما عندك وسيعطيك هو أكثر مما تطلب.. عند معجزة إشباع الجموع لم يكن هناك غير الخمس أرغفة والسمكتين، ولكن أنظر ماذا فعل الرب بهم عندما تُـقدم له كل ما تملك؟ لهذا قدم ما عندك، قليلا كان أم كثيراً، وسيجعله الرب كافياً بل وفائضاً.

6- إملأ يدك للرب

أريد ن أشير إلى الكلمة الثمينة التي إستخدمها داود في دعوته للشعب قائلاً “فمن ينتدب اليوم لملء يده للرب” إن تعبير ملء يده للرب تعبيراً جميلاً اقتبسه داود من شريعة تقديس الكهنة في خر29 حيث كانوا يعدون للخدمة ويخصصون لها بذبيح الملأ، حيث يملأ الكهنة أيديهم من الذبيحة وكأنهم يعلنون بهذا أنهم للرب بالكامل.. وداود هنا يريد أن يقول أنك عندما تعطي للرب ينبغي أولاُ أن يكون قلبك وتكريسك بالكامل له. فعندما تقدم للرب يجب أن يكون قلبك كاملاً تماماً مثل الكهنة الذين يقدمون حياتهم للرب قبل عبادتهم وخدمتهم. ولهذا يجب أن تعطي بكل القلب.

7- بفرح.. واستقامة.. وإلى الأبد

يقول الكتاب أن داود فرح فرحاً عظيماً، وأيضاً رأى داود أن كل الشعب كان فرحاً بعد أن قدموا للرب. أحبائي، إن العطاء هو إحدى القنوات التي يستخدمها الروح القدس ليملأك بالفرح. ولاحظ معي أن فرح داود كان عظيماً وفرح الشعب كان واضحاً.. ولكن للأسف يحرم الكثيرون أنفسهم من اختبار فرحة العطاء للرب. بكل تأكيد هناك فرح خاص لن تختبره إلا وأنت تعطي الرب مما تملك وبكل قوتك.

ولكن داود لم يشر إلى الفرح فقط  ولكن إلى الاستقامة أيضاً.. لقد رأى داود الفرح في النفوس ولكنه لم يستطع أن يرى القلوب؛ فالقلوب لا يراها إلا الرب وحده.. صديقي، في كل مرة تعطي للرب تذكر أن الرب يمتحن قلبك ودوافعك للعطاء وهو يريد أن يُسر بأن يرى قلبك مستقيماً أمامه، نقياً في دوافع عطاءك، دون علة ولا مرض في عطاءك (وهذه النقطة سندرسها بالتفصيل في أحد الدروس القادمة).. لذا أطلب الآن من الرب أن يمتحن قلبك  ويرشدك إلى أي شيء يجعل عطاؤك غير نقي أمامه لتغتسل منه.

 ومن الرائع أن داود صلى لكي يظل الشعب حاراً في حبه ومستمراً في عطاءه إلى الأبد. إن عطاءك للرب لن يكون يوماً واحداً، ولا مجرد موقف عابر بل سيكون اتجاه حياة تحيا فيه على الدوام..

 

صلاة

أيها الأب السماوي أنا أؤمن أنك باركتني وستباركني أكثر وأكثر

فأشعل قلبي ليحبك دائماً واعطني أن أعمل لك دائماً بكل قوتي

ودعني أملأ يدي مكرساً قلبي أولاً ومقدماً عطائي فائضاً

فيفيض فرحك داخلي ويستمر عطائي كل الحياة

أمين