مكتبة


 

فيك شفائي

كان “نعمان” رجلاً عظيماً رئيس جيش يسكن في مدينة أرام بسوريا حيث الجبال المرتفعة والطبيعة الخلابة. وكان الرجل جبار بأس ذا نفوذ قوي وشخصية جذابة.. معتداً بنفسه وواثقاً في قوة إمكاناته.. كان يسير مرفوع الرأس وهو يمتطي جواده وسط هتافات شعبه تتابعه أعين المارة بنظرات التقدير والاحترام والحب. كان رجلاً يعلم كيف يقود الآخرين ويتحمل المسؤوليات. ربما كان يحسده البعض ويتمنون لو كانوا مكانه.. أو كانت ظروفهم تتشابه مع ظروفه.. وربما حلمت الفتيات لو كن قد تزوجن برجلٍ مثل هذا!

وها هي الأيام تمضي ونعمان يتمتع مع عائلته بكل هذه النعم والقوة والثروة. وفي يوم من الأيام فوجئ نعمان بما لم يكن يتوقعه على الإطلاق. إصطدم بأسوأ نبأ يمكن أن يعكر صفو حياته ويقلب كل مقاييس تفكيره. لقد إكتشف أن هناك مرضاً بدأ يتسرب إلى جسده. لم يكن مرضاً بسيطاً يبرأ مع الأيام، بل كان من أخطر الأمراض التي تدمر جسد الإنسان.. إنه مرض البرص. *1

ومن المعروف أن أعراض مرض البرص في ذلك الوقت كانت تبدأ بظهوربقع بيضاء صغيرة على الجلد واليدين ثم ينتشر تدريجياً في كل الجسد فيجعل الشعر أبيض ويصيب الجلد بتورم وقروح. ويتفاقم المرض ليتغلغل إلى الداخل حتى يصل إلى العظام ليصيب الجسم بالتآكل والتعفن شيئاً فشيئاً حتى يؤدي إلى موتٍ محتوم. كان مرضاً غير قابل للشفاء. قال أحدهم أن الأبرص عبارة عن “قبر متحرك”، وهذا بالضبط ما قيل عن مريم أخت موسى عندما أصيبت بهذا المرض كنوع من التأديب الإلهي عندما تذمرت ضد موسى “.. كالميت (كالجنين الميت) الذي يكون عند خروجه من رحم أمه قد أُكل نصف لحمه” (عدد 12: 12). كما كان من الشائع أن بعض الأنواع منه كانت مُعدية، ولهذا كان المصابون به يُعزلون خارج المجتمع.

إذاً ما فائدة كل هذا النعيم*2 وقد أصبح نعمان مصاباً بالبرص؟! وماذا سينتفع حتى ولو كان من أعظم الرجال ومن أقوى المحاربين وأيامه تقترب من الانتهاء؟!

تخيل معي مشاعر رجل مثل نعمان وهو يفكر في أيامه القادمة! فمن خبراته الشخصية ومن خبرات المجمتع حوله كان يعلم تماماً كل ما سيحدث له إذ كان مصيره الانعزال عن المجتمع ثم الموت المؤكد. كيف يمكن لشخص مثل هذا أن ينعزل وحيداً بعيداً عن دفء الأسرة والأصدقاء دون أن يقترب إليه أحد أو يلمسه حتى زوجته وأولاده وهم أقرب الناس إليه؟! كيف وبعد أن كان هو الآمر الناهي الذي يخضع له الجميع، يجد نفسه يوماً ما مهملاً مطروداً يخاف الناس التعامل معه؟! كيف وبعد أن كان رئيس جيش عظيماً يُجرَّد من مركزه وسلطته يوم أن يكتشف الناس مرضه؟ وماذا عن وضع مستقبله؟!

وتُرى ماهي الأحاديث السرية التي كانت تدور بين نعمان وإمرأته عندما علما بهذا الأمر؟ بالطبع لم يكن نعمان يريد أن يموت إذ كان لا يعلم إلى أين سيذهب بعد موته.. وقد توقف بل وشُل عقل زوجته عن التفكير فيما سيحدث لها بعد وفاة زوجها. والكثير والكثير من المشاعر المضطربة المتأججة التي كانت تعم أجواء البيت. نعم عاشا معاً فترات امتزجت فيها ذكريات الماضي الحلوة

مع الخوف من المستقبل المجهول. ويا للأسف، فقد حدث معهما مثلما يحدث مع كثير من الأسر اليوم؟ فبعد أن كانت الأسرة تحيا معاً في جو من البهجة والطمأنينة، تجد أجواء الحزن والخوف تسيطر عليها بين يوم وليلة!

أما في الكتاب المقدس بعهديه القديم والجديد، كان من المعروف وسط شعب الله أن مرض البرص يرمز إلى الخطية والنجاسة حتى أنه كان من الممنوع أن يلمس أحد شخصاً أبرص وإلا يتنجس مثله ويحتاج إلى تطهير.

ولهذا، وحسب شريعة شعب الله في العهد القديم، كان المُصاب بهذا المرض يُطرد من المدن إلى مخيمات العزل بعيداً عن الأهل والأصدقاء مهما كان شأنه أو مركزه، ويظل نجساً طوال فترة مرضه يقيم وحده خارج المحلة معزولاً لكي لا يلمسه أحد (لا 13: 45-46). وكان على المُصاب بداء البرص أن يشق ثيابه ويكشف رأسه ويُغطي شاربيه وهو ينادي على نفسه “نجس! نجس!”.

ولكن قد تتساءل أية خطية هذه التي نتحدث عنها؟! تُرى ماهي خطية ذلك الرجل العظيم؟ وما الذي فعله ليُصاب بمثل هذا المرض الفتاك؟ تُرى كََمْ من نفوس تتساءل حتى يومنا هذا عن أسباب الكوارث والأحداث المؤلمة التي تحدث معهم في حياتهم أو في حياة مَنْ حولهم؟ والإجابة في كثير من الأحيان هي الخطية!!

ربما لم يكن “نعمان” رجلاً شريراً أو خاطئاً في نظر الناس.. ربما كان رجلاً طيباً أميناً لوطنه يدخل المعارك ظناً منه أنه يدافع عن أهله وأرضه. ولكن ألم يكن يحيا بعيداً عن الله ولا علاقة له به، يسكن في بلادٍ وثنية لا تعترف بالإله الحي حتى إنه كان ينتصر في حروبه ضد شعب الله ويأخذ منهم أسراه؟ ألم يكن في الواقع يعيش في غربة عن الإله الحقيقي؟ ألا يُعد ذلك خطية؟ أليس الانفصال والابتعاد عن الله في حد ذاته خطية؟

نعم يا أحبائي، إن خطية كثيرين هي تجاهل الله والابتعاد عنه أو حتى مجرد الانشغال عنه. وإليك ما تفعله الخطية؛ فقد يبدو كل شيء من الخارج حلواً جميلاً كما كان الحال مع نعمان.. وها هي الأعوام تعبر يوماً بعد يوم دون أن يكترث الإنسان أن يعطي حياته للرب أو تكون له علاقة حيَّة معه. وفجأة يكتشف أن كل ما كان يستند عليه هو رمال تندثر مع الرياح.. تُهدم وتزول. أقول لك إن الخطية مدمرة جداً تعزلك عن كل شيء وتملأ حياتك بالخوف وبالقلق.. وعاقبتها الموت “لأن أجرة الخطية هي موت..” رو 6: 23.

لهذا وقبل أن نستكمل أحداث القصة معاً، أدعوك ألا تدع الأيام تمضي بك دون أن تشعر باحتياجك لله. فإن كنت مثل “نعمان” وبدأت تفقد أموراً كثيرة، أوتشعر أن آمالك قد خابت بسبب الخطية وبُعدك عن الله.. وإن كنت تشعر أن هناك موتاً يلاحقك من كل جانب ولا تعلم إلى أين تذهب، أدعوك أن تعطي حياتك للرب الآن.. وثق في يده التي تستطيع أن تصنع معجزة في أحلك ظروف حياتك وتنتشلك من موت مثل هذا.

فتاة صغيرة لكنها..

ووسط أجواء الذعر التي كانت تعم ذاك البيت الكبير، كانت هناك “فتاة صغيرة” سباها نعمان في إحدى معاركه ضد شعب الله وأتى بها إلى بيته وجعلها من خادماته. كانت تلك الفتاة تعيش يوماً ما مع شعب الله وسط دفء الأهل والأصدقاء تتمتع بالحب والعناق. كانت أذناها تستمعان كل يومٍ إلى كلمات تعظيم للإله الحي إذ كان أبواها بكل تأكيد يعلمانها كلماته ويتحدثان دائماً معها عن أعمال الله العظيمة وسط شعبه، وعن معجزاته معهم. ومع الأيام امتلأت هذه الفتاة حباً للرب وتيقنت في داخلها أن يهوه هو الإله الحقيقي.

وفجأة وجدت هذه الفتاة نفسها مسبية في أرضٍ غريبة وسط شعبٍ يتكلم لغة غريبة ولديه عادات وتقاليد بل وأفكار مختلفة. وجدت نفسها وسط شعب وثني لا يعرف مَنْ هو الإله الحي.

ليست وحيدة

لم يذكر الكتاب المقدس اسمها بل قال أنها “فتاة صغيرة”. ربما لم يكن نعمان نفسه يعرف اسمها إذ كان لديه خدمٌ كثير، وعندما تحدث عنها قال “الجارية التي من أرض إسرائيل”. كانت مجرد جارية! تُرى لماذا قصد الوحي هذا؟ لماذا لم يُذكر اسمها وقد ذكر الكتاب المقدس الكثير والكثير من الأسماء؟ كان الوحي يقصد أن يوضح أنها كانت بلا قيمة في نظر الناس والمجتمع. كانت وحيدة ليس مَنْ يسأل عنها أو يهتم بها في وحدتها.. ليس مَنْ يفهمها.. ليس مَنْ يعوض لها عن دفء حب الوالدين وأمان الأهل.. من فتاة مدللة في بيت أبيها إلى جارية تتعب في بيت سيدها.. ولكن الله كان معها. لم يكن لديها أي سند بشري أو إمكانات كثيرة، لكنها كانت تنتمي إلى شعب الله. فتاة في أرض غريبة ووطن بعيد، لكن الله كان كل كفايتها!!

يا له من امتياز عظيم أن تكون من شعب الرب وتتمتع بحضوره معك في كل ظروفك. فأنت أيضاً يمكنك أن تعطي حياتك للرب فتعيش مختلفاً مهما كانت ظروفك. فقد تكون محروماً من عطف والديك لأي سبب.. أو جُرحت من فقدان أصدقائك أو شريك حياتك، لكن إذا كانت لك علاقة حية مع الرب فيمكنك أن تثق أن الله معك وهو كفايتك. هو الذي سيعوض لك عن حرمان الأب والأم والأصدقاء والأهل.. وهو الذي سيقف بجانبك في كل ظروف حياتك. اعلم أنه لو تخلى الجميع عنك واضطررت أن تكون بعيداً عنهم، فإنك في الواقع لست وحيداً.. الله نفسه معك وهو الذي يقول لك كل يومٍ “لأني أنا الرب إلهك المُمسك بيمينك القائل لك لا تخف أنا أعينك” إش 41: 13. وهو الذي يقول لك أيضاً “إذا اجتزت في المياه فأنا معك وفي الأنهار فلا تغمرك. إذا مشيت في النار فلا تلذع واللهيب لا يحرقك.. إذ صرت عزيزاً في عينيَّ مُكرماً وأنا قد أحببتك..” إش 43: 2و4.

وإذا اضطررت في يومٍ ما أن تهاجر بعيداً عن وطنك وعن أحبائك ووجدت نفسك وسط أناس يختلفون عنك في كل شيء ولا تستطيع التأقلم معهم.. وتشعر بالحنين إلى وطنك وأهلك، لا تخف لأن الله لا يحده مكان. يستطيع أن يذهب معك حتى وإلى أقصى الأرض. يستطيع أن يأتي إلى غرفتك ويغمرك بحضوره. وهذا بالفعل ما قد اختبره داود النبي حين قال “من خلف ومن قدام حاصرتني (طوقتني) وجعلت عليَّ يدك (وبسطت يدك فوقي)… إن صعدت إلى السموات فأنت هناك. وإن فرشت في الهاوية (وإن جعلت فراشي في عالم الأموات) فها أنت. إن أخذت جناحي الصبح (إن استعرت أجنحة الفجر وطرت) وسكنت في أقاصي البحر فهناك أيضاً تهديني يدُك وتمسكني يمينك” (مز 139: 5-10) (ما بين القوسين من ترجمة الحياة).

وإذا ضاق بكِ الزمن يوماً وصرتِ خادمة بالمعنى الحرفي تخدمين في البيوت بعد أن كنتِ تمتلكين المال وتعيشين وسط الأهل، أو إذا كنت صاحب مشروع وقد ظلمك الناس وسلبوك حقوقك بالعنف والآن أنت تشعر بالاستعباد، أشجعك ألا تخف. فربما تكون عبداً في نظر الناس، لكن يمكنك أن تحيا حراً من مشاعر الإهانة والذل. لقد كان الرسول بولس مذلولاً في السجن عبداً بين يدي الناس، لكن في أعماقه كان يفرح بإلهه إذ يشعر أنه حر منطلق في محضر الرب لا يستطيع أحد أن يقيد نفسه.. ولم يكن يوماً ذليلاً لأحد. ويمكنك أن تؤمن أنه في الوقت المناسب سيتدخل الرب ليرفع الظلم عنك ويرد لك المسلوب.

تحب من قلبها

سمعت هذه الفتاة همسات متناثرة بين أرجاء البيت عن مرض البرص الذي أصاب سيدها. لم تصدق ما سمعت. وفي الحال شعرت بحب حقيقي يتدفق في أعماقها تجاهه مع أنه هو الذي سباها وهو الذي تسبب في ابتعادها عن كل ما كانت تحلم به. لم تستغل الفرصة لتشعر أن هذا هو وقت الانتقام من سيدها. لم تقل كلمات في قلبها مثل “هذا قضاء الله عليه؛ فهو الذي سباني.. وهو الذي حرمني من أبي وأمي.. وهو الذي تسبب في كل ما أنا عليه..”.

لم تستطع أن تكره أو أن تنتقم، ولم تبذل مجهوداً في أن تحب. كان الحب يتدفق تلقائياً من داخلها. وجدت نفسها تشفق على نعمان.. وجدت نفسها تحب سيدها جداً. وكيف لا تحب وهي من شعب الله وقد تربَّت قديماً في أجواء نقية تهاب الله؟! نعم سمعت كثيراً من أهلها عن كلمات الحب والغفران والخضوع والطاعة وقد لهجت بهذه الكلمات كثيراً في وحدتها. وربما- بل وأكيد رغم أن الكتاب لم يذكر هذا- أن أبويها قد صليا لها كثيراً كي يحفظها الله ويحيطها بعنايته في أرض غربتها حيث لا يؤمن أحد بالإله الحقيقي. قد يبدو- في نظر الناس- أن كل شيء قد ضاع منها ولكن هذه الكلمات التي غُرست داخلها لم تضع قط، ولم تُفقد وسط منطق العالم حولها، بل تغلغلت داخلها يوماً بعد يوم.

بالفعل لم تسمع هذه الفتاة عن الإله الحي فقط بل كان الله نفسه معها ولها شركة حقيقية معه، ولهذا كانت مختلفة! فبمجرد أن سمعت خبر مرض سيدها، لم تستسلم للامبالاة، بل جلست تفكر وحيدة كيف تستطيع أن تنقذ حياة سيدها، فهي تحبه ولا تريده أن يموت. وللتو عادت بذاكرتها إلى أرض الوطن وتذكرت ذلك النبي الذي يُدعى “أليشع” الذي طالما سمعت قصصاً كثيرة عن المعجزات التي صنعها وسط شعبها.. وربما تكون قد شاهدته والرب يستخدمه ليشفي أحد جيرانها الذي كان مصاباً بمرضٍ خطير.

وفي حيرتها قررت أن تخبر سيدتها، زوجة نعمان، بما تعرفه عن هذا النبي. لم تبخل عليها بما لديها من معلومات. ذهبت إليها بكل ما تمتلك من مشاعر حب ووقفت أمامها وهي تقول لها بصوتٍ هادئ تلك الكلمات الرائعة “.. يا ليت سيدي يقف أمام النبي الذي في السامرة فإنه كان يشفيه من برصه”.

هل تعلم ما معنى كلمة “يا ليت” هنا؟ إنها تعني “كَمْ أتمنى!.. كَمْ ستكون سعادتي وفرحي!”. نعم شعرت أن سعادتها تكمن في شفاء سيدها الذي أساء إليها وتمنت لو أنه سافر إلى بلادها ووقف أمام أليشع النبي لينال الشفاء من برصه.

فكر معي للحظة كيف يمكن لهذه الفتاة أن تحب هكذا من كل القلب؟! أريد أن أؤكد لك أنك بالمنطق الطبيعي لن تستطيع أن تحب مَنْ ظلموك أو مَنْ جرحوك وأساءوا إليك ما لم تتلامس مع حب الله الحقيقي لك. وعندما تختبر الحب المجاني الذي أحبك به رغم ضعفك وعيوبك، حينئذٍ فقط ستجد نفسك تحب من تلقاء ذاتك حتى وإن كان هذا عكس شخصيتك وميولك الطبيعية.

تُرى ماذا كنت ستفعل لو كنت مكان هذه الفتاة الصغيرة؟ هل كنت ستنتقم وتفرح داخلك وتشمت فيمَنْ أساءوا إليك، أم كنت ستشعر كما شعرت تلك الفتاة؟ بالفعل جلست مع أناس كثيرين تعرضوا لمواقف من الآخرين أقل كثيراً مما تعرضت له هذه الفتاة وكانت النتيجة أنهم أصيبوا بجراح داخلية عميقة، ولم يرضوا أن يغفروا ورفضوا أن يصفحوا. ألا تعرف لماذا؟ لأنهم لم يختبروا حب الله العميق لهم ولم يتلامسوا مع قوة غفرانه لحياتهم. لذا إن كنت- وأنت تقرأ هذا الكتيب- لا تستطيع أن تغفر لبعض الناس ولا تقدر أن تحبهم، أدعوك الآن أن تعطي حياتك بالكامل للرب وأن تملَّكه على حياتك، حينئذٍ ستختبر ما لم تستطع أن تختبره من قبل، وسترى الرب يسكب محبته في قلبك فيغيِّر في أعماقك ما لم تستطع أن تغيره أنت بمفردك.

هذا بالفعل ما يحدث دائماً مع كل مَنْ يُعطي حياته للرب يسوع. فكر معي في قصة إستفانوس في (أع7: 54- 60) وكيف حنق الجموع بقلوبهم وصرُّوا بأسنانهم عليه، وهجموا عليه بقسوة، وأخرجوه خارج المدينة ورجموه. كان إستفانوس يعلم تماماً أنهم يريدون ليس إيذائه فقط بل قتله. أما هو فكان ممتلئاً من الروح القدس وقد شخص إلى السماء وجثا على ركبتيه وهو يصرخ بصوت عظيم إلى الرب ألا يقم لهم هذه الخطية. كيف يمكن هذا؟

وفي هذا المشهد كان شاول الطرسوسي واقفاً. “وكان شاول راضياً بقتله” أع8: 1 فرحاً بما يحدث لإستفانوس. ولكن ما أن اختبر محبة الله له في الطريق وتحوَّل إلى بولس الرسول، حتى صارت له أحشاء رأفة واستطاع أن يحب كل أنواع الناس حتى أعدائه. وهذا ما عبَّر عنه عندما كان يخدم بين الكنائس، غير منتظر لمحبة الآخرين له. فقال “وأنا، بكل سرور، أُنفق ما عندي، بل أُنفق نفسي لأجل أنفسكم، وإن كنت كلما زادت محبتي ألقى حباً أقل*3 “. وقد عبَّر عن سر هذه المحبة قائلاً “.. لأن محبة الله قد انسكبت في قلوبنا بالروح القدس المُعطى لنا” رو5: 5.

تُرى هل تريد أن تكون مثل هؤلاء؟

تغامر بحياتها

دعونا نرجع إلى قصة تلك الفتاة الصغيرة وسنجد أنها لم تحب فقط، بل أن حبها هذا قد دفعها إلى أن تغامر وتخاطر بحياتها لأجل مَنْ تحبه. تخيل معي ماذا سيكون مصيرها لو كانت أخبرت سيدها بالنبي الذي في السامرة ووافق سيدها على الذهاب إلى بلدتها.. ووافق أن يحتمل مشقة السفر ويقطع مسافة طويلة في رحلة مضنية شاقة.. ووافق أن يتنازل عن كرامته ويمثل أمام النبي أليشع في السامرة مع كونه رئيس جيش عظيم لأرام.. وبعد كل هذا تُرى ماذا سيكون موقفها لو لم يُشفى؟ وماذا سيحدث لها عند عودته؟ وكيف سينتقم منها؟

مؤكد أنها فكرت في داخلها في كل هذا لكنها لم تبالي بمصيرها. كان الحب الذي بداخلها أقوى من التفكير في ذاتها. كان هذا الحب هو الدافع القوي الذي جعلها تخاطر بحياتها.

وإذا ألقينا نظرة سريعة عبر الكتاب المقدس بعهديه، سنرى الكثير والكثير من الناس البسطاء الذين خاطروا بحياتهم من أجل الرب الذي أحبهم أولاً وأحبوه كرد فعل لحبه. فيمكنك أن تقرأ عن الأبطال الذين كانوا مع داود في العهد القديم وكيف خاطروا بحياتهم في الكثير من المواقف من أجل الرب ومن أجل شعب الرب (2صم 23: 8-23). وفي العهد الجديد نجد الكثيرين من الذين خاطروا بحياتهم من بينهم بريسكلا وأكيلا اللذان من أجل خدمة الرب وضعا عنقيهما لأجل الرسول بولس (رو16: 3-4).. وأنسيفورس الذي كان مصدر عزاء وانتعاش للرسول بولس في أوقات كثيرة، كما أنه لم يخجل منه لكونه في السجن. بل على العكس من ذلك، فحين وصل إلى روما، فتش عنه وبحث عنه بكل جد حتى وجده رغم أن هذا لم يكن بالأمر السهل (2 تي 1: 16-17).. وأبفرودتس الذي أوشك أن يموت من أجل عمل المسيح وخاطر بحياته لكي يتمم ما لم يكن بإمكان الآخرين أن يتمموه من خدمة الرسول بولس (في2: 30).

ولم تقف أمثلة التاريخ عند هذا الحد.. ولم تنته القصص البطولية عند الكتاب المقدس، إنما نستطيع أن نجد الكثيرين والكثيرين حتى يومنا هذا ممَنْ أعطوا حياتهم للرب وقرروا أن يحيوا له بكل الحب والتضحية. فهناك مَنْ يضحي بأوقاته وصحته بل وماله لكي يخدم الآخرين ويغسل أقدامهم ليريحهم.. وهناك مَنْ يترك أهله وبلده بكل إرادته لكي يذهب بعيداً في رحلات تبشيرية إلى بلاد لم يُسمى بها اسم المسيح.. وهناك مَنْ يتنازل عن كرامته من أجل أن يكلم نفساً عن المسيح.. وهناك مَنْ يدخل السجن من أجل معرفة الرب. وها هي الفتاة الصغيرة تغامر بحياتها في محاولة منها لإنقاذ سيدها وحصوله على الشفاء؛ إنها تريده أن يتعرف على الرب إلهها القوي. وليس أعظم من هذه الفرصة، فكيف يمكن أن تفوتها؟

أريد أن أطرح عليك أموراً هامة، تُرى كَمْ أمضيت في هذا العالم وكَمْ ستمضي من أعوام أخرى؟ وكيف تقضي حياتك؟ هل ستقضيها من أجل نفسك أم تريد أن تحيا لهدف أعظم وهو أن تحيا للرب بكل كيانك؟ ألا تتوق أن تعيش للرب كما عاشت هذه الفتاة؟ ألا تشتاق أن تصنع وقفة وتضع فاصلاً لِما تعيشه الآن وما تشتاق إليه في حياتك؟ رجاء كن صريحاً مع نفسك ولاتدع العمر يمضي بك دون أن تشعر.. رجاء.

أدعوك من كل قلبي ألا تحيا حياة فارغة بلا هدف أو معنى. ما أروع وما أثمن أن تعطي حياتك للرب وأن تضحي من أجله! كفى حياة بلا معنى وكفى العيش بمفردك من أجل تحقيق ذاتك وأحلامك وأنت أبعد ما يكون عن الرب.

وأحذرك من أن تتخيل أنني أشجعك أن تقوم ببطولات عظيمة في حياتك دون أن تتقابل بالفعل مع شخص الرب يسوع الذي يغير حياتك، لأنه حينئذٍ فقط ستجد نفسك تحيا بطريقة مختلفة من أجل الرب، وحينئذٍ فقط سيقودك الرب للطرق التي بها تعبِّر عن محبتك له. كانت فتاة صغيرة خادمة وسط كثيرات من فتيات أخريات ربما كن قد فعلن أموراً عظيمة ولم يذكر الكتاب أياً منهن. هل تعرف لماذا؟ لأن هذه الفتاة الصغيرة قد أعطت حياتها للرب أولاً.. أحبت الرب.. أعطته السيادة على قلبها.. وها هي اليوم تترجم عملياً ما بقلبها. كيف يمكنها أن تحب وأن تضحي ما لم يكن الرب هو السيد على عرش قلبها؟!

تؤمن بإلهها

نعم لقد خاطرت هذه الفتاة بحياتها لأن إيمانها كان عظيماً أقوى من كل تحديات تقف أمامها. إنها مغامرة الحب..ولكنها أيضاً مغامرة الإيمان. لقد ذهبت بجرأة الإيمان ووقفت أمام مولاتها بلا خوف تعرض عليها أن يذهب سيدها إلى أرض أعدائه ليقف أمام أليشع النبي، لأنه إن فعل ذلك حتماً سيشفى. سيُشفى.. من أين أتت بكل هذه الجرأة؟ كيف استطاعت أن تتكلم بمثل هذه الحكمة وهذا السلطان في وقت عصيب كهذا؟ أليس هذا هو الإيمان الحقيقي والثقة في الإله الحيّ؟

لم تخف من سيدتها ولا من رد فعل سيدها ولا من كل مَنْ حولها. كانت تريد شيئاً واحداً، وهو أن يُشفى سيدها وأن يتلامس مع الله الذي كان يجهله. لم تخف أن يستهزئ بها أحد أو يقول لها “نبي في إسرائيل! ألا يوجد كهنة أو أنبياء في أرض أرام؟ ألعلنا نلجأ إلى إلهك أنتِ..”. كلا.. لم تلق إنتباهاً لكل هذا، بل وثقت في إلهها لأنها كانت تعلم يقيناً مَنْ هو هذا الإله. لم تكن تثق في أليشع بل في إله أليشع. ليس هو إله أمس ولا ذكريات الأمس.. إنه إله اليوم والغد.. إنه الإله الذي لا يتغير أبداً. ليس هو الإله الذي يضعف تأثيره مع الأيام.. إنه الإله الذي يترك بصماته دائماً، وأعمال يديه لا تزول. رفضت أن تحيا على ذكريات الماضي، إنما كانت تعلم يقيناً أن إلهها حيّ اليوم ولن يُخزي إيمانها. أرادت أن ترى المعجزات تحدث اليوم مرة أخرى، لكن هذه المرة ستحدث في حياة سيدها الذي لا يعترف بإلهها. وكان إيمانها الجريء هو المفتاح الذي غيَّر كل مسار الأحداث! وكان إيمانها هو المفتاح الذي لفت نظر نعمان لأليشع.

أؤكد لك أن إيمانك الشخصي هام جداً جداً. هو المفتاح الذي يحرك يد الرب على كل ظروف تبدو مستحيلة أمامك .. وهو الذي يحرك السماء.. وهو الذي يفتح باب المعجزات في حياتك وفي حياة الآخرين من حولك.. وهو الذي يعظم الرب في حياتك ويفتح الأبواب المغلقة التي تعجز أنت أن تفتحها بنفسك. لذا أدعوك بالحب أن تضع إيمانك في الرب وحده وليس في خبراتك أنت أو في ظروفك لأنه هو إله العجائب العظام وحده (مز 136: 4). آمن أنه إله المستحيلات واعلن هذا في حياتك أولاً، وأمام ألآخرين أيضاً لكي يتشجع إيمانهم.

ربما لم تكن لك علاقة مع الله من قبل أو كنت مكتفياً بمجرد شكليات وتقاليد تمارسها في حياتك، وانتهى الأمر عند هذا الحد. إذا كنت من هذا النوع، فأنت تحتاج أن تأتي إلى الرب وتعطيه الكل ليصنع زلزالاً في داخلك ويُعيد ترتيب حياتك بطريقة جديدة، ويقودك إلى علاقة حيَّة وإيمان فعَّال. دعه يتحرك بكل حرية داخلك وثق أنه ليس مجرد إله شكلي.. ليس إلهاً صامتاً لا يتحرك.. إنه إله حيّ يصنع عجائب.

وربما تكون قد مررت من قبل بخبرة فشل في حياتك مع الرب ولا تستطيع الآن أن تثق فيه البتة. ربما سمعت كثيراً أن الله يستطيع أن يعمل في حياة أناس كثيرين ولكنك لا تستطيع أن تؤمن بأنه قادر أن يفعل شيئاً في حياتك أنت. وربما تقول داخلك وأنت تقرأ هذا الكتيب “أشعر أن هناك حاجزاً بيني وبين الرب.. لا أستطيع الوصول إليه، إنه بعيد جداً عني.. إنه لا يريد أن يصنع شيئاً في حياتي.. أحياناً أشعر أن هناك شيء قريب مني على وشك الحدوث، ولكن فجأة يتوقف كل شيء ولا يحدث شيئاً..”. والكثير والكثير مثل هذه الكلمات التي تدور في داخلك. تذكر أن هذه الفتاة الصغيرة كانت تجوز في واحدة من أصعب الخبرات؛ فهي مسبية في أرض غريبة بعيداً عن أهلها وبيتها بل وعن مكان العبادة، ورغم ذلك كله لم تتشكك في إلهها.

لهذا رجاء.. القِ جانباً كل خبرات الفشل هذه وتخلى عن كل هذه الكلمات السلبية الكاذبة التي يلقيها إبليس في ذهنك ليجعلك تصطدم في الرب. اليوم تستطيع أن تؤمن من جديد أن الله مستعد أن يعمل في حياتك بطريقة مختلفة عن كل ما سبق. اجعل إيمانك أعلى من كل خبرات الفشل التي مررت بها. هيا انس كل ما هو وراء وتعال ثق في الرب ليعطيك أموراً جديدة.

نعمان الأبرص يحتاج إلى الشفاء

وبعد أن رأينا تصرف الفتاة الصغيرة، تُرى ماذا كان موقف نعمان عندما سمع هذا الاقتراح من زوجته؟ تُرى ماذا فعل رئيس الجيش الذي كان غريباً عن شعب الله؟ من العجيب أنه استجاب في الحال دون تردد لكل ما تفوهت به الفتاة الصغيرة التي لم يكن يعلم عنها شيء حتى اسمها. هل تعلم لماذا؟ لأنه كان يحتاج إلى الشفاء.. لم يكن يريد أن يموت ولا أن تأتي فكرة الموت إلى مخيلته.. كان الموت كابوساً يريد أن يهرب منه.. كان يريد أن يفعل أي شيء حتى ولو كان هذا الأمر هو لجوءه إلى أرض أعدائه. وباختصار، كان نعمان يبحث عن أي شيء يخرجه من مأزقه هذا حتى ولو استلزم الأمر أن “يتعلق بقشة”.

عزيزي، تُرى كَمْ من مرة يستخدم الرب أحداث حياتك ليجذبك إليه؟ كَمْ من مرة يحاول أن يتحدث إليك وسط تحديات الحياة ليدعوك أن تلجأ إليه؟ فهل تتجاوب مع صوته مثلما تجاوب نعمان ليأتي إلى إله إسرائيل؟

وسافر نعمان في رحلة غامضة مجهولة إلى أرض شعب الله وهو لا يعلم ماذا ينتظره هناك، محمولاً على إيمان تلك الفتاة الصغيرة التي بلا اسم والتي بالتأكيد كانت تصلي لأجله من بعيد. وارتحل وانطلق ذاهباً ومعه خيله ومركباته في موكب عظيم يليق برجل عظيم مثله. وفي تصوري الخاص أعتقد أن هذا الموكب العظيم الذي سار مسافة طويلة في رحلة شاقة مضنية بحثاً عن وميض أمل، كان موكباً يعلوه الصمت، يعجز الجميع فيه وأولهم نعمان أن يفصحوا عما بداخلهم من تساؤلات وحيرة.

تُرى ماذا سيحدث لنعمان؟ هل حقاً سيُشفى أم سيرجع أدراجه منكس الرأس بعد أن كان منذ أيام قليلة يخطو وهو مرفوع الوجه؟ ماذا سيحدث لو لم يُشفى؟ كيف سيطيق فكرة انعزاله بعيداً عن المجتمع؟ وماذا سيكون مصيره بعد الموت؟ وإذا شُفيَّ من مرضه، مَنْ الذي سيشفيه؟ إله شعب إسرائيل؟ وأين إلهه هو.. لماذا لم يشفه؟ أيعبد إله اليهود ويترك الإله الوثني؟ ماذا سيقول الناس عنه وهو الآن في احتياج ماس إلى إلههم وهو الذي قد سبى من قبل إلى وطنه العديد من فتيانهم وفتياتهم؟ والكثير والكثير من تلك الأسئلة التي لا نهاية لها ولا إجابة عليها طوال الطريق. يا لها من ساعات بل وأيام عصيبة! وها هي اللحظة الحاسمة في كل هذا الطريق.. لحظة وصول هذا الموكب العظيم عند باب بيت أليشع..

أخطاء عظيمة.. ودروس أعظم

كان أليشع يريد أن يُشفى.. ورغم هذا كانت هناك أخطاء عظيمة ذكرها الكتاب المقدس وألقى عليها الضوء لكي يحذرنا منها. فكثيرون يريدون أن يأتوا إلى الرب، ولكنهم يقعون في أخطاء فادحة تجعلهم يلتفون حول أنفسهم كأنهم في دوامة ويرجعون إلى ذات النقطة دون الحصول على الحياة الجديدة أو الغفران أو الشفاء والحرية.. لذا أشكر الرب لأجل هذه القصة التي ألقت الضوء على هذه الأخطاء لكي تضع أرجلنا على الطريق الصحيح.

1- المال مقابل الشفاء

وفي رحلة نعمان الطويلة وفي طريقه إلى أليشع النبي كان الموكب محملاً بعشر وزنات من الفضة وستة آلاف شاقل من الذهب وعشر حُلل من الثياب. يا لها من هدية عظيمة! كان يظن أنه يستطيع أن يشتري الشفاء بالمال. ولكن هل موهبة الله للشفاء تُشترى بالمال؟ ولَِمَ لا وقد تعوَّد أن يحصل على كل شيء بماله؟

نعم بالحق تستطيع أن تشتري كل شيء في العالم بمالك إلا أمور الرب والحياة الروحية. أنت لا تستطيع أن تشتري الحياة الأبدية والشفاء. فلا يستطيع كل ذهب العالم أن يشفي رجلاً من برصه، ولا أن يخلص إنساناً من خطيته.

إن الشيء الوحيد الذي يخلص الإنسان ويشفيه هو شخص الرب يسوع فقط ودمه المسفوك لأجلنا على الصليب. وهذا ما يقوله الكتاب صراحةً “عالمين أنكم افتديتم (اعتقتم وتحررتم) لا بأشياء تفنى بفضة أو ذهب.. بل بدم كريم كما من حَمَل بلا عيب ولا دنس دم المسيح” (1بط 1: 18-19).

نعم المال لا يستطيع أن يشتري خلاصك. إن خلاصك مجاني بدم يسوع.

2- كبرياء رغم الاحتياج..

جاء نعمان الأبرص عند باب أليشع.. والمفاجأة الكبرى التي صدمت نعمان عند وصوله أن أليشع رفض أن يخرج إليه لاستقباله بل أرسل إليه رسولاً يقول له ماذا يفعل ليطهر. فغضب نعمان. ورغم احتياجه الماس للشفاء، قرر أن ينصرف عائداً إلى أرضه دون أن يحقق الهدف الذي جاء لأجله!! تُرى لماذا قرر نعمان أن يتنازل فجأة عن الشفاء الذي كان يحلم به، والذي لأجله تحمَّل كل مشقة السفر؟

كان نعمان القائد العظيم يتوقع من النبي استقبالاً ملوكياً يليق بعظمته، ولا سيما أنه رجل عظيم وقد جاء إليه من أرض بعيدة محملاً بهدايا كثيرة. لقد إعتاد نعمان أن يكون موضع احترام خاص سواءً لمكانته الاجتماعية ونفوذه المميز أو لإمكاناته المادية والمالية.. وها هو يحمل الهدايا الكثيرة التي تفتح له كل الأبواب. فلماذا لا يخرج إليه أليشع ليقابله المقابلة اللائقة به؟

لا نعلم بالضبط لماذا لم يخرج أليشع لملاقاة نعمان، ولكن من المؤكد أن السبب لم يكن برص نعمان أو كنوع من التعالي من قِبل أليشع. فربما كان أليشع مشغولاً في صلاته أو جلوسه مع الرب.. ربما كانت هذه هي تعليمات الله له. لكن لم يحتمل نعمان أن يُعامل كشخص عادي، فغضب ومضى بسبب كبريائه.

ولم يكتف أليشع بألا يخرج للقاء نعمان، ولكن طلب منه أيضاً أن يذهب ويغتسل في نهر الأردن!! فاشتعل غضب نعمان أكثر وأكثر وقرر أن ينصرف ساخطاً. لماذا؟ لقد ظن أن الاغتسال في نهر الأردن شيء أقل مما يتناسب مع شخص في مركزه.. ولأن عبيده كانوا يفهمونه جيداً، قال له واحد منهم ” لو طلب منك النبي عمل أمر عظيم، أما كنت تصنعه؟”. لماذا يغتسل في نهر الأردن وبلاده بها نهران مياههما أنقى من الأردن؟*4 لماذا يسير كل هذه المسافة الطويلة ليُقال له أن يغتسل سبع مرات من أجل الحصول على الشفاء؟ هل يمكن لهذه “الوصفة” البسيطة أن تشفي جسده؟ كان يتوقع أمراً كبيراً يفعله. لقد ظن أن أليشع النبي يحتقره.. واحتقر نعمان وسيلة الشفاء البسيطة التي عُرضت عليه. لقد كان بطلاً وتوقع أن يكون علاجه فذاً، فلم يستطع أن يقبل الإيمان البسيط.

“رفض نعمان العلاج الذي قدمته النعمة لأنه كان يتطلب منه الاتضاع والتجرد من كبريائه. وهذا عين ما يحتاج إليه الخاطئ. فقد كان على نعمان أن يعرف أنه لا يزيد عن أن يكون أبرصاً مسكيناً هالكاً، وإن كل ذهبه وفضته لا تستطيع أن تشتري له الشفاء والتطهير. لقد كان محتاجاً إلى الاتضاع وطاعة الإيمان”.

عزيزي، هل كل ما يهمك هو العلاقة الشكلية مع الخدام ورجال الدين؟ وكيف يتعاملون معك؟ وكيف يُقدرون مكانتك الاجتماعية دون الاعتراف الحقيقي بحالتك الروحية ودون احتياجك إلى التوبة والاغتسال وتغيير الحياة؟ هل تكتفي برأي الناس أم يهمك كيف يراك الله؟!

3- معتقدات بشرية قديمة تحد الرب

لم يكن الكبرياء هو العائق الوحيد الذي كاد أن يعطل شفاء نعمان، ولكن أيضاً معتقداته وأفكاره الشخصية عن الله وطرق الشفاء. يقول الكتاب “فغضب نعمان وانصرف قائلاً: ظننت أنه يخرج للقائي ويقف أمامي، ويدعو باسم الرب إلهه، ويمر بيده فوق موضع البرص، فأبرأ” 2مل11:5 (ترجمة الحياة). لقد ظن وقال في نفسه أن هناك وسيلة معينة لشفائه، فعلى الأقل كان ينتظر من أليشع أن يفعل ما كان يفعله كهنة الوثن، أن يتلو بعض التعاويذ ثم يدعو باسم الرب إلهه ويردد يده على موضع الداء فيُشفى الأبرص. لقد وضع حداً وإطاراً لشفائه، وحََصَرَ نفسه في هذا الإطار، ولم يرد أن يكون منفتحاً على أمور الله التي لا تحد.

كََمْ من مرة وضعت طرقاً محددة من خبراتك أو معلومات من الناس وظننت أن الله سيتعامل معك فقط من خلالها. ترى كَمْ من مرة نفعل مع الرب مثل نعمان ونرفض الطريقة التي يتعامل بها الرب معنا؟؟ قد نظن أنه ينبغي أن نبذل جهداً كبيراً أو أن نمارس كَمْ من الفرائض والطقوس من أجل إرضائه، غير عالمين أن كل ما نحتاج إليه هو أن نأتي ببساطة أمام الله.. ونفتح قلوبنا له.. ونغتسل بدمه الثمين الذي يُطهر من كل خطية ويُزيل كل الأمراض.

وربما تكون أنت واحداً من الذين يضعون شروطاً للرب وتقول داخلك “أنا أريد أن أعطي حياتي للرب ولكن، فقط لو كان الرب يشفي جسدي.. أو يحررني في هذه الدائرة.. أو يتدخل في حل مشاكل أسرتي.. أو.. أو..، عندئذِ سأعيش له وأعطيه حياتي”. مؤكد أن هذا التفكير ليس صحيحاً، فأنت في احتياج إلى الله وفي احتياج إلى أن تعطي حياتك له بالكامل بلا شروط أو تحفظات. أشجعك ألا تكن جافاً وعنيداً في علاقتك مع الله، ولا تكن متكبراً أمامه، ولا تخدعه بكلماتك. لاتظن أنك أحكم من الله أو أن ذهنك أعظم من فكر الله. تعال اتضع أمامه ولا تكن مثل نعمان؛ فبدلاً من أن يتضع أمام أليشع، كان يريد أليشع أن يتضع أمامه.

أشجعك أن تكون سلساً في يد الرب وألا تضعه في قالب صغير وتضع حداً لمعاملاته معك. فقد تأتي إلى الاجتماعات بغرض أن يحل الله مشكلة ما في عملك بينما يكون قصد الله أن يتلامس أولاً مع أعماقك ويمد يده بحكمة في شفاء لنفسك لأنك في احتياج إلى هذا الآن، ثم بعد ذلك يتدخل في حل مشاكلك. لا تشك في وجود الله إن لم يتعامل معك بالطريقة التي تريدها. فقد يتعامل معك أحياناً بصوت خفيف هادئ، وفي أوقات أخرى يقتحمك بقوة ليطلقك من قيودك. قد يتحدث إليك بطريقة تختلف عن كل مَنْ حولك، وقد تختلف لمساته معك عن كل ما سبق معك في حياتك. لذا ثق فيه واترك نفسك له تماماً وكن متضعاً، وستجد الله يتعامل معك بلا حدود وبطرق لم تكن تخطر على بالك وأكثر جداً مما كنت تتخيل. آمن أنك تعبد إله حي.. إله غير محدود.. إله أعظم من كل تخيلاتك.

4- احتياجه للشفاء وليس إلى الله

كان نعمان في احتياج للشفاء ولكن مؤكد أنه لم يكن يشعر باحتياجه لله. ربما لم يشعر قط من قبل أن هناك شيء ينقصه.. فهو يمتلك كل شيء. لديه زوجة وأولاد وأموال.. ويسكن في قصر كبير به خدم وحشم.. لديه مركبات وفرسان. لذلك نجد أنه لم يقل كلمة واحدة في كل القصة تعبر عن عطشه إلى الله.

نعم رأيت كثيرين يأتون إلى الاجتماعات دون عطش حقيقي إلى الله، يأتون فقط لتسديد احتياجاتهم المادية والجسدية، يتوسلون إلى الله للتدخل في حل مشاكل في بيوتهم وظروف حياتهم دون الاهتمام بأن يدخل الله إلى حياتهم، وكأن قصة نعمان تتكرر يوماً بعد يوم على مر الأزمنة والعصور. وقد تتساءل وأنت تقرأ هذا الكتيب وتقول لي “ولكن مَنْ أعطى لكِ الحق في الحكم إن كان هؤلاء قد جاءوا إلى الاجتماعات عطشى أم لا؟”. بالطبع هذا السؤال هام جداً ولكن في الواقع أن هؤلاء الأشخاص هم الذين سردوا بعد ذلك مشاعرهم ودوافعهم بعد أن تقابلوا مع حضور الله الشافي والمحرر، فأدركوا الفارق.

حب جارف.. يصنع عجائب

كاد الأمل أن ينتهي تماماً ورفض نعمان أن يكون الاغتسال في النهر هو وسيلة الشفاء. فتقدم منه رجاله وقالوا: “يا أبانا، لو طلب النبي منك القيام بأمرعظيم، أما كنت تصنعه؟ فكم بالأحرى إن قال لك اغتسل واطهر؟”. فكما كان محبوباً من الفتاة الصغيرة، هكذا كان محبوباً من كل رجاله، وقد أعطوه مشورة تعبر عن حبهم له. هكذا تقبَّل مشورة عبيده الذين استطاعوا بحكمتهم أن يقنعوه بأنه لن يصيبه الضرر إذا فعل كل ما أمره به أليشع النبي، واقتنع بأنه لماذا لا يجرب أخر أمل في شفائه؟ لماذا لا يتعلق بوميض من الرجاء؟

فنزل نعمان إلى نهر الأردن وغطس فيه سبع مرات، كما أمره رجل الله. وهناك اقتحمه الله بالحب، ففي الحال طهر من برصه، ورجع لحمه كلحم صبي صغير. يالها من معجزة حقيقية! فرغم كونه رجلاً كبيراً، شعر كأنه في قوة الشباب. بالفعل هذا ما يصنعه الرب القدير؛ فعندما يصنع معجزة ما، لا يُرجع الشيء الذي تلف كما هو، بل يُرجعه أفضل كثيراً مما كان. الله لا يُرقع الحياة الروحية بل يحييها من جديد.. الله دائماً يصنع أموراً جديدة. “.. وأما أنا فقد أتيت لتكون لهم حيوة وليكون لهم أفضل” يو 10:10

لقد اختفى المرض والتآكل والموت من حياة نعمان، ودبَّت فيه الحيوية والصحة.. لقد اختفى الضعف وعادت القوة ورجع لحمه كلحم صبي صغير. تُرى هل أصابتك الخطية بالوهن والعجز؟ هل صرت مقيداً بخطايا أو عادات لا تقدر أن تتخلص منها؟.. هل صرت ضعيفاً محطماً نفسياً ومعنوياً؟ هل تعاني من الاكتئاب أو كرهت نفسك الحياة؟ أم هل تشعر بالعجز والموت الروحي، فلا تعرف كيف تأتي إلى الله أو تصلي له، عاجزاً عن أن تحيا معه أو تحبه؟

هيا تعال الآن اغتسل في دم المسيح وحينئذٍ سيطهرك من كل خطية ويحوِّل موتك إلى حياة، وضعفك وعجزك إلى قوة وانتصار..واكتئابك وفشلك إلى فرح ونجاح .. هلليلويا. صديقي أوجه لك دعوة للبداية الجديدة والحياة الجديدة مع الله. يمكنك الآن أن تترك كل الماضي خلفك وتنال الحياة الجديدة والقلب الجديد لتحيا في العهد مع الله.

فهذا بالضبط ماقيل في سفر أيوب عن الشخص الذي كان في غربة عن الله وقد اقتربت نفسه إلى القبر، وكرهت حياته الخبز ونفسه الطعام الشهي. ولكن ما أن رجع إلى الله واختبر الفداء والشفاء، “يصير لحمه أغض من لحم الصبي ويعود إلى أيام شبابه” أي33: 25.

حضور قوي.. ومفاجآت

في الحال رجع نعمان إلى أليشع رجل الله، هو وكل جيشه ودخل ووقف أمامه وقال “هوذا قد عرفت أنه ليس إله في كل الأرض إلا في إسرائيل”. يا له من إعلان قوي! فالله لم يشف نعمان فقط، بل اعلن له مَنْ هو.. أعلن له أنه إله الحب والشفاء. وأدرك نعمان أعظم حقيقة وهي اكتشافه للإله الحي الذي كان يجهله وتلامسه مع حبه العجيب ويده القديرة. لقد رآه المخلص والملك والشافي. اكتشف أن القوة لم تكن في نهر الأردن ولا في نهري دمشق، إنما القوة في الرب يسوع وحده.. وأن الشفاء ليس في الناس بل فيه هو وحده، إله الشفاء. ربما يكون هذا هو السبب الذي جعل أليشع لا يخرج إلى نعمان حتى لا يكون هو مصدر اهتمام نعمان. لقد خضع أليشع لقيادة الرب له وأراد أن يلفت نظر نعمان إلى الرب وحده. لذا أشير عليك اليوم أن تركز نظرك على الرب يسوع وتقول له “أنت مصدر شفائي.. لا أريد أن أضع ثقتي في ناس أو في خدام.. أنت لي كل شيء”.

والأكثرمن ذلك، رجع نعمان ليعطي المجد للرب وحده وليقدم له المحرقات والذبائح بدلاً من أن يقدمها لإله الوثن الذي كان يعبده. وقف أمام أليشع وقال بحسم وإصرار “.. لأنه لن يقرب بعد اليوم محرقة ولا ذبيحة لآلهة أخرى. بل للرب وحده” (ترجمة الحياة). نعم لقاء حيّ غيَّر كل مجرى الحياة!

أشجعك أن تترك نفسك لتختبر مفاجآت الله في حياتك. إن الله بالإيمان يستطيع أن يقلب كل موازين حياتك التي كنت تحيا فيها. لقد فاجأ نعمان بالحب والشفاء والتطهير.. وفاجأ عائلته وعبيده.. وفاجأ الفتاة الصغيرة. والأهم من ذلك كله أن الجميع اعترفوا بإلإله الحقيقي وحده.. إله الحب والفداء.

والآن وبعد أن قرأت أحداث كل هذه القصة، أدعوك أن تأتي إلى الرب بكل توقع وإيمان. حتى وإن كان هناك هدف آخر أتيت به إلى الرب دون إدراكك لاحتياجك الشديد له، ثق أن الرب يستطيع أن يقتحمك بحبه الجارف ويعوضك عن كل سنين ضاعت من حياتك. مؤكد مائة بالمائة أنه إن فتحت قلبك له، سيأتي إليك ويشفي أعماق نفسك.. ويشفي جسدك. والأعظم من هذا سيصنع فيك أعظم معجزة وهي معجزة تغيير الحياة، تلك المعجزة التي لا يستطيع أحد أن يصنعها إلا الرب يسوع وحده.

ورجع نعمان إلى بيته وعائلته، ولكنه رجع “نعمان” آخر. لم يرجع كما كان؛ صار خليقة جديدة.. وصار جسده في قوة الشباب.. وامتلأ بيته بالفرح.. وصار يشهد عن إله حي فُتحت عينيه عليه.. ومن المؤكد أن نعمان إذ كان شخصية مؤثرة، قد أقنع الكثيرين بمعرفة الرب وأولهما زوجته المحبوبة.ويالسعادة تلك الفتاة الصغيرة! فلم يكن أحد يتوقع أن هذه الفتاة التي بلا اسم ستكون هي المفتاح لرجوع الكثيرين إلى الرب، والسبب في كل ما حدث. نعم فتاة صغيرة لكنها عاشت مختلفة.. أثرت في حياة كثيرين.. وكانت آلة في يد الرب لاستخدامها رغم صغر سنها.. وضعفها.. ووحدتها. هل تريد أن يستخدمك الرب لتُخبر الكثيرين عنه فيعرفونه من خلالك؟ هل تريد أن يحدث هذا معك؟ هل تريد أن تعيش هذه الحياة؟

1* وردت أحداث هذه القصة في 2مل 5: 1-19

2* إن المعنى العبري لكلمة “نعمان” هي “نعيم”.

3*كنوز المعرفة الجزء الثالث ص 132

4* نهران في بلاد نعمان ينبعان من جبل حرمون ويصبان في بحيرة مالحة قرب دمشق. ورغم أنهما يصغران نهر الأردن لكن مياههما أنقى.

غادة طلعت

فيك شفائي 1

image

 



Leave a Reply