كيف ننهي عاماً ونستقبل عاماً جديداً

كيف ننهي عاماً ونستقبل عاماً جديداً

 في سفر صموئيل الأول يذكر لنا الكتاب المقدس هذه الكلمات عن حنة أم صموئيل قائلاً ” وكان صموئيل يخدم أمام الرب.. وعملت له أمه جبة صغيرة وأصعدتها له من سنة إلى سنة عند صعودها مع رجلها لذبح الذبيحة السنوية.. وكبر الصبي صموئيل عند الرب..” 1صم2: 18-21 .

تعكس لنا هذه الكلمات الحكمة التي تمتعت بها حنة في تعاملها مع الصبي صموئيل الذي كان ينمو ويكبر مع الأيام.  كانت تحضر له جبة جديدة مع بداية كل عام إذ كانت تدرك أن الجبة القديمة لم تعد تناسب هذا الصبي الذي كان ينمو. بالطبع كانت الجبة القديمة جيدة وصالحة لطوال العام الماضي، وكان صموئيل يتمتع  ويفرح بها إذ كانت تبدو جميلة عليه. أما الآن – وبعد مضي عام كامل – صارت الجبة قديمة مستهلكة لا تناسب للصبي الذي كبر عاماً وازداد في الحجم والوزن.

أريد أن أوضح لك شيئاً ثميناً؛ فمثلما اهتمت حنة بابنها صموئيل وكانت تباركه مع بداية كل عام وتهديه جبة جديدة ليفرح بها، هكذا أيضاً أباك السماوي يحبك جداً ولديه أموراً جديدة يهديها لك مع بداية كل عام.. إن سنوات حياتك ثمينة لديه، وهو يحتفل معك بسنوات عمرك كأي أب حقيقي يحب أبناءه. إنه يفرح بك وهو يراك تنمو وتكبر أمام عينيه وتتحقق فيك أحلامه تجاهك. ولهذا هو يجهز لك هديته الجديدة مع بداية العام الجديد، عالماً أن عطايا العام الماضي لم تعد كافية لمواجهة عام جديد.

لذا علينا أن ندرك أن هناك أموراً في حياتنا كانت تبدو جميلة ورائعة وفرحنا بها مع بداية العام الماضي، ولكنها الآن أصبحت لا تكفي لعام جديد حتى لو كانت بعض هذه الأمور هي عطايا من الرب نفسه لنا. أحبائي، إن البعض لم يغير جبته ليس لعام واحد فقط بل لعدة سنوات مضت؛ إنه لا ينمو ولا يتغير إذ لا يزال يعيش بنفس الأحلام والأفكار بل والاختبارات القديمة التي كانت لديه منذ سنوات مضت ولم تعد كافية اليوم، وإذ السنوات تمضي ويحتفل ببداية الأعوام، ولكنه احتفال بمجرد عام جديد شكلاً دون الواقع.

دعونا نتذكر الآن  كلمات الرسول بولس ” لما كنت طفلاً كطفل كنت أتكلم وكطفل كنت أفطن وكطفل كنت أفتكر. ولكن لما صرت رجلاً أبطلت ما للطفل. ” 1كو13: 11 يعلن لنا الرسول بولس في هذه الآية بكل وضوح أنه عندما ننمو وننتقل من عام إلى آخر لن نأخذ فقط أموراً جديدة بل أيضاً ستبطل أموراً قديمة كانت تتناسب مع طفولتنا ومرحلتنا السابقة ولكنها الآن لم تعد تتناسب معنا.

ولهذا أدعوكم يا أحبائي أن لا تسمحوا لدوامة الحياة أن تشغلنا معها، بل تعالوا نهدأ ونجلس قليلاً لنقّيم حياتنا. وبالتأكيد إني أدعوك أن تفعل هذا من خلال علاقة حقيقية شخصية مع الرب يسوع وأنت جالس في حضوره وخاضعاً لقيادته. وليكن محور صلاتك وتقييمك أمام الرب هو:

  • الجبة القديمة لم تعد  تناسبني في العام الجديد، إذاً فما هي الجبة الجديدة لي لهذا العام؟

  • لما صرت رجلاً أبطلت ما للطفل، فما هي الأمور التي  يجب أن تنتهي وتبطل من حياتي؟

والآن إليك بعض الخطوات العملية لتعينك أن تبدأ عاماً مختلفاً مع إلهك:

1)  أدخل إلى محضره

 هيا أغلق بابك وانفرد بإلهك ولتعد قلبك أمامه لأنه يريد أن يتحدث إليك. لا تتعجل الخروج من محضره  فهو يحب الشركة معك، فالأوقات التي تقضيها أمامه تصنع داخلك تغييرات ثمينة ومميزة لا تعوض. اخضع حياتك له وسلمه أمورك كلها. لا تحيا بأفكارك وخططك ولا بتأثير كلمات الناس على حياتك. تواضع تحت يده وثق في محبته ولتكن مستعداً للقاء قوي معه. أعط مع نهاية العام أوقاتاً متكررة للجلوس أمامه، وسترى حضوره وتزداد اختباراتك معه بل وتتعمق يوماً فيوم. واعلم أن التغيير الحقيقي لا تستطيع أن تصنعه أنت بمفردك بل يصنعه الرب فيك بروحه كلما وجدك خاضعاً ومنتظراً أمامه.

2)  تعامل مع الجبة القديمة

كان المَنْ بمثابة طعاماً سماوي ينزله الرب على شعبه صباح كل يوم. ويا له من طعام ثمين يشير للشبع بالرب يسوع نفسه وبكلمته الحية. وبالتأمل في قصة المَنْ نجد أن هناك أمراً غريباً كان يحدث وهو أنه لا يمكن الاحتفاظ به للغد، فإن بات للغد كان يصيبه الدود ويصير نتناً. كان هذا الطعام السماوي  كافياً ليومه فقط ولا تستطيع أن تأكل منه في الغد لأن الرب كان يقدم لهم مناً جديداً في كل يوم جديد (خر16: 19-21),   وهكذا، فإن كلمات الرب لك ومشيئته في حياتك بل واختباراتك في العام الماضي كانت تناسبك وتشبعك طوال عام مضى، ولكنها غير كافية لتغذيتك في العام الجديد. أنها لم تعد تتناسب مع النمو الروحي الذي يجهزه لك الرب. نعم لقد أكلت منها وصارت فيك وتحيا بها، ولكنك تحتاج أن تضيف إليها أموراً جديدة. أخي، لا أدعوك أن تحتقر أو تهمل معاملات الرب معك أو وعوده الماضية، فهذه أمور ثمينة لا يمكننا أن نتركها إذ صارت جزءً من كياننا الروحي ولكن حان الوقت لتضيف إليها أموراً جديدة. لهذا افرح بالأمور القديمة وأشكر الرب لأجلها ودعها تثبت في داخلك ثم تعال انطلق إلى الأمور الجديدة. تأمل كلمات الرسول بولس الشهيرة وهو يقول “.. ولكني أفعل شيئاً واحداً إذ أنا أنسى ما هو وراء وأمتد إلى ما هو قدام أسعى نحو الغرض.. ” في3: 13-14. بالفعل كان ينسى إنجازات وخدمات الأيام الماضية ليتطلع ويتحرك نحو الأمور الجديدة.

3)  تعامل مع الوعود القديمة

تتحقق بعض الوعود الإلهية في لحظة واحدة مثلما حدث مع ابن خادم الملك الذي أخذ يتعافى في نفس الساعة التي نطق بها يسوع بكلمات الشفاء يو4: 52-53، ولكن بكل تأكيد هناك وعود تتحقق بعد فترات من الزمن، وليست قصة إبراهيم أبو الإيمان وتحقيق الوعد بإسحق إلا مثالاً لهذا. ولكن للأسف، كم رأيت من مؤمنين أحباء يتألمون وتمتلأ وجوههم بالخيبة وعيونهم بالدموع وهم يحملون مواعيد لم تتحقق بعد إلى العام الجديد. كلا يا أحبائي، لا تسمح للعدو أن يؤذي إيمانك ويجرح مشاعرك ويتهمك أو يتهم إلهك. فإن كنت قد أخذت وعوداً حقيقية وانتظرتها بالإيمان ولم تتحقق فلا تفشل. إنها ستأتي إتياناً ولن تتأخر، فقط انتظر وقت الرب وأعلم أنه لن يخذلك. لا تشعر أن الرب قد خذلك بل تأكد أن التوقيت الإلهي لم يأتِ بعد. فلا تفشل بسبب تأخر تحقيق الوعد ولا تهمل هذه الوعود كأمور قديمة وتتركها، بل تمسك بها وأحييها من جديد وأعلن أمام ا لرب أنك ما زلت تنتظره بفرح.. فتتحول دموع الفشل والإحباط إلى دموع الفرح والثقة في انتظار الرب لأنها حتماً آتيه “.. بالإيمان والأناة يرثون المواعيد” عب6: 12

4)  استقبل إعلاناً جديداً

إن الرب يريد أن يخبرك بأمور آتية.. يريد أن يعلن لك بركات ووعود جديدة.. يريدك أن ترى بعينيه هو ما أعده لك. لا تتعجل من الذهاب من أمامه وهو سيخبرك بكل تأكيد. استمر تعبده بفرح وأشكره بهتاف وأسجد له بحب وإيمان وخشوع فسر الرب لخائفيه (مز25: 14) فما أعظم الجود الذي ذخره لك وسيفعله معك (مز31: 19)   خذ منه أهدافاً جديدة للعام الجديد، ولا تحد نفسك في حدود صنعتها أنت لنفسك بل دعه يصنع فيك مقاصده ومشيئته. ياله من عام جديد ويالها من مشيئة صالحة وخطة عظيمة يذخرها لك الرب ويريد أن يعلنها لك ويسكبها على حياتك. لذا ضع في قلبك أنك بنعمة الرب ومعونة الروح القدس ستحيا لتحقيق ما تحدث لك به.

5)  تخلص من الطفوليات القديمة

قال الرسول بولس “أبطلت ما للطفل”، فتعالوا يا أحبائي نسمح لروح الله أن ينقينا ويغسلنا من كل خطايا وأخطاء تركناها ترعي في حياتنا في العام الماضي. دعونا نسمح له أن يهز حياتنا كما تهب الريح على الأشجار في الخريف فتسقط عنا أوراقها القديمة والميتة. دعونا نكشف حياتنا أمامه، وبقلب متضع ومتعطش لعمل الرب دعونا نخضع أنفسنا له بالكامل، وهو سيفضح لنا هذه الأمور بل وسيأتي بقوته ليخلق فينا إرادة التغيير ورغبة الانطلاق، وبقوة جديدة تبطل ما للطفل وتتجه نحو النضوج. نعم الله هو العامل فيك أن تريد وأن تعمل (في2: 13).. وهو الآن يدفعك بكل قوة لتنطلق بحماس وفرح من وطأة أي أثقال في حياتك ومن وسط أي مشاعر متألمة شيطانية.. إنه يدفعك لتنطلق بفرح إلى عام جديد برؤيا وإعلان جديد.

أبي السماوي
اعطني أن آتي وأجلس أمامك أعترف لك بكل معطلات وطفوليات تركتها في حياتي أعترف لك بكل استسلام للأمور القديمة دون الانطلاق إلى الأمام وأعترف لك أيضاً بكل مشاعر جريحة أو شعور بالخيبة أرسله العدو إلى قلبي ولكني أثق في نعمتك وحبك الذي يجدد العهد
أثق في روح القيامة والحياة الذي ينعش ويجدد حماسي وإيماني وأشكرك لأجل ما ذخرته لي في العام الجديد أعطني أن أستقبل إعلانا جديداً لهذا العام وأعطني قوة لأسير بحسب كلماتك محققاً وعودك وكل مشيئتك لمجدك في حياتي
آميـــن